Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أدت الحداثة إلى عزل الفن التشكيلي داخل الإطار النخبوي؟

كتاب الرسام العالمي بول كلي ترجمه عادل السيوي وكتب له مقدمة تأسيسية

الفنان العالمي بول كلي في محترفه (غيتي)

"الثلاثة الكبار في الفن الحديث، هم بيكاسو وكاندنسكي وبول كلي، لكنّ بول كلي يحتل موقعاً خاصاً بينهم، لأنه قام بإنجاز نقلة كبيرة في إبداعه، جعلته الفنان الأكثر اقتداراً وتجسيداً للحداثة". هكذا وصف المؤرخ الفني الإنجليزي هربرت ريد تجربة الفنان الألماني بول كلي، بل ذهب ريد أبعد من ذلك حين وصف الدور الذي لعبه بول كلي في تاريخ الفن بكونه يماثل الدور الذي لعبه نيوتن في تاريخ العلوم.

هذه القيمة التي يمثلها بول كلي في تاريخ الفن كانت السبب الرئيسي الذي دفع الفنان المصري عادل السيوي إلى ترجمة كتابه "نظرية التشكيل" الصادر حديثاً عن دار "بعد البحر" في القاهرة. يتضمن الكتاب دراسة وضعها السيوي حول ملامح الحداثة الأوروبية والأسباب التي دفعت إليها، مستعرضاً المحطات الرئيسية والانعطافات الهامة في تاريخ الفن خلال القرن العشرين وما قبله، حتى وصولنا إلى اللحظة الراهنة، التي يراها السيوي لحظة استثنائية، تم التخلي خلالها عن الرؤية الشاملة المانعة الجامعة، وعن وضع تعريف ملزم أو تحديد دقيق منذ البداية. كما تم التخلي طواعية كما يقول، عن سيادة منطق واحد، وعن الروابط المباشرة ما بين الأسباب والنتائج.

ما يميز هذه اللحظة الراهنة في رأي عادل السيوي أنها تعطينا فرصة المُعايشة والتزامن، "فما يحدث الآن في حركة الفن العالمي يشكك بدوره في مرجعية السياقات الكبرى، هذه السياقات التي عزلتنا تاريخياً". لذا فهو يرى أن هذه اللحظة تمثل بالفعل فرصة يجب علينا كعرب ألا نتركها تفلت من أيدينا. وهو يحدد بداية هذه المرحلة في تاريخ الفن، ببداية الألفية الثالثة. ويدعونا السيوي للبحث والنظر والمشاركة في هذا الفعل الذي يتخلق أمام أعيننا، بخلاف ما اعتدنا من رصد تاريخي لظواهر ابتعدت وأكملت نضجها بمعزل عنا.

من أجل الوصول إلى هذه اللحظة الاستثنائية كان علينا، كما يقول السيوي، تأمل المحطات والانعطافات الكبرى التي أدت إليها، وهو الأمر الذي يحكم اختياراته للنصوص النقدية التي قدمها سابقاً ويسعى لتقديمها للقارئ العربي. والهدف سد النقص في البنية المعرفية المتعلقة بالفن، هذه البنية التي تعاني - بحسب رأيه - هُزالاً عاماً وضعفاً في طاقة التحليل ومناهج البحث، وهو الأمر الذي لا يسمح لنا بتكوين عقل تشكيلي يُعتمد عليه، إذ "لا يمكن إدارة أي حوار حقيقي اعتماداً على هذا الحجم البائس من المعرفة، سواء تعلق ذلك بتاريخ الفن بشكل عام أو بإنجاز الغرب أو بما ننتجه نحن  أنفسنا على أرضنا".

ثلاث محطات

في تقديمه للكتاب اختار السيوي ثلاث محطات رئيسية في تاريخ الفن، يرى أنها تشكل المرتكزات النظرية الأساسية، وهي الكلاسيكية، والحداثة، واللحظة الراهنة. وبعد استعراضه ملامح الكلاسيكية التي ترتكز كما يقول، على تحالف قوي بين تصور كلي للكون وكفاءة مستقرة في إدارة الحياة، يتطرق إلى الأسباب التي أدت للوصول إلى الحداثة كما نعرفها، والتي يصفها بأنها انقلاب عنيف واكب تغير أشكال السلطة التي عرفتها البشرية. فقد كان "صعود الطبقة الوسطى بالتحديد إلى السلطة حدثاً إنقلابياً في تاريخ الإنسانية كلها. فللمرة الأولى تولد سلطة لا تحتاج إلى أي غطاء مطلق، ومن دون أي تبرير كوني ديني أو طبيعي لوجودها، فهي مجرد إدارة للحياة. وبهذا التحول فقدت الكلاسيكية أحد أركانها الكبرى". فأي كلاسيكية راسخة كما يقول، لا بد من أن ترتكز على تحالف قوي بين تصور كلي للكون وكفاءة مستقرة في إدارة الحياة. وحين انهار هذا التحالف فجأة "وقع انفجار الحداثة الكبير في لحظة انعطاف ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين". ويذهب السيوي إلى أن بول كلي هو أفضل الذين جسدوا هذه الحداثة، لكونه "يشكل وضعاً متفرداً بذاته، نظراً لتجمع مواصفات خاصة لديه ولمروره بتجربة طويلة في نقل الخبرات الفنية، ولتنوعه الأسلوبي الواسع، إضافة إلى القيمة التي يمثلها في تاريخ الفن".

