Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مثل ساحة حرب"... الحياة والموت في قسم عناية فائقة مخصص لكورونا

مع الارتفاع الهائل في معدلات الإدخال إلى المستشفيات، مراسل شؤون الصحة شون لينترن يدخل إلى مستشفى كي يكشف النقاب عما يواجهه الأطباء والممرضون على الخطوط الأمامية في مكافحة كورونا

في قسم العناية الفائقة بمستشفى نورثويك بارك في شمال لندن، يقف المعالج الفيزيائي، ميركو فراكار، وسط عشرات مرضى فيروس كورونا، محاطاً بضجيج صافرات الإنذار والأجهزة. ويقبع المرضى في حال من الغيبوبة، في حين تتنفس أجهزة التنفس الاصطناعي نيابةً عنهم، ويتحدث الأطباء والممرضون بنبرات ملحة وخافتة، وتخرج أصواتهم مكتومة من وراء الكمامات.

بالنسبة لميركو، الذي نقل [إلى قسم العناية الفائقة] من أجل مساعدة طاقم وصل إلى حدود طاقته القصوى، العمل صعب والتحديات أكبر مما يمكن. منذ عيد الميلاد، يقضي خمسة أيام أسبوعياً داخل هذه الأقسام، ويعمل ضمن فريق "الانبطاح" المعني بهؤلاء المرضى، أي قلبهم كي يستلقوا على بطونهم فيتسنى لرئتي كل منهم المتضررتين بسبب كوفيد التنفس بشكل أيسر قليلاً. ويقومون بهذه الحركة 25 مرة في كل نوبة.

ويقول الرجل البالغ من العمر 32 عاماً لـ"اندبندنت": "هذه ظروف عصيبة، ولا سيما عندما ترى شباباً وتعلم أنك غير قادر فعلياً على مساعدتهم. والعمل مكثف ولا يتوقف، وحجم المعاناة عسير على التحمل".

ويضيف: "تصل إلى البيت منهكاً. لا يمكنك أن تفعل أي شيء، أولادي يريدون اللعب معي، وأعجز عن ذلك. حياتك الاجتماعية معدومة، ثم تعود إلى العمل، وعليك أن تقوم بكل شيء مجدداً. ترى المرضى أنفسهم على امتداد يومين، وتقرأ أسماءهم، وتضطلع على شيء من تاريخهم. وكلما فعلت ذلك، يزيد تأثرك، لذلك أحاول ألا أعرف أي شيء عنهم، كي أحمي نفسي فعلياً".

وفي حين بلغت الموجة الثانية من فيروس كورونا في بريطانيا ذروتها، حصلت "اندبندنت" على إذن نادر بدخول أقسام العناية الفائقة هذه كي ترى كيف يقوم العاملون في نورثويك بارك، وفي هيئة الخدمات الصحية الوطنية، بالمحاربة كل دقيقة من أجل تقديم رعاية تنقذ الأرواح.

وروى الأطباء والممرضون طريقة تعاملهم مع الضغط المتواصل خلال الأشهر الماضية، وأعربوا عن رأيهم في شأن إمكانية تعافي الجهاز الصحي من أزمة لا مثيل لها.

عام كامل من الطوارئ

أصبح نورثويك بارك أول مستشفى تابعاً لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في البلاد يعلن حالة طوارئ كبيرة بعد أن اكتسحه فيروس كورونا قبل إقرار أول إغلاق (حجر) بقليل. وبعد مرور عام تقريباً على ذلك، ما زالت حالة الطوارئ قائمة.

في جائحة رسمت معالمها الأرقام من أعداد الحالات، والفحوصات، والوفيات، ونسب الإصابة، واللقاحات، الإحصاءات ترسم الصورة الأمثل عن حجم المهمة التي واجهها طاقم هيئة الخدمات الصحية الوطنية في نورثويك بارك، الذي يخدم أكثر من مليون شخص يقطنون مناطق بوينت وإيلينغ وهارو.

منذ 3 مارس (آذار)، حين وصل أول مريض، دخل أقسام هيئة مستشفى لندن نورث ويست الجامعي للرعاية الصحية، التي تدير نورثويك بارك، نحو 4200 شخص بسبب فيروس كورونا، أي بمعدل 12 شخص يومياً. وقد توفي 787 شخصاً منهم؛ أي ما يعادل خمس الحالات التي استقبلها المستشفى تقريباً.

