Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تمهد "جلسات المرادية" لحوار وطني في الجزائر؟

السلطة تكثف مشاوراتها السياسية وتتجه نحو حل البرلمان قبل تنظيم انتخابات نيابية مبكرة

يسعى الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون إلى تنظيم انتخابات تشريعية مبكرة (غيتي) 

افتتحت الرئاسة الجزائرية سلسلة من اللقاءات السياسية مع رؤساء الأحزاب أخذت تسمية "جلسات قصر المرادية"، والتي لم يتسرب منها سوى توجه السلطة نحو حل البرلمان وتنظيم انتخابات تشريعية مبكرة، وسط تساؤلات إن كانت هذه اللقاءات ممهدة لحوار وطني جامع يدرس برنامج "إنقاذ وطني"، لتجنيب البلد مزيداً من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وعشية الذكرى الثانية للحراك الشعبي المصادف لـ 22 فبراير (شباط)، يبدو الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون (75 عاماً)، العائد من رحلة علاجية في ألمانيا يوم 13 فبراير، مستعجلاً في تنفيذ أجندته السياسية التي "تعثرت" في العام الأول من ولايته الرئاسية، بسبب ظهور فيروس كورونا الذي أحدث شللاً تاماً في البلاد، على الرغم من أن السلطة تمكنت خلال تلك الفترة من تمرير تعديلات دستورية في نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، لم تحظ بدعم سياسي وشعبي واسع، ترجمته نتيجة الاستفتاء التي لم تتعد 24 في المئة.

والتقى تبون في ظرف 48 ساعة بستة رؤساء أحزاب لبحث أوضاع البلاد والإجراءات التي يعتزم اتخاذها، ويتعلق الأمر برئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة (حزب إسلامي)، ورئيس جبهة المستقبل عبدالعزيز بلعيد (وسطي)، ورئيس حزب جيل جديد سفيان جيلالي (علماني)، إضافة إلى رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري (أكبر حزب إسلامي في البلاد)، والأمين العام لحزب جبهة القوى الاشتراكية، يوسف أوشيش (يساري وأقدم حزب معارض في الجزائر)، والأمين العام لحركة الإصلاح الوطني (إسلامية)، فيلالي غويني.

حلّ البرلمان

وبينما اكتفت الرئاسة الجزائرية بالإشارة إلى اللقاءات عن طريق بيانات مقتضبة مرفقة بالصور، كشف "ضيوف تبون" أن الأخير ينوي حلّ البرلمان وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، كما جاء على لسان رئيس جبهة المستقبل عبدالعزيز بلعيد من دون تعقيب رئاسي. 

وفي حال تم حل البرلمان فإنه ثاني قرار من نوعه في تاريخ الجزائر، بعد ذلك الذي وقعه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد يوم 4 يناير (كانون الثاني) 1992.

في المقابل، ذكر رئيس حزب "جيل جديد" جيلالي سفيان أن الرئيس الجزائري ينوي إعطاء نفس جديد للعمل السياسي، موضحاً أن "ما استخلصه من لقائه مع الرئيس نيته إجراء الانتخابات التشريعية خلال يونيو (حزيران) المقبل، وأن السلطة فتحت الأبواب للاستماع لأحزاب المعارضة من أجل القيام بالتغيير الذي يطالب به الجزائريون".

وكان سفيان من أشد المعارضين للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وقاد تجمعات ضد ترشحه لولاية رئاسية خامسة، إلا أنه بات داعماً لتوجهات السلطة وخياراتها منذ اعتلاء الرئيس تبون الحكم، مما جعله محل انتقاد من قبل بعض من استغربوا تحوله من المعارضة الراديكالية إلى المهادنة.

ويهيمن على البرلمان بغرفتيه غالبية محسوبة على الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، والتي دعمت برنامجه وتوجهاته على مدى 20 سنة من الحكم. 

ومما يعزز فرضية محاولة تبون التخلص من التركة القديمة، وفق مراقبين، استثناء أحزاب الموالاة من جلسات النقاشات السياسية المقامة في قصر المرادية، التي اقتصرت على تشكيلات سياسية لا تحوز الغالبية النيابية في المؤسسات المنتخبة.

وتنتهي الولاية الحالية للمجلس في مايو (أيار) 2022، إذ اُنتخب أعضاؤه لولاية من خمس سنوات العام 2017، وعادت الغالبية فيه لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في عهد بوتفليقة، الذي أطاحت به انتفاضة شعبية العام 2019.

ووفق ما علمته "اندبندنت عربية"، لم تُوجه الرئاسة الجزائرية دعوات إلى حزب جبهة التحرير الوطني، وهو الحال بالنسبة إلى حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهما الحزبان اللذين دعا الشارع إلى حلّهما بعد حراك 22 فبراير، وجرى تحميلهما جانباً من المسؤولية عن الأزمة السياسية التي وصلت إليها البلاد.

