Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في ذكرى رحيله الرابعة... آخر أيام "التصافي" بين عبد الرحمن الأبنودي و"الضيف الكريم"

كتب الشعر حتى على ورق الجرائد... وأحس بقرب نهايته بعد عيد ميلاده ‏السابع والسبعين... وهرب برئتيه وقصائده إلى هواء الإسماعيلية

تساءل شاعر العاميّة المصريّة عبد الرحمن الأبنودي بصوت عليّ الحجار وموسيقى ‏عمار الشريعي "هي البطولة تعيّش اسمك ولّا البطولة إنك تعيش؟". ‏مفتاح الحكاية من هنا، حيث أمسك الأبنودي حرفيّاً بجوهر ارتباك القلب وتوتر ‏العقل، أطلق السؤال على الجمهور، في حين أنه قد حسم الإجابة ‏والقرار قبلها بسنوات طويلة، فقد اختار أن "يعيّش اسمه" منذ بداية ‏انتشار أعماله في منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى قبلها. علم السر وصاغه في عبارات ننتفض لدى سماعها، فقد حقق "الخال"‏ـ كما يلقبه محبوه- البطولة الكبرى، حتى أن يوم 21 أبريل (نيسان) 2015 هو ‏فقط موعد مغادرة الجسد، وها هي الذكرى تأتي عاما بعد عام والأبنودي ‏لم يرتحل خطوة واحدة، طاغيا كما اعتاد في حضوره، يسطو بأشعاره ‏على الروح، حيث الأثر غير الزائل أبدا.‏

الرفيق المخلص لعبد الرحمن الأبنودي يروي سيرته

في سنواته الأخيرة، كان المقربون من الشاعر الكبير، الذي فارق الحياة بعد ‏أيام من بلوغه السابعة والسبعين، يعرفون أهمية "محمود" ‏بالنسبة إليه. البعض كان يسميه محمود الأبنودي لقربه الشديد من ‏الراحل، حيث ظلّ ملازما له منذ عام 1986، وظل مستودعا لأسراره طيلة ‏‏29 عاما. يحفظ مواعيد الدواء، يذكّره بالمناسبات المهمة، يطهو له ‏طعامه المفضّل، ويشرف على تنفيذ نصائح الأطباء التي كان يهرب منها ‏"الخال"، ويحفظ بالطبع طقوسه في الكتابة. وعن الأخيرة يقول محمود محمد ‏مصطفى، في تصريحات خاصة لـ(إندبندنت عربية) "كان يكتب في أي ‏مكان، وأي لحظة، فحينما يحضر الشعر لا شيء يوقفه، أعرف كيف ‏أتعامل معه وقتها، حتى أنني كنت أسير على أطراف أصابعي كي لا ‏يشعر بوجودي ويستمر في الكتابة، يكتب في الشُرفة أو في المطبخ أو في ‏غرفته، لا يوجد طقس محدد، هو بالطبع كان يفضّل تبييض قصائده على ‏ورق مسطر، ولكن لحظة الكتابة الأولى كانت على أي شيء، ‏وعادة كان يكتب أول مرة على جريدة يقرأها في يده، فقد علمني أن ‏الشعر ضيف خفيف يجب أن نكرمه لأنه يرحل سريعا، مثل النسمة ‏الصافية تأتي ولا يعطلها شيء ويجب أن نهتم بها، والأبنودي كان بستانا ‏مليئا بكل الزهور الجميلة والأغاني التي لا تفارقنا".‏

يبدو كلام "محمود" وكأنه كلام شاعر يخجل أن يعلن عن نفسه، يستخدم ‏تعبيرات وأوصافا واستعارات تليق بالفعل برفيق أحد أبرز وأهم شعراء ‏العاميّة المصرية في النصف قرن الأخير. يعلّق محمود على هذه ‏النقطة "أنا بالفعل أكتب، فلديّ خواطر كثيرة، ولكنني أحتفظ بها لنفسي".‏

منزل آية ونور

محمود رفيق الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي لا يزال يعيش في نفس ‏المنزل، بقرية الضُبيعة الشرقية الواقعة بمحافظة الإسماعيلية شرقي ‏مصر، وهو منزل "آية ونور"، حيث أسماه الأبنودي ‏على اسم ابنتيه الشابتين من زوجته المذيعة التلفزيونية نهال كمال. يهتمّ محمود بصيانة الذكريات الأخيرة لـ"الخال"، كما يهتم ‏بالحديقة وأشجار المانجو التي لم يحرم منها الشاعر الراحل أي شخص ‏كان يأتيه للزيارة ، ويدعو كل من يتصل به ليطمئن عليه أن يجد أقرب ‏فرصة ويذهب إليه ليتذوفها. يقول إنه كان مع الشاعر الكبير بالطبع حينما ‏شرع في بناء البيت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث استغرق ‏بناؤه وتجهيزه خمس أو ست سنوات تقريبا، وكان يتردد عليه من وقت ‏إلى آخر، ولكنه أقام فيه بشكل كامل منذ عام 2005، حينما نصحه الأطباء ‏بالعيش في مكان نقي وأن يبتعد عن هواء القاهرة، وكان محمود محمد ‏مصطفى هو الرفيق الوحيد الذي لا يتغير معه في هذا المنزل، لمدة عشر ‏سنوات كاملة قبيل الرحيل، وبالطبع كان معه كمساعد أمين فيما قبلها، ‏يواصل الرفيق المخلص "ما بيننا كان محبة خالصة، كان هو عائلتي، ‏نتفق ونختلف وهناك شدّ وجذب ولكنه معلمي الأول، علمني كل شيء ‏حتى الطبخ، فكنت أطهو له ما يحب من طواجن وأسماك ولحوم"، يحكي ‏محمود كيف كان يتصرف الأبنودي حينما يغضب منه، يقول "كان ‏يصالحني بطريقة مختلفة أيضا، وهي أن يطلب مني أن أصنع له كوبا من ‏الشاي، وقتها أعلم أننا قد تصافينا".‏