حين بدأ الشعب بالتصفيق لطاقم الرعاية الصحية في مارس الماضي، اعترافاً منه بالضغط الذي يرزح تحته هؤلاء العاملون، كان عدد مرضى كوفيد داخل مستشفيات البلاد يبلغ 7200 تقريباً. ووصلت في ذروة الموجة الأولى، يوم 12 أبريل (نيسان) إلى 21686 مريضاً.

وخلال الموجة الأخيرة من ارتفاع الحالات التي بدأت في ديسمبر مع ظهور طفرة أشد انتشاراً، تضاعفت الأرقام تقريباً في المملكة المتحدة لتسجل 39222 حالة في 18 يناير (كانون الثاني).

هذا ما أوصل المستشفيات إلى حدود طاقتها القصوى. وقد أغرقت بعضها، ولا سيما في الجنوب الشرقي، بأعداد الحالات التي تحتاج لعناية فائقة. ونقل المرضى في كنت والمناطق المجاورة إلى مستشفيات بعيدة في بريستول وليدز وأكسفورد في محاولة لتخفيف هذا الضغط. وفي لندن، بينما جاهد مرضى كوفيد لكي يتنفسوا، بات الطلب على الأكسجين كبيراً لدرجة جعلت أنظمة أنابيب الأكسجين تتداعى جراء الضغط. وفي وولوتش ورمفورد، اضطرت المستشفيات لتحويل مرضى قسم الطوارئ إلى أماكن أخرى نتيجة لذلك.

وليست المستشفيات وحدها التي تلقت ضربة قاسية؛ فقد اضطر جهاز الإسعاف في لندن إلى جعل مئات الاتصالات الواردة إلى خط الطوارئ 999 تنتظر ساعات قبل الرد عليها.

ويقول المدير الطبي لقسم العناية الفائقة في الهيئة الدكتور غانيش سونتارا لينغام: "تلقينا الضربة باكراً جداً. ارتفعت أعداد الحالات هنا قبل بدء الإغلاق بكثير، وهو أمر لم يسبق له مثيل، سواء من حيث طبيعته، أو من حيث حجم وسرعة انتشاره. مع كوفيد ترى ضعف معدل الوفيات بالنسبة لمعدل الإدخال إلى وحدة العناية الفائقة عادة. بالتالي يموت عدد أكبر من الناس. ومن وجهة نظر العاملين إلى جانب المرضى، يموت هؤلاء بطريقة أكثر انعزالاً عن عائلاتهم. فيضطر الطاقم إلى التصرف نيابة عن العائلة كما عن المريض. شعر كثير من الناس بضغط كبير، ولا سيما القادمون من أقسام أخرى والطلاب الذين لم يسبق لهم العمل في أقسام العناية الفائقة قبلاً. يمكن أن يخلف ذلك أثراً كبيراً".

"كما الذهاب لخوض الحرب"

فرض هذا الضغط غير المسبوق على المستشفيات استجابة غير مسبوقة. في نورثويك بارك، زاد عدد أسرة العناية الفائقة أكثر من الضعف، من 22 إلى 48، في حين تضاعف عدد الأسرّة في أقسام التنفس ثلاث مرات؛ ويحتل مرضى كوفيد القسم الأكبر منها، ما خلا قلة قليلة. في إنجلترا، توسع عدد أسرة العناية الفائقة عبر استخدام غرف الجراحة وأقسام الإنعاش والطب العام.

في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، يعتبر السرير الإضافي أكثر من مجرد أثاث ومساحة فعلية، فهو في مثابة طبيب يتولى نوبات عمل إضافية ويعمل ساعات أطول في ظل أقسى ظروف حياته، وهو ممرض مضطر للعناية بمريضين أو ثلاث حالاتهم خطيرة في الآن نفسه، بدل مريض واحد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وقد عاش بعض أفراد فريق عمال موقع نورثويك بارك داخل المكان لثلاثة أشهر خلال الموجة الأولى في حين عملوا على مدار الساعة من أجل تحصين الأقسام والأروقة من كوفيد. وبنوا مداخل للأقسام، وعزلوا بعضها. كما أجريت ورشة كبيرة في الخلفية من أجل استمرار إمداد الموظفين بالأدوات الأساسية والأدوية والأجهزة.

