Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

4 عقود على لعبة الكراسي الإيرانية تحت حكم "آيات الله"

أفرزت التجربة السياسية في طهران بعد الثورة نموذجي الإصلاحيين والمحافظين الذين ينتميان للمؤسسة نفسها ويختلفان في طريقة معالجة الأمور

تحل هذه الأيام الذكرى الـ42 للثورة الإيرانية التي أسست الجمهورية (غيتي)

تحل هذه الأيام الذكرى الـ42 للثورة الإيرانية، التي وُلدت إثرها "الجمهورية الإسلامية"، بمؤسساتها وأيديولوجيتها، وربما حتى بسياستها الخارجية.

وإذا كان المؤرخون قد اختلفوا في تحديد الفترة التي تشكلت فيها سياسة إيران الخارجية، بين من يؤخرها بتوقيت الاستحقاق الثوري في أواخر السبعينيات، ومن يفضل رسم خطة بدايتها منذ الحرب العراقية - الإيرانية، كونها سبباً في بلورة نزعات ودوافع السياسيين في طهران، فإن النتيجة التي تفترض أن المنطقة برمتها باتت معنيةً بمعادلة السلطة في إيران هي واحدة في الحالتين.

هذا الارتباط السياسي بمنطقة غير مستقرة جعلها تتأثر مباشرة بما يستجد على ساحتها، وكان آخرها ما حدث في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، عندما استورد الإيرانيون شعلة الثورة مجدداً من المنطقة العربية، عقب اندلاع ما يسميه العراقيون "ثورة تشرين"، واللبنانيون "ثورة الواتساب"، لتصبح إيران ميداناً للثورة، وليس لاعباً في ميادينه.

هذه العودة إلى الحراك الثوري الواسع في دولة شهدت أحد أشهر حركات التغيير بالمنطقة في القرن العشرين، وأعمق تغيير في محيطها، وأكثر الأنظمة السياسية تعلقاً بمصطلح الثورة، تدعو لإعادة تقليب صفحات التجربة الـ42، بحثاً عن إجابة حول هل كانت الثورة حلاً مفترضاً أم جزءاً من المشكلة.

الضدّان: الثورة والإصلاح

وعلى الرغم من هذه المحاولة، فإن التظاهرات التي شهدتها إيران وصلت إلى طريق مسدود، فشلت خلالها في التقدم نحو انتزاع إصلاحات حقيقية، فعلى ما يبدو أن مساحة الإصلاح في الأنظمة الثورية، سواء كانت ثيوقراطية أم علمانية، هي مساحة ضيقة جداً، كما يرى الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك عبد العزيز، إياد الرفاعي، بقوله "في التجربة الفرنسية والروسية مارست الثورة قمعاً داخلياً وخارجياً، ولم تنتقل إلى التعقل السياسي إلا بعد عودتها لمنطق الدولة ولعب دورها الإصلاحي المنتظر، على الرغم من أن كلتا الثورتين لم تكن دينية، فالاختلاف بين تروتسكي ولينين للثورة الشيوعية كان في أساسه فلسفي يحتكم للنظرية الشيوعية". ويضيف حول إسقاط ذلك على النظام الذي أفرزته التجربة الثورية الإيرانية، أن "المشكلة في الثيوقراطية الإيرانية أنها ربطت السماء بالأرض في دستورها وسياساتها وشعاراتها، بالتالي لكي تتحول للمدنية والإصلاح فيترتب عليها إلغاء مبدأ ديني مرتبط لولاية الفقيه، وهو ما يستحيل لضربه في صميم المشروع السياسي الإيراني ذاته"، فعلى الرغم مساحة التنازلات التي يمكن انتزاعها على شكل إصلاحات محدودة جداً وفق النظام الثوري في حالته الدينية، فهي لا تشمل التنازل عن الحالة الدينية عن طريق تغيير عميق، لذا يستحيل صنع ذلك عن طريق المسار الإصلاحي الإيراني.

