Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الميترانباج" مسرحية سورية عن سطوة الخوف ولو بالتوهم

اقتباس نص الكاتب الروسي ألكسندر فامبيلوف وقع في جمود اللغة الدرامية

لقطة من مسرحية "الميترانباج" السورية (اندبندنت عربية)

استعاد المخرج محمد فايز المحاميد نص "الميترانباج" للكاتب الروسي ألكسيندر فامبيلوف (1937-1972)، وأخرجه في المسرح القومي - دمشق، عبر التزام شبه صارم بحذافير النص الأصلي، الذي يحكي قصة "كالوشين" (فهد السكري) مدير الفندق الذي يقتحم فجأة غرفة "فيكتوريا" (غرام العلي) الفتاة التي تستضيف "بوتابوف" (تاج الدين ضيف الله) جارها النزيل في الفندق نفسه، وقد استأذنها بالبقاء في غرفتها ريثما يتابع أحداث مباراة كرة قدم بعد أن تعطل مذياعه الخاص به، وقام بأداء صوت المعلق الرياضي الفنان موفق الأحمد.

مدير الفندق لا يقتنع أن سبب وجود الرجل في غرفة فتاة جميلة هو هوسه بمتابعة مباراة، فيطلب منهما إبراز أوراق الزواج التي تخولهما قضاء خلوة شرعية، فيحتد النقاش بين المدير و"بوتابوف" الذي يغادر الغرفة حانقاً متوعداً المدير بالانتقام لسوء تصرفه. وعندما يسأل "كالوشين" عن طبيعة عمل الرجل ووظيفته، تخبره فيكتوريا أنه يعمل "ميترانباج".

ولا يلبث أن يدخل الريب قلب مدير الفندق من مفردة "ميترانباج" التي يجهل معناها، فيظن أن هذا الرجل ربما يكون موفداً رسمياً من الوزارة، وله سلطة ونفوذ قوية في موسكو، وربما يؤدي سوء تصرفه إلى عقاب واعتقال ومساءلة. الأمر الذي يدفع "كالوشين" إلى الاضطراب والخوف من مصير مجهول سوف يلقاه على يد نزيله المتنفذ، ما يدفع المدير تالياً إلى إعلان جنونه، والتظاهر بفقدان ذاكرته، لا سيما حين تدخل زوجته الشابة "مارينا" (هبة ديب) التي تتهمه بخيانته لها مع النزيلة الحسناء، فيما نكتشف لاحقاً خيانة زوجة المدير لشريكها الستيني مع الشاب "كامايف" (سليمان قطان)، وذلك عندما يستدعى مدير الفندق الريفي الطبيب "روكوسويف" (أميل حنا) بعد تظاهر المدير بإصابته بأزمة قلبية، مما يجعلنا أمام مكاشفات عديدة لشخصيات مصابة بسوء النية. وتعقبها اعترافات مدير الفندق بكل ما اقترفه من أفعال شريرة في الماضي، مباركاً علاقة زوجته الشابة بعشيقها، ليحاول العشيق هو الآخر التملص من هذا الموقف المحرج.

رعب المعنى

ومع تفاقم الأحداث يستدعي المدير أستاذ اللغة (فراس الفقير) الذي يجاهد عبر أداء شخصية غريبة الأطوار لاكتشاف معنى كلمة "الميترانباج"، لكن عبثاً يصل إلى معنى هذه المفردة التي ألقت الرعب في قلب المدير، وجعلته ينهار تلقائياً أمام الخوف من السلطة وبطشها المتخيل. ونكتشف بعدها أن "المترانباج" ما هو سوى منضد يقضي إجازة سنوية عابرة في فندق ريفي، ريثما يتم إيفاده إلى مهمة جديدة في الضرب على الآلة الكاتبة. الأمر الذي يشرح عبره المخرج سلسلة لا متناهية من بنية نظام الخوف، وما تفعله قوة الوهم في الكائن البشري، لا سيما في ظل أنظمة قمعية استدعاها المخرج عبر نص الكاتب الروسي، والذي كان المترجم السوري عياد عيد قد نقله إلى العربية ضمن كتاب حمل عنوان "طرفتان ريفيتان" (الهيئة السورية للكتاب- 2011)، وضم نص "الميترانباج" إضافة لنص "عشرون دقيقة مع ملاك" وكلاهما ينتمي للمسرحية الكوميدية ذات الفصل الواحد.

