الممثل زيلينسكي... رئيس أوكرانيا من الشاشة إلى القصر

فولوديمير جسّد شخصية رئيس الجمهورية في المسلسل التليفزيوني الكوميدي "خادم الشعب"... والجمهور يتوّجه رئيساً للبلاد بفوز ساحق

لم يتخيل يوماً الممثل الكوميدي الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي" الذي جسّد شخصية رئيس الجمهورية في المسلسل التليفزيوني الكوميدي "خادم الشعب" أن يتحقق الأمر على أرض الواقع، وعلى الرغم من افتقاره إلى الخبرة السياسية فإنه تمكّن من تجاوز العقبات السياسية، وحقق فوزاً ساحقا ًفي الانتخابات الرئاسية على الرئيس المنتهية ولايته بترو بوروشنكو، بعد أن تجاوز في مرحلة الانتخابات الأولى 42 مرشحاً للمنصب مثلوا تيارات وأيديولوجيات مختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وزيلينسكي البالغ من العمر 41 عاماً تمكّن من حصد 73.2% من الأصوات في دورة الاقتراع الثانية مقابل 25.3% لبوروشنكو، صاحب الـ53 عاماً، الذي تراجعت شعبيته بسبب جهوده غير الموفقة لمعالجة الفساد وتدني مستويات المعيشة، فضلا عن عجزه عن وضع حد للحرب في شرق البلاد وفضائح الفساد المتواصلة التي تلطخ الطبقة السياسية، لتبدأ بذلك صفحة جديدة "غير واضحة المعالم" في بلد يشهد حرباً على أبواب الاتحاد الأوروبي.

ورغم ابتعاده عن العمل السياسي طوال حياته، كطريق طبيعي للمضي قدما باتجاه أعلى المناصب في بلاده، كانت التجربة السياسية الوحيدة للممثل الكوميدي زيلينسكي، هي تأديته دور أستاذ تاريخ يصبح رئيسا للبلاد بشكل مفاجئ في مسلسل تلفزيوني.

زيلينسكي الذي لم يشغل أي منصب سياسي، ولد في مدينة "كريفوي روج" الأوكرانية، ثم التحق بكلية الحقوق في جامعة كييف، وكان يركز أثناء دراسته الجامعية على التمثيل. ولم ينكر هذا الأمر، حيث أعلن في بداية مارس (آذار) الماضي قائلاً: "نعم، ليس لدي خبرة لكن لدي ما يكفي من الطاقة والقوة. بالتأكيد لا أعرف كل شيء عن السياسة، لكنني في طور التعلم".

نادرون هم من أخذوا على محمل الجد الممثل الكوميدي حين أعلن ترشحه في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2018. لكن بعد حملة انتخابية، استمرت 4 أشهر وخرجت عن المألوف اعتمد فيها على شبكات التواصل الاجتماعي، والعروض المسرحية، توّجها بقضائه الساعات الأخيرة من حملته الانتخابية الجمعة الماضية في تأدية عروض مع فرقته في إحدى ضواحي كييف، متجنباً في ذلك اللجوء إلى الطرق التقليدية للحملات الانتخابية، تمكن من قلب الطاولة على الطبقة السياسية التقليدية في كييف.

وبحسب مراقبين استفاد زيلينسكي، الذي ترشح عن حزبه "خادم الشعب" الذي اقتبس اسمه من إحدى مسلسلاته، من عرض قناة تلفزيونية للعديد من عروضه الساخرة والوثائقية عن رونالد ريجان (الممثل الذي انتخب رئيسا للولايات المتحدة في1981)، الذي أدى زيلينسكي صوته في الدبلجة. وعرضت تلك البرامج قناة "1+1" التابعة للملياردير إيجور كولومويسكي، عدو بوروشنكو. وفي هذا الصدد، اتهم البعض زيلينسكي بأنه دمية بيد كولومويسكي وهو ما كرر نفيه.

وعقب فوزه، ظهر رئيس أوكرانيا الجديد زيلينسكي، وهو يحتفل وسط أنصاره. وتعهد في إعلان الفوز بمقر حملته أمام أنصاره المتحمسين بألا يخذل الشعب الأوكراني. ثم وجّه خطابه إلى الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي السابق "انظروا، كل شيء ممكن".

