Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي الأميركي جون غريشام يحقق في انتهاك حقوق المسنين

رواية "رياح كامينو" تعتمد الأسلوب البوليسي لكشف خفايا دور الراحة

الروائي الاميركي جون غريشام (غيتي)

"رياح كامينو" رواية جديدة صادرة بترجمة عربية للكاتب والمحامي والسياسي الأميركي جون غريشام، الحائز جائزة غالاكسي البريطانية للكتاب، وأحد أكثر الكتاب مبيعاً وترجمة حول العالم. عرب الرواية ماجد حامد وصدرت عن "الدار العربية للعلوم - ناشرون". وفيها، يتناول الكاتب آليات استغلال شريحة اجتماعية ضعيفة، مغلوبة على أمرها، في العالم المرجعي الذي تحيل عليه الرواية، هي شريحة المسنين في المجتمع الأميركي، وعمليات الاحتيال التي تمارسها دور الرعاية لتكديس الثروات الطائلة، وعدم تورعها عن ارتكاب شتى الأساليب لتحقيق أهدافها، بمعزل عن أي وازع أخلاقي أو رادع قانوني.

وهو يفعل ذلك مداورة، بحيث يؤدي التحقيق في جريمة قتل فردية إلى اكتشاف أخرى جماعية متمادية بحق المسنين، ويميط اللثام عن الآليات والعمليات والأساليب المستخدَمة، ويحدد الضالعين فيها من شركات وأفراد. وبذلك، يشكل البوليسي الفردي إطاراً للاجتماعي العام في الرواية، ويتفاعل الإطار والمحتوى، ويتداخلان، ويتقاطعان.

ليو وبوفورد

تبدأ الرواية، في صفحتها الأولى، بإشارة إلى إعصار ليو، الآتي من شرق المحيط الأطلسي، وتحولاته من منخفض جوي إستوائي إلى عاصفة فإعصار مدمر. وتنتهي، في الصفحة الأخيرة منها، بإشارة إلى إعصار بوفورد، المقبل من المنطقة نفسها. بذلك، تبدأ بإعصار، وتنتهي بآخر. وبين البداية والنهاية سلسلة من الحوادث المتعاقبة، المتناسلة بعضها من بعض، تتمخض عن إعصار حَدَثي، يؤدي إلى انهيار أمبراطورية مالية كاملة، ويُفند ممارساتها غير المشروعة، ويضع الأمور في نصابها. وبالعودة إلى عنوان الرواية، نرى أن كلمة "رياح" ليست بعيدة عن "الأعاصير" التي تهب في المتن الروائي، وتنتمي جميعها إلى العائلة اللغوية نفسها، ما يدفعنا إلى استنتاج وجود تناسب بين العنوان والمتن.

 

في الشكل، تقع الرواية في عشرة فصول أو وحدات سردية كبرى، يتراوح طول الواحدة منها بين ثلاث عشرة صفحة، في الحد الأدنى، في الفصل العاشر، وثلاث وأربعين صفحة، في الحد الأقصى، في الفصل الثامن. وتتألف كل وحدة من مجموعة وحدات صغرى أو مشاهد سردية، تتراوح بين ثلاثة مشاهد، على الأقل، وأربعة عشر مشهداً، على الأكثر، ويتراوح طول المشهد الواحد بين صفحة واحدة وثلاث عشرة صفحة. ويبلغ عددها مجتمعة تسعين مشهداً سردياً. وهذا التقسيم يحقق تنوعاً خارجياً بين الوحدات الكبرى ذات العناوين المختلفة، وداخلياً بين الوحدات الصغرى ضمن الفصل الواحد. على أن الكاتب الذي يُراعي التنوع في المادة المروية يجانب ذلك في أداة الروي فيتخذ راوياً عليماً واحداً يضع على عاتقه مهمة الروي، ما يقيم مفارقة بين تعدد المادة ووحدة الأداة.

