Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل فقدت لندن موقعها المالي وسط تقدم المنافسين؟

أمستردام تصبح أكبر مركز لتداول الأسهم الأوروبية وتزيح العاصمة البريطانية من القمة

لندن عاصمة المال والأعمال الرائدة في العالم لا تنافسها في ذلك سوى نيويورك (أ ب)

نجحت العاصمة الهولندية أمستردام في سرقة الأضواء من عاصمة المال التاريخية لندن في تداول الأسهم الأوروبية والمشتقات الاستثمارية في الشهر الأول بعد بريكست.

وتم تداول مزيد من الأسهم في أمستردام الشهر الماضي مقارنة بلندن. ما أدى إلى إزاحة العاصمة البريطانية عن الصدارة كأكبر مركز تجاري في أوروبا، وذلك نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي، وفقاً لبيانات جديدة.

وقال متخصّصون ومستثمرون إن فرض القيود المتكرر شهد أسوأ أثر في سوق العمل إذا عرفنا أن وضع البنوك العالمية في لندن بات مهدداً مع تحويل هذه المؤسسات أعمالها بل أصولها إلى أوروبا.

ويشير المتخصصون إلى أن المدينة المصرفية التاريخية باتت مهددة بفقدان مكانتها السياحية، إذ في مناسبات الأعياد والتسوق التجاري كانت الطرق خالية وأبرز شوارعها كأكسفورد ومتاجرها الشهيرة موصدة الأبواب.

بالتأكيد، إن المملكة المتحدة هي إحدى الدول الأكثر تضرراً من جائحة كورونا إذ سجّلت أكبر عدد من الوفيات في أوروبا، وانكمش ناتجها المحلّي الإجمالي بنسبة هائلة يتوقّع أن تزيد على 11 في المئة في أسوأ أزمة اقتصادية تواجهها منذ أكثر من 300 عام.

علماً أنها توقفت عن تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي في 1 يناير (كانون الثاني) 2020، وبدأت في تطبيق إجراءات جديدة على صعد السفر والتجارة والهجرة والتعاون الأمني.

تعد لندن عاصمة المال والأعمال الرائدة في العالم التي لا ينافسها في ذلك سوى نيويورك، واستطاعت على مدى عقود جذب رجال أعمال ومشاهير ومستثمرين من الصين وروسيا والبلدان العربية على نحو مدهش.

إلا أنه وبحسب تقرير لمكتب "إرنست آند يونغ"، قامت مؤسسات مالية بريطانية ودولية عديدة بالتحول إلى أوروبا بعد بريكست، وفعلاً أُنشئت مكاتب لها في الاتحاد الأوروبي، وبعضها توسع في مقراته الموجودة هناك أصلاً، من باريس إلى فرانكفورت وأمستردام، وبقية البلدان الأوروبية.

وذكر التقرير أن قيمة الأصول للشركات المالية التي خرجت من لندن إلى الاتحاد بلغت أكثر من 1200 مليار جنيه إسترليني (1648 مليار دولار) منذ استفتاء بريكست.

أمستردام تتفوق على لندن

مع التحديات التي تواجه بريطانيا، أشار تقرير جديد إلى أن أمستردام عززت موقعها المالي العالمي، إذ بلغ حجم تداول تلك الأسهم والمشتقات في بورصاتها في يناير حوالى 9.2 مليار يورو (11.2 مليار دولار) يومياً في سوق "يورونكست أمستردام"، أي أكثر من أربعة أضعاف المبلغ الذي تم تداوله في ديسمبر (كانون الأول)، وفقاً للبيانات الصادرة عن مؤسسة "شيكاغو غلوبال أوبشنز إكستشينج غلوبال ماركت" الأميركية، وتم نشرها في وسائل الإعلام. وقد تراجع حجم التداولات في لندن  إلى 8.6 مليار يورو (10.4 مليار دولار) في يناير، بعدما غادرت السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي في 31 ديسمبر 2020.

في العام الماضي 2020 كان حجم تداول الأسهم والمشتقات في لندن 17.5 مليار يورو (21.25 مليار دولار) يومياً في المتوسط، بينما كانت بورصة فرانكفورت في ألمانيا في المتوسط يومياً في المرتبة الثانية بقيمة 5.9 مليار يورو. وكانت بورصة أمستردام قبل بريكست في المرتبة السادسة بحجم تداولات من الأسهم والمشتقات الأوروبية عند 2.6 مليار يورو (3.16 مليار دولار) يومياً في المتوسط.