إن الدخول إلى قسم العناية الفائقة الذي يضم 33 سريراً مثل العبور إلى عالم مختلف. يبدأ المدخل من حاجز بني على عجل فيه أغطية بلاستيكية مغلقة تمتد من الأرض إلى السقف. وهي الحاجز الفاصل بين الحياة الخارجية والقسم الداخلي - الخط الأمامي الفعلي لهذه الجائحة - حيث يصارع مرضى كوفيد-19 من أجل البقاء على قيد الحياة.

وتقول المساعدة في الرعاية الصحية ميشيل بايبر: "لم أعرف مثل هذه التجربة في السابق، ولا أريد أن أعيشها أبداً خلال حياتي، وهي تفوق الوصف. بعد كل هذا الوقت، لا يصدق الناس ما يجري فعلياً. يعتقدون أن ما يجري ليس بالشيء المهم لأن الأروقة فارغة، لكن عندما تدخل المستشفى فعلياً وتفتح الأبواب، يحدث كل شيء، كما لو أنك ذاهب إلى الحرب".

من الضروري ارتداء قفازات الوقاية وثوب الجراحة والمريلة البلاستيكية قبل الدخول، لكنها [هذه الدروع الواقية] تبدو واهية إلى درجة مخيفة. تستلقي مريضة شابة مصابة بفيروس كورونا على السرير وتدير رأسها جنباً وتخرج الأنابيب من أنفها وفمها. يتنفس جهاز التنفس الاصطناعي عوضاً عنها، ومن دونه تموت. وحتى مع العون الذي يقدمه لها، ما زالت رئتاها تصارعان كي تحصلا على ما يكفي من الأكسجين بسبب الضرر الذي ألحقه بهما الفيروس. هي تعاني قلة الأكسجين في دمها، حيث يقل معدل تشبع الأكسجين في دمها عن 90 في المئة. في حين يجب أن يبلغ هذا المعدل لدى شخص بصحة جيدة 98 أو 99 في المئة.

وضعت وراء رأسها مضخة تروية تمدها بعدد من الأدوية كي تبقى عضلاتها مشلولة ويستقر ضغط دمها عند المستوى المطلوب، لمساعدة جسمها على محاربة آثار الفيروس. ويجب أن يراقب طاقم التمريض هذه الأجهزة والمعدلات كل دقيقة تقريباً.

ومن جنبها الأيمن، يخرج أنبوب يمتلئ بدم الوريد من السرير ويمتد حتى جهاز كبير لغسل الكلى يعمل على تنقيته قبل عودته إلى الجسم. يقوم الجهاز مقام كليتيها اللتين تضررتا كذلك. حالتها خطرة. ويرقد إلى جانبها مريضان حالتهما خطرة كذلك.

وتقول مينا بارال، أخصائية التغذية في قسم العناية الفائقة: "رأينا زوجاً وزوجة أصيبا بالمرض ورقدا هنا في وحدة العناية الفائقة في الوقت نفسه، وقد توفيا للأسف. لا تبارح هذه الأمور في فكرك. أتى إلينا مرضى صغار في السن ومرضى ظلوا داخل العناية الفائقة طيلة 40 أو 50 يوماً. هؤلاء مرضى يلازمك القلق في شأنهم، ويرقد هنا حالياً مرضى لا يمكنني التوقف عن التفكير بهم عندما أعود إلى المنزل والأمل بأن يكون حالهم جيداً اليوم. لا أنام جيداً. لم أختبر أي شيء شبيه بهذا خلال 10 سنوات من العمل في العناية الفائقة. كمية العمل الحالية كبيرة جداً. هناك ضغط كبير، ويجب الحرص على متابعة كل المرضى... هناك عدد هائل من المرضى".

عملت خلال الموجة الأولى دون استراحة حتى أغسطس (آب)، حين أبلغها مديروها إنها بحاجة للتوقف... "لا تدرك حاجتك للراحة إلى أن ترتاح فعلياً".

مواجهة الأزمة

في الجانب المقابل من القسم يستعد فريق "الانبطاح" من أجل قلب مريض. ويحضر الفريق الذي يقوده استشاري تخدير ويتألف من موظفين أعيد تعيينهم إلى هذا القسم، المريض بعناية. ويشكل قلب المريض خطوة أساسية لمساعدة رئتيه، وكذلك من أجل تخفيف الضغط عن جسمه بعد ساعات من استلقائه في الوضعية نفسها.

