Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا وراء فتح ملف الخلافات الحدودية السودانية - المصرية؟

الاتحاد الأفريقي ينفي اعتماده خريطة تقدمت بها القاهرة ومسؤول مصري يرجع تصاعد التطورات "إلى أطراف ثالثة"

استفز السودان طرح ملف الحدود مع مصر في ظل اشتداد النزاع مع إثيوبيا بشأن سد النهضة (حسن حامد)

أثار التوقيت الذي فتح فيه ملف الأزمة الحدودية بين السودان ومصر، في مثلث حلايب وشلاتين، استفهامات عدة لدى الأوساط الرسمية والسياسية والأكاديمية في السودان، إذ يأتي ذلك في خضم الصراع المحتدم بين السودان ومصر وإثيوبيا في شأن تشغيل سد النهضة، مما يعني أن الخرطوم في غنى عن بروز صراع جديد يستنزف طاقاتها ويباعد المواقف بينها وبين القاهرة، فإلى أي مدى يؤثر بروز هذا الملف في التنسيق والتناغم اللذين سادا مفاوضات سد النهضة، لا سيما في ما يتعلق بمطالبتهما بتوقيع اتفاق قانوني يلزم الأطراف؟

ويبلغ طول الحدود بين مصر والسودان 1276 كيلومتراً، مما يجعلها أطول حدود برية لمصر، والأكثر اكتظاظاً بالسكان مقارنة بالمناطق الحدودية المصرية، حيث تضم سكان ثلاث محافظات جنوب مصر، هي الوادي الجديد وأسوان والبحر الأحمر، ويعتبر مثلث حلايب المُتنازع عليه غنياً بالمعادن والذهب.

دهشة التوقيت ورد فعل الخرطوم

يستغرب مراقبون توقيت اعتماد الاتحاد الأفريقي الخريطة التي تقدم بها الطرف المصري، وتضم مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد المتنازع عليها إلى مصر، على الرغم من الاستفزاز الذي تشكله للسودان.

وبداية رد الفعل السوداني كانت مع طلب رئيس المفوضية القومية للحدود السودانية، معاذ محمد أحمد تنقو، من الاتحاد الأفريقي العودة إلى الخريطة التي ترافقت مع انضمام مصر إلى الاتحاد العام 1964، ولدى انضمامها إلى منظمة الأمم المتحدة وعصبة الأمم في العام 1945.

وقال تنقو إنه ليس من حق الاتحاد الأفريقي تعديل حدود السودان المقدمة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1952.

وكشف تنقو أن السودان يعتزم الدفع بمذكرات احتجاج عبر القنوات الرسمية للاتحاد الأفريقي، مشدداً على رفض الخرطوم أية خرائط يصدرها الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة، باعتبار أنه ليس لديهما الحق في تعديل حدود الدول.

وأوضح أن وزارة الخارجية السودانية ستخطر الاتحاد الأفريقي بموقف السودان من تلك الخطوة، عبر مذكرة مدعومة بالمعلومات المهمة التي أعدتها مفوضية الحدود.

وقال مصدر في وزارة الخارجية السودانية لوكالة السودان للأنباء (سونا)، إن الخرطوم جددت شكواها أمام مجلس الأمن الدولي في شأن النزاع حول المثلث الحدودي مع مصر.

ووصفت الخارجية تجديد الشكوى بأنه إجراء روتيني لحفظ حق السودان والإبقاء على شكواه في أجندة مجلس الأمن، لأنه بعدم تجديدها كل ثلاث سنوات متصلة، ستحذف بشكل تلقائي من الأجندة، مؤكدة أن ذلك الإجراء لتأكيد حرص السودان في الحفاظ على حقوقه.

وتعود الشكوى إلى فبراير (شباط) 1958، وقد درجت الحكومات السودانية على تجديدها بينما يستمر النزاع على المنطقة.

الاتحاد الأفريقي ينفي ومصر حريصة على العلاقات مع السودان

في المقابل، نفى الاتحاد الأفريقي اعتماد أو تبني أية خرائط تؤكد تبعية مثلث حلايب الحدودي إلى مصر، وبحسب مبعوث مفوضية الاتحاد إلى السودان، محمد الحسن ولد لبات، فإن المنظمة مررت أوراقاً وصلت إليها من دولة عضو فيها إلى الدول الأخرى، من دون أن تتبنى مضمونها. وتركت المنظمة لأية دولة معترضة حق إرسال توضيحاتها واعتراضها، وسيتم توزيعها على الدول الأعضاء بأسرع ما يمكن، باعتبار أن القضية تخص الدولتين، وليس الاتحاد الأفريقي طرفاً فيها.

من جانبها رفضت الخارجية المصرية التعليق لـ"اندبندنت عربية"، إلا أن مسؤولاً حكومياً رفيع المستوى، قال في حديث مقتضب، إن "القاهرة حريصة على العلاقات الأخوية والمتجذرة مع الخرطوم ووحدة المصير المشترك". وأرجع تصاعد التطورات الأخيرة بشأن مثلث حلايب وشلاتين، إلى أطراف ثالثة قد يكون لها مصلحة في "تعكير صفو العلاقات بين البلدين في هذا التوقيت".