وفي حالة إيران بشكل خاص، هناك تقاسم مفترض للسلطة بين الحكومة المنتخبة والمرشد الأعلى، إلا أن الحكومة تبدو لا شيء أمام سلطات المرشد الواسعة، كما يقول المحلل السياسي الإيراني حسن هاشميان، لذا يتوجب أن نشرح كيف تشكلت النخبة السياسية الإيرانية حتى نفهم فرص الإصلاح من خلالها، فبعد عودة "خميني" إلى إيران، يقول هاشميان "قام بتأسيس مؤسسات الثورة الرئيسة (اللجان الثورية والحرس الثوري والمحاكم الثورية)، وما يتبع لها، تولت تلك المؤسسات مهمة توحيد الأيديولوجيا وتصفية من لا يتسق معها بشكل أو بآخر". ويضيف "لكن مع التجربة الطويلة في المعترك السياسي اختلفت النخبة التي شكلتها الثورة في طريقة معالجة الأمور، لتنقسم إلى فكرتين، سميت الطريقة الجديدة الإصلاحية، وحافظت المدرسة القديمة على اسم المحافظين، إلا أنهم ملتزمون بمبدأ التمسك بشكل النظام الحالي والمرجعية الأيديولوجية له".

هذا يجعل فكرة الإصلاح بمعناه العميق تبدو مستحيلة، بحسب المحلل الإيراني، إذ يقول "تمسك النخبة السياسية بهذا النظام الهرمي الذي يسهم في تضييق فرص الإصلاح هو المشكلة بذاتها، فعلى سبيل المثال: قبل الانتخابات، ومن خلال صلاحية قبول المرشحين لمنصب رئيس الوزراء، يتولى مجلس صيانة الدستور الذي تسيطر عليه النخبة السياسية المتدينة، مهمة تصفية المرشحين وقبول ترشحهم من عدمه"، وعلى مستوى تشكيل الحكومة بعد ذلك "يشارك المرشد في تشكيل الحكومة التي أجاز المجلس ترشحها، من خلال تزكيته عدداً من الحقائب الوزارية كالداخلية والمخابرات".

وكما أن للتحليل السياسي مكانة في تقييم العمليات السياسية، فإن التاريخ له المكانة ذاتها أيضاً بوضع الأحداث في ميزان السوابق، فقد مرت الأجيال الإيرانية التي عاشت تحت حكم "آيات الله" بنفس التجربة، لكن على ثلاث حقب، وهي الحقب التي نجحت في امتصاص حالة الاحتقان التي اعترت الشارع في كل مرة، وفي كل مرة كان النظام ينجح من خلال لعبة الكراسي في كسب بعض السنوات الإضافية في عمر شرعية النظام.

خاتمي... وآمال إنقاذ الثورة

مر "نظام الملالي" في طهران بحالات اضطراب عديدة منذ الثورة الإسلامية، استهلك فيها نفسه، واستنفد رصيد شرعيته الدينية، وانتهت كل تهم العمالة والخيانة التي كان يرمي بها معارضيه لتبرير إقصائهم، وكان جلياً حاجته إلى التفاهم مع المعارضة أكثر من مصادمتها، الأمر الذي أسهم في ظهور حركة أقل تشدداً، وأكثر قدرة على التماهي مع متطلبات الشارع، فكان محمد خاتمي.

