Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجبهة الثورية السودانية من البندقية إلى كرسي السلطة

"استبدلت حمل السلاح بأجندة سياسية، لأن السلاح لم يعد وسيلة لتحقيق أي هدف مهما كانت قيمته"

ترقب شديد لمشاركة الجبهة الثورية السودانية في حكومة حمدوك التي شكلها أخيراً في ظلّ التحديات التي يعاني منها السودان (أ ف ب)

ينظر قطاع عريض من الشارع السوداني، إلى مشاركة الجبهة الثورية السودانية، التي تضم عدداً من الحركات المسلحة، في حكومة رئيس الوزراء السوداني الثانية عبدالله حمدوك التي شكلها أخيراً، بترقب شديد، في ظلّ التحديات البالغة التعقيد التي يعاني منها السودان، ومدى إمكانية مساهمتها في إيجاد حلول ناجعة لها، خصوصاً أنها كانت تمارس عملاً عسكرياً صرفاً، ما يضعها أمام اختبار حقيقي قد يؤدي إلى رفع أسهمها في حال نجاحها، أو تأرجحها في حال فشلها في معالجة أزمات البلاد بالشكل المطلوب.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي السوداني عبدالله آدم خاطر، "بكل تأكيد، مساهمة الجبهة الثورية كفصيل عسكري، ومشاركتها الحالية في الحكومة الانتقالية بعد نقاش وتداول في مفاوضات السلام التي تم التوقيع عليها في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 في العاصمة جوبا، والتي أدت إلى اتفاق يتضمن بروتوكولات بمواعيد محددة، يعدّ مكسباً للبلاد وللسلام، وتخفيفاً للأعباء المالية التي كانت تتحملها ميزانية الدولة، إذ كانت تصرف على السلاح والتدابير العسكرية المختلفة، وفي الوقت نفسه، كوادر هذه الجبهة، أخضعت نفسها إلى تدريب سياسي واقتصادي واجتماعي، فضلاً عما تتمتع به من وعي وإدراك وإرادة قوية، ما يجعلها قادرة على تطبيق ما تم الاتفاق عليه عملياً من بروتوكولات، وإمكانية المساهمة في بناء السودان".

الطريق الأمثل

ولفت خاطر إلى أن ما يحظى به السودان من ترحيب ومساندة من قبل المجتمع الدولي، جاء بسبب توقيع تلك الحركات المسلحة السلام، إذ إن الحرب التي شهدها إقليم دارفور كانت محلّ اهتمام كثير من دول العالم، بالتالي لا تريد أن تحدث انتكاسة بعد اتفاق السلام، لذلك يجب علينا مساندة تلك الحركات بانخراطها سياسياً واجتماعياً من أجل تطوير التجربة الديمقراطية، لا سيما أن الشعب السوداني بكامل مكوناته فقد اليقين مطلقاً بمبدأ الحروب، كما أن الحركات المسلحة توصلت إلى حقيقة بأن النزاع لا يجلب الحقوق إنما الحوار هو الطريق الأمثل لذلك.

أضاف المحلل السياسي، "نجد أيضاً أن العالم ينظر إلى استقرار السودان في ضوء العملية السياسية الجديدة المتمثلة في مشاركة الجبهة الثورية في الحكم، بأنه استقرار للقارة الأفريقية، لذلك وجد دعماً وترحيباً غير محدودين من كل دول العالم من دون استثناء، لأن انخراط حركات الكفاح المسلح في الحياة السياسية يعني ألا عودة للاقتتال مرة أخرى". وأكد أن "الجبهة الثورية ستكون حريصة على إنجاح تجربة الحكم المدني، لأنها تحمل معاناة سنوات من القتال وحمل السلاح، فضلاً عن كونها تخطط لمستقبلها السياسي، ما يحتّم عليها تقديم أداء جيد في هذه الحكومة حتى يكون رصيداً يشفع بها لدى قواعدها".

حال انقسام

إلى ذلك، أشار أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعات السودانية الرشيد محمد إبراهيم إلى أن "الجبهة الثورية استبدلت حمل السلاح بأجندة سياسية، لأن السلاح لم يعد وسيلة لتحقيق أي هدف مهما كانت قيمته، وقد أتاح لها اتفاق سلام جوبا المشاركة في أجهزة الحكم على الصعد كافة، سواء المجلس السيادي أو مجلس الوزراء، ولاحقاً المجلس التشريعي، لكن تقييم هذه التجربة يأتي في ظل ظروف غير عادية، باعتبار أن فترة الحكم الانتقالي يصعب فيها التقييم، لأن طبيعة هذه الفترة لا تتيح الحكم منفرداً، بالتالي يكون التقييم مرتبطاً بالنظام ككل. وواضح الآن أن هذه الفترة الانتقالية تشهد حال انقسام ظاهر ما يضرّ بعملية السلطة والحكم الرشيد، فضلاً عن أن الجبهة الثورية لديها معركة مؤجلة مع قوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة الحالية، لأنها أبعدتها عن المشاركة في السلطة الانتقالية الأولى إبان المفاوضات التي أجريت آنذاك برعاية إثيوبيا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

امتحان عسير

أضاف إبراهيم، "نلاحظ أيضاً أن طبيعة الوزارات التي أسندت للجبهة الثورية كالمالية، والحكم الاتحادي، والرعاية والتنمية الاجتماعية، إضافة إلى تمثيلها في المجلس السيادي بثلاثة أعضاء، ومنحها منصب حاكم دارفور، يجعلها في امتحان عسير لأنها جمعت كل السلطات، وهو ما يجعلها تحتاج إلى أن تثبت رشدها وعدالة مطالبها، وهذا رهن بأن يكون هناك تجانس بينها وبين المكون العسكري في المجلس السيادي، والحاضنة السياسية قوى الحرية والتغيير، فإذا حدث التجانس بين المكونات الثلاثة وتم الاتفاق على أجندة وطنية يمكن أن نشهد تقدماً، لكن إذا لم يحدث التجانس فمن المتوقع حدوث سيناريوهات عدة أحدها تحالف الجبهة الثورية مع المكوّن العسكري لتشكيل حكومة طوارئ، التي سبق أن أشار إليها رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح برهان كتهديد مبطن لاستعجال المكون المدني لتشكيل الحكومة الجديدة نظراً لتأخيرها أكثر من أربعة أشهر".