الأبنودي الذي عاني من مشكلات كثيرة في رئتيه بسبب الإفراط في ‏التدخين، عاش سنواته الأخيرة برئتين تعملان بنسبة عشرة في المئة ‏فقط، وكان يصف الوضع ساخرا من مرضه بأنه بات ‏يتنفس عن طريق الخياشيم مثل السمك، رغم ذلك كان صوته يمتلئ ‏بالحماس والمرح. وعلى الرغم من الأزمات المتعاقبة، يأتي صوته قويا ‏وممتلئا بالحياة، ويستقبل في منزله كل الأحبة، حيث شهد المنزل كتابة ‏أعمال كثيرة مهمة، بينها أغنيات مسلسلي "الرحايا" و"شيخ العرب همّام"، ‏وشهد استقبال كثير من المشاهير أصدقاء الشاعر الكبير الراحل، بينهم المطربين علي الحجار ومحمد منير، والراحلين نور الشريف وعمار ‏الشريعي، وغيرهم.‏

لم يحب عبد الرحمن الأبنودي، الذي حصل على جائزة الدولة ‏التقديرية عام 2001 كأول شاعر عامية ينالها، أن يلقي شعره على ‏الأصدقاء والمقربين في المنزل، كان يحب أن يقوله بالأمسيات ليراه في ‏عيون الناس، بحسب ما يؤكد محمود، حيث كان يقول له الراحل دوما إن ‏المثقفين والمقربين قد يجاملون الشاعر، ولكنه يفضل أن يشاهد بنفسه ردّ ‏فعل الناس العاديين.‏

الأبنودي في عيد ميلاده الـ77: أعرف أنه الأخير

الراحل كان لا يبخل على أسرته بأن يحتفل بعيد ميلاده معهم رغم أن مرور ‏عام من العمر لم يكن أمرا سعيدا بالنسبة إليه، لكنه اعتاد على الطقس. ‏وعن عيد ميلاده الأخير الذي سبق الوفاة بعشرة أيام، يقول محمود مساعد ‏الراحل وهو يغالب دموعه "قال لي إنه يعلم أن هذا هو عيد ميلاده ‏الأخير، وأنه يعلم أن نهايته اقتربت، وأوصاني أن أغسّله بنفسي، وبعد هذا الحوار بأيام قلية تدهورت صحته وذهب إلى المستشفى لآخر مرة بالفعل وكانت النهاية هناك، ‏والحقيقة أنه جاء لي في المنام قبيل وفاته بساعات، فأنا كنت لا أحب أن ‏أزوره كثيرا في مستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة لأنني لا أقوى على ‏مشاهدته في سرير المرض، وكنت أفضل أيضا أن أطمئن عليه عن طريق ‏زوجته السيدة نيهال يوميا في العاشرة صباحا، ولكن في تلك الليلة رأيته ‏بالمنام وجاء ليطلب مني أن أساعده في تغيير ملابسه وشعرت أن هناك ‏شيئا غريبا في الرؤية وتفاصيلها، فصحوت سريعا واتصلت بالسيدة نهال ‏كمال في السابعة على غير العادة، وبعد أن أغلقت الهاتف، اتصلت بي ‏سريعا وطلبت مني أن أحضر فورا، فذهبت ومع دخولي غرفته بالرعاية ‏المركزة كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وكأنه كان ينتظرني ليلقى ربه، فما بيننا كان ‏كبيرا جدا".‏

الزيارات المتبادلة لم تنقطع رغم الرحيل!‏

محمود مسقط رأسه بالأساس في قرية الصفّ بالجيزة، ولكنه اختار حياته ‏إلى جوار الأبنودي، ولا يزال يعيش بالمكان مع أسرته وابنيه الشابين، ‏يروي أن الأبنودي لا يزال يزوره بمنامه وخصوصا حينما يمر بضائقة ‏أو يصاب بوعكة صحية، وكأنه يريد أن يطمئن عليه، فيما هو لا يتوقف ‏عن زيارة مقبرته التي بناها قبيل الوفاة بسنوات على بعد قليل من منزله ‏بالإسماعلية، وتحديدا في منقطة جبل مريم، وقد أشرف على بنائها مع رفيق مخلص آخر هو السيد عبده محمود الذي أسهم في بناء المنزل المفضل للراحل كذلك، وأعد مقبرته لتكون لها قبة ‏وباب واحد على شاكلة المقابر في قريته بقرية أبنود بمحافظة قنا ‏جنوبي مصر، حيث ولد هناك في 11 من أبريل (نيسان) عام 1938، لأب يعمل ‏مأذونا شرعيا، وأم هي السيدة فاطمة قنديل التي يدين لها الأبنودي بكل ما تعلمه، ‏وتربى الصبي على أشعار السيرة الهلالية التي خلّدها على طريقته.

 ‏كما أسهم بكلماته في صنع بصمات بتاريخ كبار نجوم الغناء، بينهم عبد ‏الحليم حافظ وشادية ونجاة ومحمد رشدي وصباح ومحمد مينر وعلي الحجار ‏وماجدة الرومي، ومروان خوري، بالإضافة إلى عشرات الأغنيات قدم ‏أكثر من عشرين ديوانا شعريا، فيما لا تزال سيرته عامرة بالشعر ‏وعطرة بالمحبة، وخالدة بموهبة جاءت يقينا من "ملح الأرض".‏

المزيد من ثقافة