كانت الآمال المعقودة على خاتمي كبيرة جداً، خاصةً أن شريحة كبيرة من الجيل الذي شارك في انتخابه هو الجيل ذاته الذي شهد ثورة 1979، والمطالب الحالمة التي لفتها، لذلك كانت صدمتهم فيه كبيرة، إذ لم يحتج خاتمي إلا لسنتين حتى تتعرض شعاراته للاختبار، ففي عام 1999 تم إغلاق صحيفة "سلام" الإصلاحية وفقاً للنظام الجديد الذي أصدرته الحكومة بمباركة مجلس الشورى تحت اسم "نظام حرية الصحافة الجديد"، وهو ما صدم الشارع، كون الصحيفة الرائدة كانت أحد حصون المعارضة والإصلاح الباقية، لكن الصدمة الأكبر كانت طريقة التعامل مع استيائهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فما إن اندلعت احتجاجات الطلبة في 1999 حتى بدأت الحكومة ممثلةً بـ"شرطة مكافحة الشغب" باستخدام العنف ضد المتظاهرين، ابتداءً من حادثة اقتحام سكن الطلاب، وصولاً إلى مشاركة الباسيج والقوات غير المؤسساتية الأخرى التابعة للمرشد في وأد الحركة، إذ كانت تظاهرات 1999 أول بروز لجماعة "أنصار حزب الله" التي كان لها الدور الأهم في قمع التظاهرة الطلابية بشكل وحشي، ليلام فيها خاتمي بالمشاركة فيها بشكل مباشر أو عدم السعي لاعتراضها، موجهاً اللوم إلى المتظاهرين بعد أن اتهمهم "بتكدير صفو الشعب الإيراني"، ما اعتبره البعض خيانة لآمال الشارع، وشعارات الإصلاح المزعومة، وهو الموقف الذي لم يتغير في التظاهرات الحاشدة التي شهدها خاتمي في 2003 قبيل تسليمه السلطة لأحمدي نجاد، إلا أن خاتمي الذي عد متهماً في كل هذا بادئ الأمر، كان ضحية له في فترة تالية، فقد سعى الإصلاحي في خضم هذه الأحداث إلى احتواء المطالب في عام 2002، بعد أن اتجه لتشريع قانون جديد للصحافة بدلاً من سابقه المثير للجدل، بالإضافة إلى قانون يعرف السجين السياسي في فترة اتسعت فيها الاعتقالات، إلا أن المشروع تم إيقافه. ويعود حسن هاشميان ليصف ما حدث حينها "مارس الحرس الثوري تهديداً مباشراً للحكومة، إذ أصدر بيان ضد التشريع وقع عليه 24 قائداً في الحرس كان من بينهم قاسم سليماني، لينتهي المشروع بمرسوم ولائي صدر عن بيت علي خامنئي بإيقافه في البرلمان".

الفقراء المتدينون

شهد وصول الرئيس المتشدد أحمدي نجاد إلى السلطة شكل جديداً  من التغيير الواعد، وإن لم يحمل أجندة إصلاحية تشبه تلك التي أتى بها خاتمي أو وعوداً بالحريات الاجتماعية والفكرية، إلا أن نموذج "الرئيس الفقير" القريب من الناس، الذي خرج من الجمهور الإيراني العادي، المثقل بالفقر، كان نموذجاً يستحق الاختبار، بعد فشل النماذج النخبوية ذات الأجندة الإصلاحية مع خاتمي.

قدم نجاد إلى السلطة في 2005 ببدلته البسيطة، ولحيته المبعثرة، تعتريه هيئة الفقراء وابتسامة الشخص البسيط، بوعود تحسين مستوى المعيشة، وإصلاح المشكلات الاقتصادية التي بدت تأكل المجتمع، ونجح نسبياً في البداية عن طريق ملفات المواصلات، وتقديم قروض لتحسين مستوى معيشة الفقراء والطبقة المسحوقة في إيران، إلا أن الاختبار في إيران لم يكن يوماً في الملف الاقتصادي. فقد أسهمت سياسات نجاد الذي زاد تزمته في زيادة عزلة إيران الدولية، بسبب ملفات كـ"إيواء الإرهابيين ودعم العمليات الإرهابية"، التي تتهمه بها جهات دولية، والملف النووي، وغيرها من الملفات التي فاقمت الفاقة الاقتصادية على الرغم من محاولات الإصلاح الطفيفة التي حاول تقديمها للفقراء.

وصلت هذه المشكلات ذروتها في اختبار 2009 الذي فشل فيه نموذج "الرئيس الفقير" الزاهد بالسلطة، عندما اتهم الشارع الإيراني وقوى المعارضة أحمدي نجاد بتزوير الانتخابات التي خاضها أمام مير حسين موسوي حرصاً منهم على البقاء في السلطة، واندلعت إثرها الثورة الخضراء التي لم يتردد الزاهد في قمعها بغية البقاء في السلطة لفترة رئاسية ثانية.

هو نفسه كان ضحية للنظام الذي عمل على حمايته، فبعد قرابة السنتين من قمعه لجمهور موسوي ومحافظته على السلطة، وجد نفسه في صدام مع المؤسسة، عندما أراد إعادة تشكيل حكومته بدءاً من إبعاد حيدر مصلحي وزير المخابرات والأمن القومي، إلا أنه قوبل برفض من المرشد الذي يملك سيادة على هذه المؤسسة، ليواجه نجاد ذلك بإضراب ضمني عن العمل، امتنع فيه عن مغادرة منزله 11 يوماً.