وتابع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، "في نظري، يمكن للجبهة الثورية السودانية أن تحقق نجاحات في ضوء مشاركتها في الحكومة الانتقالية الحالية، بالنظر إلى تجربتها السابقة في العمل الميداني وما واجهته من تحديات، وما لديها من قاعدة جماهيرية ومطالب تضمنها اتفاق السلام، فضلاً عن علاقاتها الخارجية بالمجتمع الدولي سواء دول أو مؤسسات أو منظمات، ما يساعد في جلب شراكات وتعاون مشترك لإنقاذ البلاد من أزماتها، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، وبشكل عام، قد تصطدم مشاركة الجبهة الثورية ببعض العقبات المتعلقة بتنفيذ اتفاق السلام والترتيبات الأمنية، لكن لن يصل الأمر إلى حمل السلاح مرة ثانية، لأنه لم يعد الخيار الأمثل لأهل دارفور، ولا الإقليم، ولا العالم".

الهرولة للسلطة

وسبق أن نفى رئيس حركة العدل والمساواة السودانية، وزير المالية في الحكومة الانتقالية الجديدة جبريل إبراهيم، في حوار مع "اندبندنت عربية" اتهام الحركات المسلحة بالهرولة نحو السلطة والمحاصصة على حساب قضية دارفور قائلاً، "أصحاب الغرض هم الذين يروّجون لذلك، لكن عندما تطّلع على اتفاقية السلام تجد أن الحديث عن المشاركة في السلطة يتضمن جزءاً بسيطاً جداً من الملفات الكبيرة التي تم الحوار فيها، فمثلاً من أصل ثمانية ملفات تتعلق بمسار دارفور، نجد أن هناك ملفاً واحداً تحدّث عن المشاركة في السلطة، ومن الطبيعي أيضاً أن يشارك الناس في حكم بلادهم، وأن يكونوا في الوقت نفسه شركاء في الاتفاق الذي وقعوا عليه، فالذين يقولون إننا مهتمون بالمحاصصة السياسية فقط، يريدون أن يستأثروا بالحكم ولا يريدون للآخرين أن يشاركوهم السلطة، وهذا أمر غير مقبول بأن تكون في قمة الحكم وتقول للآخرين، ليس من حقكم السؤال عن المشاركة في الحكم والمحاصصة".

وتمنى إبراهيم أن يخرج السودان من حلقة الصراع الأيديولوجي إلى التنافس من أجل خدمة المواطن، إذ أضاع السودانيون عقوداً طويلة من عمر الحكم الوطني في هذا الصراع، ما أدى إلى عدم استقرار البلاد، وحدوث انقلابات عسكرية متتالية، ما يستوجب حالياً التركيز على ماذا سنقدم للمواطن، وكيف نخفف معاناته من خلال وضع برنامج اقتصادي محكم للنهوض بالبلاد وإعمار ما دمرته الحرب وإعادة النازحين واللاجئين، لافتاً إلى أن حركته ستتحول إلى حزب سياسي، وقال، "هذا أمر معلن ليس بجديد، لكن أيضاً سنتحاور مع الآخرين، ونتفاوض معهم من أجل إقامة تحالفات سياسية، وفي اعتقادي أن كل القوى السياسية السودانية بحاجة لتكوين تحالفات جادة لخوض الانتخابات، وأرى أن من الأفضل تأسيس كتلة تاريخية لهذه المرحلة".

وسائل أخرى

وشدد رئيس حركة العدل والمساواة السودانية، في الوقت نفسه، على عدم عودة الحركات المسلحة إلى التمرد على المركز مرة أخرى، وقال، "لا أحد يرجو ذلك، ولا نتمناه، لكن إذا عجزنا عن تنفيذ اتفاقية السلام بصورة مرضية، مثلاً، إذا لم يتم استيعاب حملة السلاح في القوات المسلحة السودانية، أو لم يتم استيعابهم في الحياة المدنية بشكل مرض، قد يجدون أنفسهم مضطرين للبحث عن حقوقهم بوسائل أخرى، وبالتأكيد هناك من قد يلجؤون إلى خيار حمل السلاح، لذلك، مهم جداً أن تجتهد الأطراف المسؤولة في تنفيذ مسألة الترتيبات الأمنية، وفي مسائل الدمج والتسريح لضمان استيعاب أكبر عدد ممكن من حملة السلاح في الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية، وأيضاً في الحياة المدنية حتى لا يلجأ أحد إلى حمل السلاح مرة أخرى".

وأكد أن هؤلاء لو كانوا وجدوا في أي وقت ما وجدوه في هذه الفترة الانتقالية، أي حكومة لديها الاستعداد للجلوس مع الناس بصدق، والبحث بجدية عن حلول لقضية الوطن، ما كانوا حملوا السلاح.