من ناحية أخرى، بلغ حجم التداولات في بورصة باريس 6 مليارات يورو (7.3 مليار دولار)، ووصل الحجم في فرانكفورت إلى 5.8 مليار يورو (7 مليار دولار)، وفي ميلانو إلى 2.6 مليار يورو (3.16 مليار دولار).

مع ذلك، تم استئناف تداول الأسهم السويسرية في لندن الأسبوع الماضي فحسب، بعد قرابة عامين من تعليقها في يوليو (تموز) 2019. ما قد يوفر دفعة للعاصمة البريطانية.

لذا، لم تعد المؤسسات المالية في الاتحاد الأوروبي قادرة على تداول الأسهم في لندن، إذ لم تعد بروكسل تعترف ببورصات الأوراق المالية وأماكن التداول في هذه الأخيرة.

لندن متأرجحة بسبب التداعيات السريعة

بحسب آراء اقتصاديين، مهما يكن من وجهات نظر، فإن بعض عواصم المال العالمية تطورت بشكل متدرج ومتقدم بإدخال أنظمة مالية متقدمة مثل هونغ كونغ وسنغافورة وفرانكفورت حيث جذبت كفاءات مالية عالمية متعددة الخبرة واللغات ما عزّز موقعها العالمي.
إلا أن العاصمة البريطانية باتت متأرجحة بسبب التداعيات السريعة التي مرت بها، إذ يؤكد متخصّصون أن القيود المتراكمة التي فُرضت قد تكون ضرورية لتفادي انتشار الوباء فترة طويلة، إلا أن ذلك لم يجنبها الخسارة المزدوجة على المدى البعيد في قطاع الأعمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل يشهد 2021 تحولاً؟

ذكر متخصّصون أن "أزمة جديدة" تلوح في الأفق، لا تبشر بشيء مفرح مع فرض ضرائب جديدة على استيراد المنتجات من أوروبا، إذ اشتكى عدد من رجال الأعمال من الضريبة ورسوم الجمارك التي لم تكن موجودة سابقاً، فيما بات القطاع المالي يترنح بسبب الفشل في الصفقات مع الاتحاد.

ووفق رصد "اندبندنت عربية" وسائل إعلام بريطانية، فإن عدداً من الشركات البريطانية العاملة بالتجزئة كانت أعلنت عن حرق منتجاتها التي شُحِنت إلى عملاء في الاتحاد الأوروبي بسبب التكاليف الإضافية والإجراءات الروتينية الناتجة من بريكست، إذ إن المستهلكين الأوروبيين الذين يشترون بضائع من مواقع إلكترونية لبائعين بريطانيين للأزياء بالتجزئة يتسلمون فواتير تتعلق بالتخليص الجمركي والضريبة على القيمة المضافة تساوي 20 في المئة أو أكثر من تكلفة البضائع، وفق الجمعية البريطانية للأزياء والنسيج.

ضربة ثنائية  

استمراراً لتداعيات جائحة كورونا، فإن لندن تلقت ضربة ثنائية، منها خسائر قطاع المال البريطاني الذي شهد انخفاضاً في الأداء، وتحوّل الشركات عنها في هجرة قسرية لم تكن متوقعة، على الرغم من أن هذا التأثير سيكون مؤقتاً بحسب مطلعين على الشؤون البريطانية. لكنهم أبدوا مخاوف من تراجع المركز المالي الذي كانت تتمتع به قبل اتفاقية بريكست. ما يصب في مصلحة مراكز مالية أخرى مثل نيويورك وسنغافورة وفرانكفورت.

لندن باقية

في الوقت ذاته، يستبعد متخصّصون خسارة العاصمة البريطانية قوتها كأحد أهم مراكز المال. ويشير طارق الرفاعي الرئيس التنفيذي لشركة كوروم للاستشارات الاقتصادية فيها إلى أنها "ستبقى موقعاً اقتصادياً تاريخياً كما هي منذ أكثر من أربعة قرون، إذ إن البنية التحتية فيها قوية، والمراكز المالية المنافسة لها في أوروبا لا تمتلك القدرة المتميزة، سواء في نيويورك أو طوكيو. فتداول العملات الصعبة ما زال مستمراً فيها، وإن اختلفت المستويات بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي".

ويضيف إن "القطاع المصرفي والمالي في بريطانيا من الأهم عالمياً، إلا أن التباطؤ الذي يشهده حالياً ليس بسبب جائحة كورونا فحسب، بل بسبب الأزمة المالية العالمية أيضاً منذ عام 2008 مع التشدد في القوانين والرقابة على جميع البنوك في أوروبا بما فيها المملكة المتحدة، إضافة إلى مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي).