يتدثر العاملون المريض بالشراشف، ويعملون يداً واحدة على قلبه على مراحل وهم يتابعون بانتباه أجهزة المراقبة. سيعيدون الكرة عشرات المرات يومياً.

ما تعنيه رعاية مرضى كوفيد في العناية الفائقة هو كسب الوقت لصالح [تعافي] الجسم. بعض العلاجات الجديدة تساعد على مكافحة المرض، لكن لا وجود لعلاج سحري. يمكن لكورونا أن يكون شرساً جداً. ففي بعض الأحيان، يبدو أن المرضى يتعافون، لكن حالتهم تتدهور فجأة بلا تفسير.

يعمل الطاقم بطريقة منتظمة ويتحرك أعضاؤه بحساب وهدف، لكن يظهر بين الحين والآخر بعض الضحك والود بين الزملاء. يتحدث الجميع عن المقاربة الجماعية التي ساعدتهم على تخطي الأزمة: كان الدعم الذي احتاجوا إليه وقدموه لبعضهم البعض. والأمر اللافت هو رزانتهم وجلدهم أمام الضغوط، لكن إن دققت في العمق تظهر ندبات معركة العام الماضي.

وتقول ديبتيكا ساتشي التي عملت 18 عاماً في العناية الفائقة معالجة فيزيائية: "كما ترى حولك، هذا يؤثر على الجميع. ترى أشخاصاً يمكنك أن تشعر بصلة معهم، ويمكن لأفراد عائلتك أن يشعروا بصلة معهم. في تلك اللحظة تدرك هول المسألة، وهذا ما يجعلنا نعود إلى منازلنا بقلوب مثقلة. هول المسألة".

ويدور الحديث بين الموظفين حول حجم الضرر الذي يتسبب به الفيروس. هم معتادون على رؤية المرضى، لكن عدد المرضى من العائلة نفسها أحياناً، يعني أن هذا الأمر مختلف جداً عن تجاربهم السابقة.

نقل عديد من العاملين في وحدة العناية الفائقة إليها من أقسام أخرى. وأوكلت إليهم مهمات من أجل تخفيف الضغط عن طاقم التمريض. بالنسبة لبعضهم، هذه بيئة جديدة وغريبة عنهم.

تقول تريش موخيرجي، رئيسة قسم التمريض في العناية الفائقة، إن الطاقم بذل كل طاقته طيلة السنة الماضية "كانت الأعداد هائلة. كان هذا في غاية الصعوبة لأن المرضى استمروا بالقدوم. وكانوا يأتون أسرع بكثير مما توقعنا. لا شك أننا واجهنا تحدياً، أرجو ألا تسيء فهمي، لكننا حافظنا على سلامتنا. وأنا فخورة لقولي هذا".

في أسوأ الأيام، دفع نقص طاقم التمريض في قسم العناية الفائقة في المستشفى بالممرض الواحد إلى الاعتناء بأربعة مرضى، بينما المعدل العادي المتعارف عليه هو ممرض لكل مريض.

وتضيف: "كان ذلك أحد أصعب الأيام التي واجهتنا ربما. بقيت مناوبةً كما فعلت كل كبيرات الممرضات. ووجدت معالجين فيزيائيين مستعدين لمساعدتي حتى منتصف الليل، وكان ذلك مذهلاً. إحدى ممرضاتنا قطعت عطلتها السنوية لمساعدتنا كي نأخذ استراحة. ما يفعله الناس في وقت الأزمة مذهل. أعجز عن الكلام حيث يحدث أمر كهذا".

وبعد وصفها الآثار باعتبارها "ندوباً" في أعقاب مرور الأزمة، أضافت "لقد قدمنا الكثير من الدعم للموظفين. نتحدث معهم، ونريد أن نصغي إلى ما يشعرون به وما يمرون به كي نوفر لهم المساندة لأنها قد تكون أحياناً الاستماع والإصغاء إليهم فحسب. نأمل أن تكون النهاية قريبة".

التداعيات الجانبية

كلير روبوتوم، معالجة النطق، تعمل عادة في المجتمع المحلي، لكنها تقضي هي الأخرى أيامها الآن مع فريق "الانبطاح"، ضمن نوبات طويلة تحت معدات وقاية تشعرك بالحرارة وتسبب لك التعرق.