انطلاقاً من هذه الأهمية التي تمثلها الحداثة في تطور فهمنا للفن، يدعونا السيوي إلى تأملها من جديد وإلى إنعام النظر في دوافعها وعلاقتها بفهمنا المتغير للممارسة الإبداعية، طارحاً العديد من التساؤلات؛ وهي تساؤلات تعكس السجال المستمر إلى اليوم حول الحداثة وأثرها في وعينا المعاصر. "فهناك بلا جدال الآن خلافات كبرى حول الحداثة بغض النظر عن قضية موتها أو استمرارها في الحياة، ولكنها - قبلنا أم رفضنا - سادت القرن العشرين بأكمله، وما زالت تمارس فاعلياتها على رغم كل الشكوك التي تتزايد الآن حولها... كانت الحداثة قفزة كبرى بالفعل، ونقلة في حجم الوعي ونوعية المنتج معاً، وأصبح التنظير والتفكير يحتلان فيها قيمة الإبداع تقريباً".

أسئلة ملحة

يتساءل السيوي: هل أدت الحداثة في نهاية الأمر إلى فصل الفن وحجبه داخل أطر النخبة؟ هل أدى التخلي عن الدور المحوري للجمال إلى أن يفقد الفن أهم مرتكزاته؟ هل تحولت الرغبة المفتوحة في التجاوز إلى حالة من التوحش وصلت بالفن لالتهام نفسه؟ هل أصبح التجديد في الشكل غاية في ذاته، فوقعت الحداثة كلها في عبادة الشكل؟ هي أسئلة مشروعة بكل تأكيد يطرحها السيوي حول الحداثة، التي يدافع عنها معتبراً أنها قد حررتنا من أوهام كبرى عن الجميل والجمال، وخلصتنا من تصورات محدودة للتجربة الإنسانية داخل حدود مغلقة للزمان والمكان، وطرحت أمامنا أسئلة كبيرة حول دور الفن، كما دفعت الفنون البصرية للاستقلال عن رواسب الأدب وجمالياته، بل والانفصال نسبياً عن الواقع البصري المعاش نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول رئيسية: مدخل إلى نظرية التشكيل، الطريق إلى الشكل، التشكيل والحركة، العلاقات اللونية. تتضمن هذه الفصول الأربعة شروحاً تفصيلية بالرسوم التوضيحية للعلاقات الرئيسية التي تحكم بناء العمل الفني وفهمنا له وفقاً لرؤية بول كلي، كتولد الشكل والحركة والخط والمنظور والاتزان والإيقاع والبعد الزمني، وغيرها من التفاصيل الأخرى.

يقدم بول كلي في هذا الكتاب، أفضل (وأدق) الطرق لفهم اللغة البصرية بالمعنى الحديث، ويعرض مجموعة الخبرات اللازمة لكل من يمارس الإبداع في مجال التشكيل، سواء كان فناناً تشكيلياً أو معمارياً أو كان مهتماً بعالم المسرح والسينما أو الفوتوغرافيا، وخصوصاً لكل من يعمل في مجال التصميم بكافة أنواعه. بدءاً من النقطة ووصولاً إلى العمل المكتمل، يحلل بول كلي بالكلمات والصور معاً، قواعد الحركة والاتزان والتكوين وضبط إيقاع العلاقة بين عناصر المجال البصري. ويعرض في النهاية القانون الأساسي للعلاقات اللونية.

عادل السيوي فنان تشكيلي مصري،  صاحب تجربة خاصة ومسار فريد، تخرج في كلية الطب عام 1976 ثم تفرغ للفن. أقام الفنان في إيطاليا سنوات عدة، قبل أن يستقر في القاهرة. قدم السيوي للمكتبة العربية عدداً من الترجمات عن الإيطالية منها كتاب "نظرية التصوير" لليوناردو دافنشي والأعمال الكاملة للشاعر الإيطالي أونغاريني.

المزيد من ثقافة