وفي السياق، توقع المتخصص في السياسة الخارجية، البروفيسور عبدالرحمن أبو خريس، أن "تلقي الحادثة بظلالها على مسارات التفاوض في شأن سد النهضة، بعدما حرّكت شكوك السودان وتكشف له أن هناك جهات تعمل من وراء الستار، مستغلة انشغاله بمفاوضات السد".

ويضيف أبو خريس أن "التقارب السوداني - المصري في هذه المرحلة يزعج الجانب الإثيوبي في شأن قضية السد، ويتزايد بمساندة مصر موقف السودان لاسترداد أراضيه في منطقة الفشقة، لدرجة اتهام أديس أبابا للخرطوم بالعمل لمصلحة القاهرة أو بإيعاز منها، الأمر الذي دفع السودان إلى رد حاد على ما اعتبره إهانة لا تغتفر في حقه من دولة جارة، مما يؤكد أن مرارات التقارب السوداني - المصري تسكن هواجس الطرف الإثيوبي وتحركها".

ولم يستبعد أبو خريس أن يكون لاستخبارات الطرف ثالث دور في الكواليس لإثارة الشكوك والتوتر بين السودان ومصر، باعتباره صاحب مصلحة في تحريك ملف حلايب في مثل هذا التوقيت الحساس، وكونه المستفيد الأول من ضرب التنسيق والتناغم السوداني - المصري.

الإضرار بالتناغم السوداني - المصري

واستغرب أبو خريس أن ترتكب البعثة المصرية لدى الاتحاد الأفريقي مثل هذا الخطأ الاستراتيجي الدبلوماسي في مثل هذا الظرف المعقد الذي تشهده علاقات الدولتين مع إثيوبيا، في مقابل التطور الملحوظ في التعاون بين مصر والسودان، على الرغم من الأزمة الحدودية الراكدة منذ سنين بينهما، وفشل المحاولات المتكررة لتخطيها في التوصل إلى حلول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع، "على الرغم من تملص الأمانة العامة للاتحاد الأفريقي من اعتماد الخريطة مثار الجدل، فإن الضرر وقع ووصل تأثيره إلى السودان، مما سيخلف ظلالاً وتداعيات على مستوى التنسيق بين البلدين، ويجعل السودان يعمل بعيون مفتوحة ربما تبلغ درجة مراجعة مواقفه وخطواته في اتجاه الانغلاق والتركيز على مصالحه القُطرية".

وتوقع أن "يكثف الجانب المصري مساعيه لتخطي هذا المنعطف وتخفيف وقعه وآثاره، إذ يفترض ألا ترغب القاهرة في فتح جبهات نزاع جديدة مع السودان خلال الوقت الراهن على الأقل، لا سيما أنها تفرض الأمر الواقع الآن في مثلث حلايب، وترفض التحكيم بوصفه أحد الحلول الودية".

وتوقع أن "تسعى مصر إلى لملمة الأزمة الجديدة مع السودان، لكن جهودها قد لا تكون كافية لتبديد شكوكه"، معتبراً أن تجديد شكوى السودان في خصوص نزاع حلايب الحدودي أمام مجلس الأمن هو "لحفظ حقوقه وتأكيدها، ويحمل رسالة إلى الجانب المصري".

وقلّل أستاذ السياسة الخارجية من القيمة القانونية لخطوة الاتحاد الأفريقي، والخريطة المشار إليها، مبيناً أن "ثمة خطوات معلومة تتبع لإثبات ادعاءات ملكية الأرض على الصعيد الدولي، ووفق شروط محددة لا تُعتبر الخرائط عاملاً حاسماً فيها، فضلاً عن أن لدى السودان ما يكفي من الحجج والبراهين والوثائق التي دفع بها إلى مجلس الأمن الدولي، مطالباً بالتحكيم أمام الجهات القضائية الدولية أو لجان تقصي الحقائق".

اختبار قدرات الاتحاد وصدقيته

على الصعيد نفسه، لفت المتخصص في العلاقات الدولية، الدكتور فتح الرحمن محمد أحمد، إلى أن إثارة هذه الخطوة في هذا الوقت الحرج تضع صدقية الاتحاد الأفريقي ومدى قدرته على التعامل مع هذه الأزمة في اختبار جدّي، في ظل الاتهامات حول التأثيرات الإثيوبية عليه، لا سيما أن الدول الثلاث من مؤسسيه، ولها الثقل السكاني الأكبر إلى جانب مواقعها الجغرافية المفتاحية في القارة.

وأردف أحمد أن "تعميم الخريطة المصرية مثار الجدل، أفرز ضغوطاً داخلية على الحكومة السودانية، إذ بات شعبها ينتظر منها موقفاً مماثلاً من قضية الفشقة، وقد ظهرت أولى ملامحه في تجديد السودان شكواه مصر أمام مجلس الأمن الدولي".

وأشار إلى أن "فشل الاتحاد في التعامل مع أزمة سد النهضة وهذا الملف بالحكمة والقوة اللازمتين، قد يعجل الدفع بهما إلى منابر دولية أعلى وأقوى نفوذاً، منها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما يشير إلى بدء تضعضع ثقة الأعضاء في المنظمة الأفريقية، ويعني أنها لم تعد مكاناً صالحاً لحل مشكلات القارة".

المزيد من تقارير