Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صفقة اقتصادية جديدة خضراء بعد الجائحة... ما شكلها؟

ما السياسات التي على السياسيين التزامها وما الإجراءات التي يجب أن يبادر إليها قطاع الأعمال وما التغييرات التي يفترض أن تطرأ على حياتنا اليومية؟ بن تشو يشرح التفاصيل

مزارعون ألمان يتظاهرون مطالبين بحماية البيئة والحشرات الملقحة مثل النحل (أ ف ب)

تسببت جائحة فيروس كورونا في أكبر صدمة على الإطلاق للاقتصاد العالمي. والأزمة المماثلة الوحيدة هي أزمة الركود الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين. وستكون مهمة إعادة بناء الاقتصاد في أعقاب هذه الكارثة ذات أبعاد ملحمية.

لكن مهمة إعادة البناء الضخمة تأتي في وقت كان المحللون وخبراء الاقتصاد والناشطون في مختلف أنحاء كوكب الأرض يحضون بالفعل على تحول جوهري في بنية اقتصاداتنا للتعامل مع أزمة المناخ العالمي.

ومن المقبول في شكل شامل تقريباً أننا في حاجة إلى إزالة الكربون من اقتصاداتنا وإنهاء استخدامنا الوقود الأحفوري خلال هذا القرن من أجل الحيلولة دون الاحترار العالمي الجامح والمأساوي.

كان ذلك هو الاتفاق الذي توصل إليه زعماء يمثلون كل الدول الأمم تقريباً في مختلف أنحاء العالم في إطار اتفاقيات باريس لتغير المناخ عام 2015.

لذلك يوفر اندلاع الجائحة بهذا المعنى فرصة سانحة.

ويحض كثر، صناع السياسات والساسة الآن على اغتنام الفرصة لتنفيذ "صفقة جديدة خضراء"، تعيد بناء الاقتصاد العالمي على مدى السنوات المقبلة على النحو الذي يضعنا في شكل حاسم على مسار إزالة الكربون.

لكن كيف تبدو في الواقع "صفقة جديدة خضراء" تشمل الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد الجائحة؟

وما السياسات التي على السياسيين التزامها، وما الإجراءات التي على قطاع الأعمال أن يتخذها الأعمال، وما التغييرات التي يُفترض أن تطرأ على حياتنا اليومية؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ترجى فائدة من احتساب "الصفقة الجديدة" الأصلية [السابقة]. هي كانت مجموعة ثورية من السياسات التي وضعها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بعد الانهيار الاقتصادي العالمي الكبير الذي شهده العالم في ثلاثينيات القرن العشرين.

وتضمنت خطة أعمال عامة جديدة للحد من البطالة الجماعية، واستثمار الدولة على نطاق واسع في البنية التحتية لتوفير منافع عامة جديدة قيمة، وإنشاء شبكة أمان اجتماعي واسعة إلى حد غير مسبوق ومجموعة من السياسات التنظيمية لحماية المواطنين.

وحجم برنامج إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي هذا وطابعه الشامل هما مصدر إلهام لدعاة التوصل إلى صفقة جديدة خضراء.

وكما كانت الحال في ثلاثينيات القرن العشرين، يُعد توليد فرص العمل من بين المنافع الاجتماعية الرئيسة المترتبة على صفقة جديدة خضراء.

فقد ارتفعت معدلات البطالة في مختلف أنحاء العالم في هذه الأزمة. وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن 8.8 في المئة من ساعات العمل العالمية ضاعت عام 2020 مقارنة بعام 2019، أي ما يعادل 255 مليون وظيفة بدوام كامل.

ومن حسن الحظ أن إنتاج الطاقة المتجددة (في الوقت الحالي على الأقل) أكثر "تكثيفاً للعمالة" [يقتضي أعداداً كبيرة من اليد العاملة] من إنتاج الوقود الأحفوري، ما يشير إلى أن هذا التحول لا بد من أن يعزز فرص العمل في الإجمال.

ومن المؤكد أن برنامجاً ضخماً يشتمل على العزل الحراري للملايين من المباني وإعادة تجهيز المليارات من المساكن التي تحتوي على أنظمة تدفئة منخفضة الكربون أو خالية منه، مثل مضخات الحرارة التي تتخذ من الهواء مصدراً أو الغلايات الكهربائية، سيشكل أيضاً مصدراً لوظائف وإيرادات جديدة للعاملين.

ويقول باحثون في صندوق النقد الدولي "إن التحفيز المالي الأخضر من شأنه أن يدعم الناتج المحلي الإجمالي العالمي والتشغيل أثناء التعافي من أزمة كوفيد-19".

وسيتطلب التوصل إلى صفقة جديدة خضراء أن تتخلى الحكومات عن كل إعانات الوقود الأحفوري المتبقية المخصصة للشركات والأسر، وأن تزيد الضرائب المفروضة على الأنشطة ذات الانبعاثات الكربونية الكثيفة مثل السفر الجوي وقيادة السيارات العاملة بالبنزين أو الديزل– وسيواجه العديد من القرارات مقاومة شديدة من  جماعات الضغط المختلفة.