روحاني... آخر آمال الإصلاح

بعد حقبة أحمدي نجاد، كانت السلطة العليا في إيران بحاجة إلى وجه أكثر مصداقيةً لاحتواء احتقان الشارع، فكان روحاني نموذجاً مناسباً.

فبعد سقوط أحلام "السلطة المعارضة للسلطة"، وانكشاف صعوبة صعود حكومة معارضة لسياسات المرشدين، كان أمل الجيل الذي تربى بأكمله تحت سلطة آيات الله أن يرى حكومة وسطاً، قادرة على تطبيق مشروعات الإصلاح والانفتاح الموعودة، دون حاجتها للاصطدام بسلطة رجل الدين الذي من شأنه أن يفشلها قبل أن تبدأ، ويغرق البلد في دوامة الصراع على السلطة بين أطراف النظام.

قدم روحاني في 2013 محققاً تقدماً نسبياً في مجال الحريات، منهياً عزلة إيران الخارجية نسبياً بعد الاتفاق النووي الذي عقده مع الغرب، واعداً بالانفتاح على العالم سياسياً واقتصادياً، إلا أن كل هذا تبخر في لحظة.

كان أوباما يراهن على إمكانية إصلاح النظام في إيران من خلال تقديم امتيازات نسبية للإصلاحيين، إلا أن هذه الامتيازات فاقمت من الأزمة في الملفات التي لم يطلها الاتفاق النووي، بدءاً من استياء دول المنطقة التي تتهمها بلعب دور في زعزعة استقرار الإقليم، وصولاً إلى برنامجها الباليستي الذي ظل عقدة أبقت على التحفظات السابقة من سياسة إيران الخارجية، الأمر الذي أسقط الاتفاق سريعاً وأسقط مكاسبها معه.

ارتد ذلك عكسياً على دعاية النظام ووعوده بتوظيف مكاسب الاتفاق النووي في تحسين الوضع الاقتصادي وإنهاء عزلة إيران الدولية، وانطلقت على إثرها احتجاجات واسعة في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2018 شملت 64 مدينة إيرانية، خرج فيها الناس تحت وطأة اتساع نطاق الفقر وتدهور أوضاع المعيشة، الأمر الذي واجهه روحاني بمحاولة الاحتواء تارة، والقمع تارات، ورمى مسؤولية تحريك الشارع على الولايات المتحدة و"دول إقليمية غنية" كما قال في حينها، وهي الحالة التي لم تخف وطأتها منذ ذلك الوقت، فحتى الاحتجاجات التي تلتها في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 تزامنت مع موجة التظاهرات الثانية في المنطقة العربية، وهو ما يطرح تساؤلات حول منطقية استخدام ألفاظ كـ"معارضة"، أو "إصلاحيين" لوصف الأفرقاء الذين تنافسوا مع المحافظين في الخلافة الحكومية أو النيابية في طهران على مر العقود.

إذ يفضل الأكاديمي إياد الرفاعي تسميتهم "البراغماتيين" بدلاً من الإصلاحيين في تعليقه عن التصنيف الحقيقي لما يسمى المعارضة في طهران "يوجد حياة سياسية منفصلة في طهران عن تلك التي بيد العملية الانتخابية تتحكم بمقاليد العملية السياسية، فقد قام الخميني بعملية تطهير للثورة التي قضت على التيارات المدنية فيها، ثم أتبعها بعملية تنحية أقطاب أخرى داخل التيار الإسلامي نفسه، كانوا أكثر براغماتية يمثلهم رفسنجاني وخاتمي، وغيرهما"، إلا أن الفصيل البرغماتي عاد للواجهة بعد وفاة الخميني، لكن يجب ألا نغفل أنهم فصيل من الحركة الإسلامية الثورية الإيرانية غير أنه أكثر براغماتية، ويتمتع بمساحات مناورة أرحب، بحسب رأي الرفاعي، وهو ما يتوافق مع ذكره هاشميان، عندما أكد أن "الثورة بمؤسساتها المستحدثة صفت المشهد السياسي من حركاته، وصنعت نخبتها السياسية الجديدة، والتي تطورت وفق التجربة، إلا أنها تحافظ على تمسكها بقيمة المؤسسة التقليدية".