Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصري حاتم حافظ يواجه اغتراب الذات والعلاقة بالآخر

أبطال رواية "كقطة تعبر الطريق" تتقاطع مصائرهم في مدن الغربة

لوحة للرسام فؤاد حمدي (صفحة الرسام على فيسبوك)

يترك الكاتب حاتم حافظ كل إغواءات الكتابة عن الواقع المصري، ويمضي في رواية "كقطة تعبر الطريق" (الدار المصرية- اللبنانية) مع مغامرة روائية تنغمس في مآلات الحرب السورية، في جانب منها، ومع الاغتراب الفردي في مواجهة العالم في جانب آخر. أبطاله مجموعة من الغرباء مرهقون من الوجود نفسه، فيزيائياً ونفسياً، تتقاطع مصائرهم في مدن، شوارع، حانات، أرصفة الطرقات، محطات القطار، سيارات التاكسي، وأماكن غريبة يمرون بها ربما من دون أن يتذكروها مرة أخرى.

عالية امرأة سورية ثلاثينية، ليلي ابنتها في الرابعة من عمرها، ميشيل رجل فرنسي أربعيني، أولغا من بيلاروس تجاوزت الأربعين بسنوات، نعمة شابة تونسية مهاجرة إلى أميركا، إيهاب أو باها مهاجر مصري في العشرينيات، سهيلة شاعرة عربية غامضة ومضطربة نفسياً.

يمكن من خلال تفكيك العنوان، الذي يبدأ بأداة التشبيه مع (القطة) المرتبطة بالكثير من الرموز والدلالات، ثم حضور حالة العبور في دلالة واضحة على الانتقال بين مكان وآخر، إدراك مدى محدودية الأماكن كلها والتوق للانعتاق منها وصولاً لضفة أخرى، حيث هذا المعنى يتكرر على مساحة النص الذي بلغ 263 صفحة.

جميع الأبطال يسعون للعبور مكانياً ونفسياً، سواء كانوا منتمين إلى المكان أو غرباء عنه. هذا التطلع المرهق والشاق يجعل الواقع الراهن مرفوضاً، والأمل يرتبط بالمكان المنشود أياً كان. لكن ما ثمن لحظات العبور تلك؟

يمكن تلقي هذا النص على أكثر من مستوى، يجد القارئ العادي فيه حكاية مشوقة وكاشفة لأماكن ووقائع أخرى من العالم، ويجد فيه المثقف مقاربات تطرح تساؤلات جوهرية عن اغتراب الذات والعلاقة مع الآخر، البحث عن الأمان في مقابل الرغبة بالحرية، والانغماس أيضاً في تقديم رؤى عن الحياة لنقرأ: "يمكنك من هذه اللحظة البحث عن هذا الوجود. وكقطة شارع يمكنك عبور الطريق لأن هناك احتمالاً مهماً كان ضئيلاً في أن تجدي في الجانب الآخر من الطريق ما لم تجدينه في جانبك". لكن العبور يعني أيضاً احتمال الموت خلال الرحلة.

تنقسم الرواية إلى فصلين، الأول "امرأة غاضبة، رجل ضجر" ويتناوب فيه السرد "عالية" و"ميشيل"، الفصل الثاني "قطط برية"، يجري السرد فيه عبر راو عليم. استفاد الكاتب من تقنيات السيناريو في المشهدية والتقطيع، والفلاش باك، والمونولوج الداخلي، وهذا يتضح أكثر في الفصل الأول.

انزياح الأنماط

سعى الكاتب في الرواية إلى الابتعاد عن الصورة النمطية سواء بالنسبة للمرأة العربية، أو الرجل الفرنسي، أو أولغا اليهودية، ولتوضيح هذه الفكرة سوف أتوقف أمام ثلاثة مشاهد بعينها.

تُكرر عالية في أكثر من موقف أنهم يظنونها "باريسية" ليس فقط بسبب لكنتها بل بسبب عبوسها، إلى جانب هذا يبدو سلوكها نحو المرأة العجوز في رحلة القطار حين تشتكيها إلى رجل الشرطة بتهمة الإزعاج، لأن المرأة العجوز أدارت معها حواراً قصيراً.

أولغا البيلاروسية اليهودية تتعاطف مع عالية، وتستضيفها في بيتها، وتدافع عنها أمام فرنسيس على رغم أنها لا تعرفها. أما ميشيل فيبدو سلوكه مثالياً ليس فقط في طريقة تعامله مع عالية، ورعايته ابنتها ليلي، بل أيضاً في مواقفه نحو الفتاة السويدية زيلما ومساعدته لها، وإنصاته لنعمة الفتاة التونسية التي التقاها صدفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انشغل حافظ في نصه بمحاولة تجميل الواقع المشوش، مواجهات الشرق والغرب، عبر اختياره لشخصيات ايجابية (ميشيل- أولغا) اتسمت بميزة "التعاطف"، أو الرغبة الباطنية بوجود التعاطف في عالم شديد القسوة ولا يرحم أحداً.