اعتمد عرض "الميترانباج" على صيغة واقعية سواء في الديكور الذي صممه كنان جود، أو حتى عبر الإضاءة المحايدة التي وضعها بسام حميدي، لتقتصر وظيفة الإخراج هنا على استظهار حوارات النص الأصلي على ألسنة الممثلين، دون محاولة الاشتغال عليه دراماتورجياً. فركز العمل على فن الإنشاء الدرامي، ووضع النص في سياقات سياسية وثقافية واجتماعية راهنة. وحافظ العرض على الظرف الاجتماعي الكائن في زمن كتابة المسرحية عام 1971، مبقياً على المذياع القديم، والأزياء التقليدية، ونبرة الحوار المتفاصح، من دون تقديم قراءة معاصرة وراهنة للحال السوري في الحرب. بل اكتفى بالتلميح بأن ما ينطلي على شخصيات العرض ينسحب على واقع الجمهور، الذي تابع هذه التجربة على مسرح القباني ضمن برنامج عروض "مسرح الشباب". وهو المشروع الذي كانت "مديرية المسارح والموسيقى" قد اعتمدته لإتاحة الفرصة لظهور مقترحات فنية طازجة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا حافظ المخرج فايز المحاميد في إعداده النص الروسي على اللغة العربية الفصحى، منساقاً إلى خيار لغة الترجمة، ومؤكداً صياغة أقرب إلى صياغة المسرح المتحفي، لتصير اللغة في هذه النوعية من العروض هي من يتحدث عوضاً عن الممثل. وذلك في محاكاة لصيقة بعروض المسرح القومي، أو ما يسمى "المسرح العابس"، لتبقى شخصيات العرض رهينة إتقان حواراتها باللغة العربية، من دون التفكير في تحويل اللغة هنا إلى كلام كمعادل لفظي قادر على إنتاج الأفعال والطرافة، بعيداً عن تجهم اللغة العربية الفصحى على الخشبة، والوقوع في أخطاء نحوية جعلت الشخصيات ذات نبرة إذاعية متكلفة وجافة، على الرغم من أن العرض قدم نفسه ككوميديا موقف، لا تخلو من اللعب على المفارقات والقفشات الساخرة المريرة في آنٍ واحد.

من هنا بقي عرض "الميترانباج" ملتصقاً بالنص الأصلي، وغير قادر على الخروج من لغة المترجم، مما انعكس على التوجه العام للأداء، وفتح الباب واسعاً على سؤال قديم- جديد في المسرح السوري، وهو ما فائدة استيراد نصوص أجنبية لتقديمها لجمهور الألفية الثالثة، من غير إعادة توليفها بما ينسجم مع المعادلة الذهبية لفن المسرح "الآن وهنا، نحن والآخر". بل بالتعويل أكثر فأكثر على الاجترار من الأدب المسرحي العالمي، ومن دون التفريق بين بنية النص الأدبي المترجم، وبنية العرض كعناصر متعددة للفرجة والمتعة والاشتباك مع الواقع. وهذا ما يجعل بعض المقترحات الجديدة عاجزة عن محاكاة ما يحدث على الأرض السورية، أو مفتقرة للجرأة الفنية الكافية في قول الأمور كما هي، من دون مواربة أو اختباء خلف نصوص تُستدعى على الخشبة بكامل دسمها الأدبي.

على مستوى آخر قدم العرض فكرة جوهرية عن الخوف، ومجتمع الخائفين، وهذا ما ظهر جلياً حتى في كلمة المخرج في بروشور العرض "يا لقوة الوهم، الناس سريعو التأثر لدرجة أنهم قد يلقون حتفهم من مجرد خيال". إلا أن العبارة السابقة ظلت هي الأخرى مادة خاماً، ومن دون معالجة تسمح بتظهيرها على الخشبة، ليظل الممثلون في مستوى من خطاب مباشر، وبيئة مشوشة لم تفصح عن طبيعة مكان وزمان العرض. فالحدث يجري في قرية قصية من الريف الروسي، لكن الشخصيات تتكلم لهجة عربية أصيلة، ويتعامل  بعضها مع بعض وفق هذا المعطى الهجين. وهذا ما أفقر المادة الكوميدية، وجعل العرض أقرب إلى قراءات مسرحية، تخللتها لمحات من الأداء المتكلف والبعيد عن جمهور دمشق 2021.

المزيد من ثقافة