Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التصفيح" ممارسة قديمة يعتقد أنها تحرس عذرية بنات تونس

عادة موجودة في الجزائر والمغرب أيضاً لكنها على طريق الزوال

أحد المفاتيح التي "تحل رباط التصفيح" (اندبندنت عربية)

في يوم زفافها، دخلت فاطمة غرفة والدتها ومعهما عجوز تحمل مفتاحاً قديماً في يدها، لحلّ الرباط السحري الذي كبّلتها به قبل 16 سنة، من أجل حمايتها من أي رجل يرغب في ممارسة الجنس معها، فالوحيد الذي يُفتح له الرباط هو زوجها.

تبدو العروس مستسلمة لقدرها الذي سُطّر لها، لكن في الحقيقة، هناك أمر في ذاكرتها لم تستطِع نسيانه، إذ حين بلغت سن العاشرة، جرحتها أمها وتلك العجوز، في فخذها الأيسر وأجبرتاها على أكل زبيبة مغمسة بالدم المراق من ساقها. وتركت هذه الحادثة أثراً كبيراً في نفسية فاطمة التي تقول باشمئزاز "مذاق الدم الممزوج بحلاوة الزبيب بقي في فمي إلى اليوم"، مضيفةً أنه "على الرغم من عدم إيماني بهذه العادات البالية، إلا أنني شعرت براحة نفسية عندما فكّت خالة أمي هذا السحر، متمتمةً بعض العبارات وكأنها كلمة سر، من دونها لن يقدر زوجي على فك عذريتي".

عرقلة الرجال

"التصفيح" بمثابة رباط يوثّق حول جسد الأنثى لحراستها حتى لحظة زفافها، وهي عادة شعبية تهدف إلى عرقلة الرجل الذي يرغب في معاشرة المرأة المصفّحة. 

ولم تعُد عملية التصفيح رائجة إلا في مناطق قليلة من تونس، وتتمثّل بجرح الصبية قبل أن تتجاوز الثالثة عشرة أي قبل مرحلة البلوغ، سبعة جروح فوق ركبتها اليسرى أو على فخذها الأيسر، وعادة ما تتم العملية من قبل والدتها أو جدتها أو إحدى النساء اللواتي يحظين بمكانة لدى العائلة. ثم تغمس سبع حبات من الزبيب أو القمح في الدم المراق من البنت وتردد تعويذة "أنا حيط (جدار صلب) وولد الناس خيط"، سبع مرات.

وعلى الرغم من أن التصفيح أضحى عادة نادرة في المجتمع التونسي، الذي تخلّص شيئاً فشيئاً من قيود الشعوذة والسحر، فإن تلك العادات لا تزال حتى الآن رائجة في أوساط شعبية قليلة، مع التحرر الجنسي الذي يعيشه قسم كبير من شباب اليوم.  

"الشرف أهم"

تقول إيناس (27 سنة) إنها تتذكر جيداً كيف تمّ جرح فخذها وتذوّقت دمها المغمس بالبسكويت وهي طفلة في عمر التاسعة. وتضيف، "في البداية لم أكُن أؤمن بهذه الخرافات، إلا أن مع أول علاقة عاطفية أحسست وكأن مشاعري مكبّلة، كلما تذكرت الجرح والدم، وتتالت العلاقات ولا أحد من الذين عرفتهم شعر بأنوثتي ولا أنا أحسست بنشوة أي علاقة".

وتردف أن الناس في مدينتها بأقصى الجنوب التونسي، "يعتبرون أن الشرف أهم من الدين"، مفسّرة "هم يعلمون جيداً بأن ممارسة السحر والشعوذة محرمة في ديننا، لكنهم يغضون الطرف عندما يقترن الدين بشرف بناتهم".