في مقابل توتر الشخصية العربية واهتزازها (عالية - سهيلة - نعمة)، وإن كان هذا يعكس في جوهره الاضطراب الواقعي الناتج من الحروب والثورات التي حصلت أخيراً، سواء بالنسبة لعالية الهاربة من الحرب، أو نعمة الفاقدة للانتماء. أو سهيلة التي تؤمن بضرورة ارتداء الأقنعة طوال الوقت.

تصف نعمة نفسها قائلة: "سوف أعود إلى تونس ليس فحسب من أجل الصلاة عند رأس أمي، لكن أيضاً من أجل البحث عن مرفأ للرسو. لعلي تلك القطة التي تجد على الجانب الآخر من الطريق ما لم تجده على جانبها"، لكن تونس التي في خيالها لا تمنحها السكينة، ويكون عليها العبور من جديد.

لا يطال العبور فقط الأماكن، بل الهويات أيضاً، باها الشاب المصري الذي غادر قريته الفقيرة وفر عبر البحر إلى الشواطئ الإيطالية ومنها إلى فرنسا، يضطر إلى تقمص شخصية شاب هندي للحصول على عمل، فصاحب دار النشر لن يوافق على توظيف عربي لأنه يخاف أن يكون إرهابياً.

في الفصل الثاني "قطط برية" يمضي السرد عبر راو عليم، ويحدث تصاعد في الأحداث مع ظهور شخصية "سهيلة"، شاعرة عربية تتداخل فيها عدة هويات، وترتبط بعلاقة غامضة مع صاحب دار النشر فرنسيس التي ستعمل فيها عالية. شخصية مركبة تقدم نموذجاً واقعياً لاختلال الشخصية العربية في الغرب، وضياع هويتها.

ثبات نفسي

بدت معظم شخصيات الرواية ثابتة نفسياً عند محور محدد منذ البداية، عالية تعاني من القلق وعدم الثقة وخائفة من الفقد، هي التي خسرت بلدها بسبب الحرب ووجدت نفسها وحيدة مع طفلتها في فرنسا، تخاف أن تفقد ميشيل وفي الوقت نفسه تود هجره، حوارات الطفلة ليلي التي تجريها مع ميشيل تتجاوز عمرها بكثير (أربع سنوات).

أولغا التي فقدت زوجها بعد انتقالها إلى باريس وارتبطت بعلاقة عاطفية مع صديقة لها، تقدم نموذجاً آخر لتعاطف الغرباء حين تساعد عالية على رغم معرفتها لها قبل ساعات قليلة.

بدت شخصية ميشيل أكثر إيجابية وثباتاً، لكن في الوقت نفسه لا تبدو مواقفه الإنسانية مبررة، سواء نحو عالية وزيلما ونعمة هل هو انحياز إنساني نحو الأضعف؟ أيضاً في اختياره مواجهة مباشرة في بعض المواقف يقول: "بغض النظر عما كنتما تتحدثان بشأنه لكن وصف الإرهابي بالعربي لا يفتقد فقط للياقة لكنه يعرضكما للقانون، قال ميشيل وهو يؤكد كل حرف لأنه فكر في الظهور بمظهر المحامي"، في الوقت الذي تظل رؤية عالية له مشوشة ومهتزة حتى نهاية الرواية، هي تنوي هجره، لكن هذا لا يمنعها من أن تترك ابنتها ليلي برفقته بسبب اضطرارها للسفر لإجراء مقابلة مهنية.

اختار الكاتب أن تدور الأحداث في أسبوع عيد الميلاد، وأن تتمحور حركة الأبطال تصاعدياً نحو ليلة العيد، لتتقاطع مصائرهم مجتمعين في تلك الليلة داخل منزل أولغا، عالية ميشيل ليلي، وباها، ثم لاحقاً اللقاء مع سهيلة في الليلة ذاتها، وفي الجزء الأخير من الفصل لقاء عالية مع أسرة ميشيل.

يمضي جميع الأبطال في مسارات متجاورة، يلتقون في مدينة باريس، وكل منهم لديه تصوره الخاص عن المدينة، حيث كل فرد يبحث عن ذاته وعن الآخر في شوارع باريس وأحيائها.

ثمة مساحة من التصورات الافتراضية بين الأبطال عن بعضهم البعض، مساحة ناتجة من احتجاب جوانب نفسية مهمة لا تبدو واضحة تماماً، أو بسبب سيطرة فكرة ذهنية تُجسد إسقاطاً ما على الآخر، لذا يبدو كما لو أن الأبطال جميعاً تفصل بينهم مسافات اجتماعية ونفسية مرئية بوضوح لكنهم يرغبون في تجاهلها أو عبورها، سعياً لإيجاد الواقع- الحلم، على الضفة الأخرى.

المزيد من ثقافة