ولمواجهة مساعي الضغط هذه والفوز بمعركة الرأي العام، على الدول أن تتخذ تدابير حاسمة وسريعة لدعم مداخيل الأسر في مرحلة انتقالية، وإعادة توزيع العوائد من ضرائب الكربون على المستهلكين الأقل حظاً الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة.

وسيكون من واجب الحكومات أيضاً أن تؤدي دوراً موسعاً إلى حد كبير في التمويل وضمان إعادة تدريب العديد من العاملين في اقتصاد الوقود الأحفوري على أدوار في الاقتصاد الجديد الذي لا يوّلد الكربون. وستحتاج المناطق والبلدان التي تشهد تركيزاً كبيراً للوظائف المرتبطة بالوقود الأحفوري إلى مساعدة خاصة.

فصفقة جديدة خضراء من دون "انتقال عادل" مصيرها الفشل. وبالنسبة إلى الأسر يترتب على صفقة جديدة خضراء تحولات في نمط الحياة، مثل تناول كميات أقل من اللحوم، وتدفئة المساكن على نحو مختلف، والسفر في شكل مختلف وربما بوتيرة أقل. وسيقاوم البعض هذه التغيرات، لكن كثيرين سيرحبون بالهواء النظيف وغير ذلك من المنافع الصحية. فالحد من تلوث الهواء نتيجة لإزالة الكربون يَعِد بالمساعدة في منع مئات الآلاف من الوفيات المبكرة سنوياً.

لكن ما التوازن المطلوب بين الدولة والسوق في المرحلة الانتقالية على صعيد الطاقة في سياق صفقة جديدة خضراء؟

يعتقد البعض أن الحكومات لا بد من أن تكون في مقعد القيادة، فتستثمر الدولة الأموال العامة في شكل مباشر في البنية التحتية الجديدة لأن القطاع الخاص والتمويل الخاص لن يحققا أي إنجاز.

تقول الخبيرة الاقتصادية آن بيتيفور، مؤلفة كتاب "من أجل الصفقة الجديدة الخضراء": "علينا أن نتقبل حقيقة مفادها بأن القطاع، مع بعض الاستثناءات، لن يساعد في تمويل مشروع ضخم لتثبيت المناخ بشروط مقبولة ومستدامة".

غير أن آخرين يتصورون أن الأمر لا يعود إلى قدرة القطاع الخاص على توفير القدر الأعظم من التمويل للمرحلة الانتقالية على صعيد الطاقة المتجددة فحسب، بل وعليه ذلك، في وقت ستوفر الدول الإجراءات اللازمة لتحفيز هذا الاستثمار، بل وحتى قد تُلزم القطاع الخاص [القيام بذلك] من خلال فرض تنظيمات وضرائب صارمة.

ويشير هؤلاء إلى أن الحكومة إذا حظرت، مثلاً، بيع السيارات العاملة على الديزل، أو الغلايات الغازية، قد تخلف أثراً ثورياً في السوق من دون أن تحتاج الدولة إلى أن تصنع بنفسها سيارات كهربائية أو غلايات هيدروجينية لا تطلق انبعاثات كربونية.

ومن المرجح أن يتفاوت التوازن المناسب بين استثمارات الدولة والقطاع الخاص في الأنشطة ذات الانبعاثات الكربونية المنخفضة بين بلدان مختلفة. وقد يكون من الأفضل ضخ أموال الدولة لتمويل مشاريع البحث والتطوير في مجال التكنولوجيات الناشئة التي لا تطلق أي انبعاثات كربونية.

وفي نهاية المطاف من المهم تنفيذ الاستثمارات، وفي المقام الأول من الأهمية، تحقيق إزالة الكربون.

ترتبط الصفقة الجديدة الخضراء في الولايات المتحدة بالديمقراطيين التقدميين، لكن في المملكة المتحدة تبنى ملامحها الرئيسة حزب المحافظين بقيادة بوريس جونسون، الذي يقول إنه يهدف إلى "ثورة صناعية خضراء". واشتركت أحزاب من كل الاتجاهات في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي في "صفقة خضراء أوروبية".

وقد يجمع تبني الصفقة الجديدة الخضراء اليسار واليمين على حد سواء، وكل من المنادين بسيطرة الدولة والليبراليين. فلا داعي لجعلها محور حروب ثقافية.

ويسي تقدير حجم التحدي الحسبان بأن الحكومات قادرة على التوصل إلى صفقة جديدة خضراء وحدها، من دون أي مشاركة من القطاع الخاص، أو أن الأسواق من الممكن أن تُترَك لحل مشكلة تغير المناخ من دون الدولة.

فالتوصل إلى صفقة جديدة خضراء سيتطلب تحولاً جوهرياً ومتزامناً، وهو ما يستدعي تحركاً من كل حكومة، وكل شركة، وكل أسرة في العالم.

© The Independent

المزيد من اقتصاد