تغير جذري في المشهد الأوكراني

ويمثل فوز زيلينسكي تغيرا جذريا في المشهد السياسي في أوكرانيا، التي كان كل من تولوا الرئاسة فيها منذ استقلالها عام 1991 من السياسيين المخضرمين، بينهم ثلاثة تولوا من قبل منصب رئيس الوزراء.

وبعد خمس سنوات من ثورة الميدان المؤيدة للغرب، في فبراير (شباط) 2014، والتي أطاحت بالرئيس فيكتور يانكوفيتش، المقرب من موسكو، قرر الأوكرانيون مجددا قلب الطاولة لكن هذه المرة عبر انتخابات لم تخل من مواقف غير أخلاقية لكنها جرت في مجملها بهدوء وفي نطاق احترام المعايير الديمقراطية، وفق مراقبين ومنظمات دولية تابعت الاستحقاق.

وفي حلقة مشهودة من الموجة العالمية المناهضة للنخب، جسّد الفوز الكبير لزيلينسكي الذي وعد بـ"كسر المنظومة" بدون الخروج عن المعسكر المؤيد للغرب، مستوى تحدي الأوكرانيين لطبقتهم السياسية التي يمثل الرئيس المنتهية ولايته بترو بوروشنكو أحد رموزها.

موسكو وواشنطن... مواقف متباينة

وفيما اعتبرت موسكو، التي تثير سياساتها تجاه أوكرانيا جدلا للمعسكر الغربي بعد ضم شبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014، أن فوز زيلينسكي يعني أن الأوكرانيين يريدون "التغيير". هنأت الولايات المتحدة زيلينسكي، بالفوز في السباق الرئاسي، وشكرت بوروشنكو، على "تعزيزه العلاقات" مع واشنطن.

فمن جانبه، أمل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن تبقى كييف بعد الانتخابات ملتزمة اتفاقات مينسك للسلام في 2015 التي كانت أتاحت خفضاً كبيراً لمستوى العنف في منطقة النزاع. معتبراً أن "هناك فرصة لتحسين العلاقات مع بلدنا".

وإزاء تأخره الكبير في الجولة الأولى من الاقتراع حاول بوروشنكو التركيز على خبرته السياسية والدبلوماسية والعسكرية المتراكمة لخمس سنوات، محذرا من المخاطر التي تواجه أوكرانيا ومقدما نفسه كحاجز في مواجهة الرئيس فلاديمير بوتين. لكنه لم يفلح أبدا في استعادة الأسبقية على منافسه الذي هاجمه بشأن فساد المحيطين به، وقدم نفسه كـ"رجل بسيط" مناهض للمنظومة القائمة على غرار دور أستاذ التاريخ الذي انتخب رئيسا والذي جسّده في مسلسل تلفزيوني.

ترقب لسياسة زيلينسكي

ولايزال الغموض يلف السياسة التي سيتبعها زيلينسكي. ومع توليه الرئاسة سيجد نفسه قائداً أعلى للجيوش ومسؤولا عن التعيينات الأساسية. لكن هامش المناورة لاتخاذ إجراءات ملموسة سيكون محدوداً جدا لعدم امتلاكه أغلبية برلمانية، في حين لن تنظم الانتخابات التشريعية، مبدئياً، إلا في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

فمن جانبهم، يسعى المستثمرون إلى الحصول على ضمانات بأن يعجل الرئيس الجديد بالإصلاحات اللازمة لاستمرار تدفق المساعدات الخارجية وجذب الاستثمار الأجنبي المطلوب بشدة ليبقي البلاد في برنامج صندوق النقد الدولي الذي دعمها خلال فترة الحرب والركود وانهيار العملة. كما تبقى التحديات هائلة في هذه الجمهورية السوفييتية السابقة التي تواجه أزمة غير مسبوقة منذ استقلالها في 1991. وأعقب وصول أنصار الغرب السلطة في 2014 ضم روسيا للقرم واندلاع حرب في شرق البلاد خلفت نحو 13 ألف قتيل خلال 5 سنوات، وأججت هذه الأزمة التوتر بين روسيا والغرب اللذين تبادلا فرض عقوبات.

المزيد من سياسة