مافيا ثقافية

في الحكاية، تدور الحوادث على جزيرة كامينو التابعة لولاية فلوريدا الأميركية، وتتعداها إلى أخريات. وتحدث خلال أحد عشر شهراً تمتد بين أواخر يوليو (تموز) وأواخر يونيو (حزيران). ويشكل بروس كيبل، صاحب متجر الكتب في مدينة سانتا روزا، محور حركة ثقافية ناشطة، ينخرط فيها مجموعة من الكتاب الأصدقاء الذين يجتمعون عنده دورياً، ويؤلفون نوعاً من مافيا أدبية على الجزيرة، يجمع بين أعضائها الخوض في كتابة موضوعات غريبة، مثيرة للجدل، وجاذبة للقراء. لذلك، نجد بينهم: كاتب روايات التهريب وغسل الأموال (نيلسون كير)، كاتب روايات الجريمة (أندرو كوب)، كاتبة روايات مصاصي الدماء (آمي سلاتر)، كاتبتي الروايات الإباحية (ميرا بيكويت ولي ترين)، كاتبة الروايات الأكثر مبيعاً (ميسرسير مانين)، الشاعر المكتئب (جي أكليروود)، والمهووس بقراءة روايات الجريمة (نيك سوتون). وغيرهم.  

على أن أربعة من هؤلاء يقومون بأدوار واضحة في سياق الحوادث، سواء من موقع الفاعل فيها أم المنفعل بها. الأول هو نيلسون كير، الكاتب والمحامي السابق، الذي يقع عليه فعل القتل في بداية الرواية، ويشغل البحث عن قاتله الإطار الذي تنتظم فيه الحوادث. الثلاثة الآخرون هم أصدقاء الضحية: الكاتب أندرو كوب المعروف بـ "بوب"، الطالب الجامعي العامل في متجر الكتب نيك سوتون، وبروس كيبل صاحب المتجر والناشط الثقافي والاجتماعي. وهذا الأخير هو الناظم لعقد جميع الأصدقاء، الراعي لهم، المروّج لأعمالهم، والقائم على خدمتهم، ما يجعلنا إزاء شخصية مثالية، مبدئية، مع خبرة كبيرة في قراءة الواقع وتفكيك تعقيداته.

حادثتان متزامنتان تخلخلان استقرار هذه الوضعية؛ الأولى طبيعية، تتمثل في الإعصار ليو الذي يجتاح الجزيرة، ويتسبب في تحطيم مرافقها واقتلاع أشجارها وتهجير سكانها وتغيير أنماط عيشهم. والثانية بشرية، تتمثل في إقدام القاتلة المأجورة كارين شاريونيت، المنتحلة اسم إنغريد، على قتل الكاتب نيلسون كير في شقته، للحؤول دون نشره كتاباً يفضح فيه شركات العناية بالمسنين، ما يقلب حياة الأصدقاء الثلاثة رأساً على عقب، فينخرطون في عملية البحث عن قاتل صديقهم وتقديم المساعدة للسلطات المختصة. وبذلك، نكون أمام إعصارين متزامنين؛ طبيعي تترتب عليه أضرار عامة كبيرة، وبشري تترتب عليه أضرار خاصة مؤلمة.

 

في مواجهة الإعصار الأول، تتنكب السلطات الرسمية أمر رفع الأضرار في الجزيرة، وإعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية، خلال بضعة أشهر. وفي مواجهة الإعصار الثاني، تتضافر الجهود الرسمية والفردية لكشف الحقيقة، خلال أحد عشر شهراً، هي زمن الحوادث في الرواية، وتترتب على هذا التضافر نتائج خطيرة، تنعكس على عشرات المتورطين من الجلادين، ومئات الضحايا من المسنين. ويكون لتضافر الجهود الخاصة والعامة، أثره في اكتشاف سلسلة من الجرائم المتمادية، المرتكبة بحق المسنين، طيلة عشرين عاماً، والقبض على مرتكبيها.