شروط للحوار وجدل متواصل

من جانبها، كشفت قيادة جبهة القوى الاشتراكية، كبرى الأحزاب الجزائرية المعارضة، أنها طرحت على عبدالمجيد تبون مبادرتها السياسية المتمثلة في تنظيم مؤتمر وطني يرمي إلى جمع القوى الحية للأمة كافة، بغية إرساء القواعد الأخلاقية والسياسية لإرساء التغيير وبناء دولة القانون والديمقراطية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وترى الجبهة أن أي حوار وطني سيكلل بالفشل ما لم تتخذ السلطة تدابير سياسية قوية من شأنها إعادة الثقة للشارع الجزائري، وتوفير إرادة سياسية حقيقية لإرساء التغيير المنشود، وعلى رأسها إطلاق معتقلي الرأي، وفتح المجالين السياسي والإعلامي، ورفع كل القيود على ممارسة الحريات الأساسية الفردية منها والجماعية، وحماية حقوق الإنسان وإلغاء المضايقات ضد المناضلين والنشطاء السياسيين والجمعيات والنقابيين.

وأثارت "جلسات المرادية" ردود أفعال عدة على المستويين السياسي والشعبي من ناحية الشكل والتوقيت، وسط تساؤلات إذا كانت السلطة تنوي فعلاً التوجه نحو حلّ أزمة البلاد التي فقدت كثيراً من توازناتها المالية، أم أنها خطوة استباقية لامتصاص غضب الشارع الذي يستعد لاحتفال 22 فبراير؟

وبينما ذهب البعض إلى الاعتقاد أن الأحزاب التي تدعي "المعارضة" فضلت الاصطفاف إلى جانب السلطة بدلاً من الدفاع عن مطالب الحراك الداعي إلى تغيير جذري للنظام وليس واجهته، يقول فريق آخر إن "المعارضة لا تعني الرفض الدائم والقطعي للاتصال والحوار مع السلطة".

توريط أم تقاسم لأعباء المرحلة؟ 

وفي قراءته لتطورات المشهد، يعتقد الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي توفيق بوقاعدة أن "كل المؤشرات تدل على أن السلطة بدأت تُراجع خياراتها السياسية السابقة، وتراءى لها أنه لا يمكن أن تمضي وحيدة في خياراتها ما لم يكن لها شركاء يتقاسمون معها الأعباء وكُلف المرحلة".

وبرأي بوقاعدة، فإن "هناك نوعاً من استقرار الرأي لدى السلطة بضرورة إشراك معظم الفعاليات السياسية، وتوريطها في المسارات التي تريدها أو ربما في مساعي إيجاد الحلول". ووفقه، فإن "جلسات المرادية" جاءت لجس نبض الأحزاب السياسية وتوجهاتها بعيداً من خطابات الإعلام، وبناء على هذه المشاورات فقد تقرّر السلطة عقد لقاء وطني يجمع كل الطبقة السياسية، والاتفاق على خريطة طريق تمضي السلطة في تنفيذها وفق آليات يتفق عليها الجميع.

ووفق منظور آخر، يرى المحلل السياسي الجزائري أن "ما تقوم به السلطة قد يصطدم بصخرة الواقع في ظل وجود تخوفات من إمكان عودة الحراك الشعبي في شكل يعقد المشهد السياسي أكثر، ولهذا تسابق السلطة الزمن من أجل ثني عدد معتبر من مناضلي هذه الأحزاب عن الخروج إلى الشارع، لتبقى المواجهة محصورة بين الأشخاص غير المتحزبين أو الذين لم يقتنعوا بفكرة الحوار مع السلطة كطريق لإيجاد حل للمأزق الذي نعيشه الآن، سواء باستخدام عصا القمع أو تطبيق القانون وغيرها من الإجراءات، حتى يبقى الحراك معزولاً عن أية تغطية سياسية كما كان في بدايته". 

مواصلة أجندة السلطة

من جهته، يرى الصحافي الجزائري عبدالقادر بن مسعود أن "الجلسات السياسية" تدخل في إطار الخطة التي وضعتها السلطة للمضي قدماً نحو الانتخابات التشريعية المبكرة، بعد أن نجحت بتمرير الدستور في نوفمبر 2020.

ويستبعد بن مسعود الذهاب نحو حوار وطني جامع، وبرأيه فإن النظام السياسي طوى هذا الملف منذ الرئاسيات التي جرت في 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ويراه عودة إلى الوراء تجعله يتنازل أكثر لأحزاب المعارضة والحراك الوطني.

ويشير إلى أن تزامن جلسات الرئاسة مع الذكرى الثانية للحراك جعل البعض يعتقد أنها تمهيد للحوار، لكن عندما ننظر في فحواها والتسريبات الأولية التي جاءت على لسان رؤساء الأحزاب الذين استقبلهم تبون، نلحظ أن أجندتها لم تخل من الحديث عن الانتخابات والتحضير لها.

يُذكر أن مبادرة "نداء 22"، وهي ائتلاف مدني موسع يضم مكونات من الحراك الشعبي وشخصيات مستقلة ومثقفين وصحافيين، دعت إلى عودة التظاهرات مجدداً بالتزامن مع الذكرى الثانية للحراك. 

وبحسب الائتلاف، فإن "الأسباب ذاتها التي دفعت الشعب للانتفاضة في فبراير 2019 ما زالت قائمة، والمطالب الديمقراطية لم تتحقق، في ظل انهيار الوضع الاجتماعي والاقتصادي بشكل خطير وسريع". 

ويأتي هذا في وقت ركن فيه رسميون عدة، يتقدمهم وزراء في الحكومة، إلى "نظرية المؤامرة" التي تحاك ضد الجزائر، وهي تحذيرات تتقاطع مع تلك التي سبقت حراك 22 فبراير 2019.

المزيد من تقارير