وعلى الرغم من ألم إيناس بسبب هذه الممارسات التي تقول إنها تركت أثراً نفسياً فيها، إلا أن زواجها في الصيف المقبل، هوّن عليها ما مرّت به من فراغ عاطفي ومنعها من عيش حياتها بحرية كغيرها من بنات جنسها.
ويبدو أن عملية التصفيح قد تؤثر في نفسية الفتاة، وتقول المتخصصة في علم النفس الاجتماعي فتحية السعيدي إن "هذه الظاهرة تعتبر ممارسة اجتماعية، يرتكز جوهرها على حماية البنات من فقدان العذرية عبر ممارسة الجنس أو الاغتصاب"، مضيفة أن "اللجوء إلى عملية التصفيح قبل بلوغ الفتاة، فيه إيهام بأن الفتاة التي يتم تصفيحها لا يستطيع أي رجل اختراق عذريتها، وهنا يتم خلق حاجز نفسي للفتاة وكأنه حاجز لا يمكن اختراقه. وبهذه القوة النفسية التي تمتلكها الفتاة من خلال هذه الممارسات، تصبح فعلياً جدار صدّ. وربما هذا ما يفسّر بعض تجارب الفتيات اللواتي اعتقدن أنهن محميات ولا أحد استطاع فض عذريتهن".

لكن وفي إطار التفسير النفسي، عبّرت السعيدي عن اعتقادها بأن "شخصيات الفتيات لا يمكن أن تكون متماثلة، إذ يوجد من بينهن مَن تجاوزن هذه الطقوس التي مورست عليهن وتخطّين الخوف الذي تملّكهن، وواصلن عيش حياتهن الجنسية بإرادتهن من دون أي حاجز لا نفسي أو اجتماعي. وهذا عائد أساساً إلى قوة شخصية الفتاة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


عادة نادرة

من جهة أخرى، تبيّن السعيدي أن "هذه الظاهرة أصبحت نادرة في تونس، وهي مثلها مثل ختان البنات في بلدان أخرى، موجودة في الجزائر والمغرب أيضاً". ومن منطلق حراسة الأنثى من رغباتها الجنسية، شكّل الختان في بعض مجتمعات الجنوب حلاً جذرياً لإخماد شهوتها، بينما اعتُمد التصفيح في بعض دول شمال أفريقيا، ومنها تونس.

وعلى الرغم من وجود هذه العادة الشعبية، إلا أنها اندثرت نوعاً ما في الأوساط الأكثر تمدّناً وبقيت بصفة قليلة في بعض الأوساط الريفية أو المحافظة.
من جهة أخرى، فإن تجربة ليليا (44 سنة) مختلفة تماماً، حتى إنها ضحكت عندما سألناها عن اختبارها الخاص مع عادة التصفيح، فقالت "أتذكر جيداً في سن العاشرة تقريباً عندما قامت جدتي بتصفيحي وهي تحاول إقناعي، بأن لا أحد يمكنه لمسي إلا زوجي المستقبلي يوم زفافي"، مضيفةً "وقتها لم أكن واعية بما يحدث من حولي".

وتابعت ليليا، ابنة الشمال الغربي "جئت إلى العاصمة لمواصلة دراستي الجامعية وكبنات جيلي، عشت قصصاً غرامية عدة،  ختامها كانت علاقتي مع زوجي الحالي الذي حملت منه قبل الزواج، ما جعلنا نعجّل موعد الزفاف". وأضافت "أعرف جيداً أن ما فعله أهلي كان من منطلق الخوف ومحاولة منهم لحمايتي لكن كلها عادات وشعوذة لا قيمة لها في أيامنا الحالية والدليل هو اندثارها تدريجاً".    

أما أم ميار، فقالت "عشت التجربة بإرادتي وأنا اليوم متزوجة ممّن أحببت وأنجبت منه ابنتين ولن أقوم بتصفيحهما للتحكم في حياتهما كما فعلت أمي وجدتي معي".

ومن منظور ديني، يُعدّ التصفيح أمراً محرماً، بحسب غالبية رجال الدين في تونس، لأنه يتم عادةً وسط طقوس أقرب إلى الشعوذة والدجل والسحر.