التحقيقان العام والخاص

تنخرط في هذه الجهود مجموعة من الشخوص الروائية من مواقع مختلفة، وبأشكال متعددة؛ فالأصدقاء الثلاثة بروس وبوب ونيك يتدخّلون من موقع الصداقة، ويقومون بجمع المعلومات وتحليلها، وطرح السيناريوهات المحتملة، وتزويد الشرطة المحلية بالمعطيات المتوافرة لديهم، حتى إذا ما استشعروا إمكان إقفال الملف دون التوصل إلى نتيجة، يقومون بالاتصال بشركة خاصة للتحقيق في الجريمة. والمحققان الخاصان ليندسي ورايموند غامبر يتدخلان من الموقع المهني ويقومان بجمع المعلومات وتوظيف المخبرين والتنسيق مع الشرطة. والمخبر دانييل نودين الزوجة الثالثة لمالك الشركة المتورطة كين ريد تتدخل من موقع الغيرة الزوجية والانتقام من الزوج والرغبة في الابتعاد عن الأجواء الفاسدة، وتسرّب المعلومات إلى الروائي نيلسون ما أدى إلى مقتله، وتتواصل مع بروس وتزوده بالمعطيات المتوافرة لديها، وتبلغه بخطة هرب الزوج قبل تنفيذها. أما ديلينغير وباركهيل وفان كليف فيدخلون من الموقع المهني الرسمي في مكتب التحقيق الفيدرالي، ويقومون بجمع المعلومات وتحليلها، والاستماع إلى الشهود، وعقد الصفقات مع بعض المتورطين للحصول على الأدلة، ومداهمة الشركة الجانية، وإلقاء القبض على المجرمين. وبذلك، تؤدي الجهود المبذولة من مواقع الصداقة والمهنية والغيرة والانتقام والتطهر والبحث عن الحقيقة وتطبيق العدالة إلى تفكيك مافيا متمادية، تتاجر بآلام المسنين، وتكدس الثروات الطائلة على حسابهم، بأساليب غير مشروعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نتيجة هذه الجهود، يتبين أن شركة غرين فالي التي تدير مئات المراكز لرعاية المسنين، في الولايات المختلفة، تقوم منذ عشرين عاماً باستيراد عقار صيني غير قانوني، وتستخدمه لإبقاء غير المستجيبين للعلاج من المسنين على قيد النبض، وتترتب عليه مضاعفات خطيرة، وتجني من جراء ذلك مليارات الدولارات. وهي، في سبيل ذلك، لا تتورّع عن القتل والاحتيال والتزوير. ويكون من ضحاياها: نيلسون كير الكاتب، وبريتاني بولتون الممرضة، والفتاة الحامل، وآلاف المسنين. وبناء عليه، يتم القبض على مالك الشركة كين ريد خلال محاولته الهرب، ومصادرة ممتلكاته، وتوقيف السمسار ماتيو دن والقاتلة المأجورة كارين شاريونيت، ومقتل القاتل المأجور ريك باترسون، والقبض على ستين ممرضة وصيدلياً ومديراً من العاملين في الشركة. وهكذا، تتسبب جريمة قتل فردية بانهيار أمبراطورية بكاملها، وإماطة اللثام عن آلاف الجرائم الأخرى.

في "رياح كامينو"، يضيء جون غريشام قضية اجتماعية، على قدر كبير من الخطورة، في العالم المرجعي للرواية، في إطار بوليسي، مستنداً إلى خلفيته الحقوقية وممارسته القانون الجنائي كمحام، فيتيح لروايته التشويق اللازم، ويمنح قارئه الرغبة في متابعة القراءة. ولعل تقديم القضايا الاجتماعية في أطر بوليسية هي الطريقة الأفضل لتوصيلها إلى الآخرين.

المزيد من ثقافة