في ديسمبر 2020، اعتبر مصرف إنجلترا أن لدى بنوك البلاد المتانة الكافية للتعامل مع المخاطر الناجمة عن خروجها من الاتحاد الأوروبي، وعن جائحة كورونا.

مستوى إنفاق منخفض   

لعل الأرقام التي نُشرت أخيراً من قِبل معهد الدراسات المالية البريطاني التي أشارت إلى أنَّ الإنفاق الاستهلاكي في لندن لا يزال دون مستواه السابق للأزمة في نوفمبر (تشرين الثاني) بنسبة 10 في المئة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدَّل الهبوط في أنحاء المملكة، بحسب تقرير حديث في "بلومبيرغ".

وأظهر تقرير صادر عن اتحاد متاجر التجزئة في بريطانيا، أخيراً، أنها سجلت خلال 2020 أسوأ عام لها كأداء سنوي منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 1995 بسبب جائحة كورونا المستجدة، إذ تراجعت المبيعات بنسبة 0.3 في المئة. 

في الوقت ذاته، تشير الأرقام إلى أن التحديات التي تواجهها بريطانيا وتأقلمها مع وضعها الاقتصادي ستكون على المحك التاريخي لعاصمة طالما كانت مقراً مهماً وجاذباً لرؤوس الأموال، على مدى 3 عقود، إذ شهدت تطورات مدهشة نتيجة توفرها على الخدمات المالية المتقدمة، عدا أن الاستثمار العقاري الذي نما كان بمثابة المؤشر الذي قاد الاقتصاد نحو الانتعاش.

شبح الإفلاس

يأتي هذا التطور في وقت يواجه نحو 4 آلاف شركة مالية في بريطانيا، غالبيتها صغيرة أو متوسّطة الحجم، شبح الإفلاس بسبب الجائحة. ما سيؤثر سلباً في عملائها إن حصل، بحسب ما أفادت دراسة لهيئة أسواق المال البريطانية "أف سي إيه".

وأظهرت الهيئة في الدراسة التي أجرتها على 23 ألف شركة لتبيان مدى متانتها المالية ونشرت تفاصيلها مطلع العام الحالي، أنها حدّدت 4 آلاف شركة خدمات مالية في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ذات متانة مالية منخفضة وتواجه خطراً كبيراً بالإفلاس، حتّى وإن كان كثير منها سيتمكن من تعزيز متانته عندما تتحسن الظروف الاقتصادية".

وأضافت، أن هذه الشركات بالدرجة الأولى، صغيرة ومتوسطة، و30 في المئة منها يمكن أن تتسبّب بأضرار إذا ما أفلست.

ولفتت الدراسة، إلى أنّه في مواجهة الضغوط المالية التي يرزح تحتها عدد كبير من الشركات التي أُجبرت على إغلاق أبوابها أو التي تعرقل نشاطها إلى حدّ كبير بإجراءات الإغلاق العام المتكرّرة لمكافحة تفشي الفيروس، فإن قطاع المدفوعات، خصوصاً عبر الإنترنت، هو أحد الأكثر تضرّراً، إضافة إلى قطاع القروض الشخصية. في المقابل، شهد وسطاء التأمين والسماسرة زيادة طفيفة في نشاطهم، وكذلك مديرو الاستثمارات.

تشدّد إجراءات المصارف المركزية

وأفادت "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) بأن متاجر البيع بالتجزئة والعلامات التجارية للأزياء الفخمة في المملكة المتحدة تشهد حجماً متزايداً من البضائع التي تتجمّع في الاتحاد الأوروبي بعدما أعادها العملاء، وفي الأغلب بعد الطلب منهم أن يدفعوا تكاليف إضافية لم يتوقعوها.

وبات النموذج التاريخي لبريطانيا الذي أعطاها قيادة التصنيع، مهدداً، إذ شهدت في الثمانينيات طفرة اقتصادية لارتفاع الناتج المحلي وصعود دخل الفرد، إذ كان معدلاً عالمياً سريعاً بلغ 4 في المئة.

إلا أن هذا التطور سرعان ما تلاشى مع تدهور الصناعات وهروب الأموال وتطوّر المنافسين حول المملكة. وتبقى معطيات النجاح المالي مرهونة بمحافظة لندن على أكثر من 12 في المئة من الاقتصاد المحلي فضلاً عن قدرتها على تنمية قطاع الوظائف الجديدة، ومواجهة التطورات المقبلة.