وتقول: "إنه عمل متعب وشاق. أنا معتادة على رؤية أشخاص بحال غير جيدة، لكن رؤية المرضى هنا تختلف كلياً"، لكن السيدة البالغة من العمر 37 عاماً تقلق كذلك في شأن الذين تعطل مسار الرعاية العادية بالنسبة لهم... "أفكر دائماً في مرضاي الذين لا يستشيرون أحداً في حين أنا موجودة هنا. نحن نراكم لائحة انتظار تطول أكثر فأكثر لأنه يطلب منا المجيء للمساعدة هنا. في مرحلة ما في المستقبل، سيتعين علينا العودة لتفقدهم والتوصل إلى طريقة تسمح بعلاجهم جميعاً".

وفي حين اكتسح كوفيد هيئة الخدمات الصحية الوطنية، كان من الضروري وضع العلاجات الأخرى جانباً. فعلق العمل بالمواعيد والعيادات الخارجية، أو نقلت إلى حيز العمل عن بعد عبر الإنترنت كلياً، كما ألغيت آلاف العمليات الجراحية، وأرجئت العمليات الجراحية لمرضى السرطان، وأوقفت عمليات زرع الأعضاء، كما أجبرت أقسام الأطفال على استقبال مرضى بالغين.

بالنسبة للدكتور فيل توزر، المختص بجراحة القولون في مستشفى سانت مارك الذي تديره الهيئة نفسها، يصبح وقت الانتظار ثقيلاً.

يقول: "في سانت مارك، أنهينا للتو عملية التحدث أو محاولة التحدث مع جميع الموجودين على لوائح انتظار العمليات الجراحية. نكره جعل المرضى ينتظرون. نبغض ذلك. فهو مريع ولا شك أنه أسوأ بكثير على المريض منا، لكن ذلك يترك أثراً عليك، أن تطلب منك مساعدة وتعجز عن تقديمها في الوقت المناسب كما ترغب".

ويضيف: "عندما أتحدث مع أحدهم الآن عن توقيت عمليته الجراحية، إن لم تكن عملية طارئة، أقول له إنها ستجرى في وقت ما من هذا العام إن حالفنا الحظ".

تبلغ لائحة الانتظار للحصول على العلاج رقماً قياسياً هو 4.5 مليون. وصل عدد الأشخاص الذين كانوا ينتظرون تلقي العلاج طيلة سنة أو أكثر في هذا الوقت من العام الماضي إلى 1613 شخصاً؛ أما اليوم فهو يتخطى 220 ألفاً، لكن الخروج من أزمة ثم التعامل فوراً مع أخرى ليس مطلباً واقعياً من طاقم منهك شوهته الجائحة عاطفياً. يقول مدير الرعاية الطبية في العناية الفائقة غانيش سونتارا لينغام، الذي ترأس سابقاً جمعية العناية الفائقة "يكمن الخطر في أننا نعمل في ظل مستوى عالٍ من الضرر النفسي والإنهاك. لدينا أشخاص من خارج العناية الفائقة قدموا من أجل مساعدة من تأخر تدريبهم الشخصي. كل هذه الأمور مهمة. وإعادة البدء من جديد أمر منطقي للغاية، لكنني أظن أن علينا أن نكون واقعيين بهذا الشأن. يجب إعطاء هذا الموضوع الأولوية".

في بعض وحدات هيئة الخدمات الصحية الوطنية، يحتمل أن يعاني شخص واحد من بين كل 5 مشاكل نفسية بسبب الجائحة، في حين يبلغ القلق المرضي والاكتئاب والإنهاك مستويات مرتفعة جداً وسط العاملين في الصفوف الأمامية. ويتوقع أن يعاني البعض أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. كما أن الفيروس نفسه قد أثقل كاهلهم. أظهرت بيانات الغياب المرضية في ذروتها تغيب 50 ألف موظف تقريباً عن العمل، في حين كان وراء غياب نصف العاملين إجمالاً الإصابة بكوفيد أو الحاجة إلى العزل الذاتي.

صرح داني مورتيمر، الرئيس التنفيذي لاتحاد هيئة الخدمات الصحية الوطنية الذي يمثل جميع هيئات المستشفيات، لـ"اندبندنت" بأن كوفيد زاد حجم العمل بالنسبة للعاملين في الهيئة كما اعتماد المرضى عليهم... "هم يعتنون بأشخاص يتوفون بأعداد لم يسبق لهم أن شهدوها خلال مسيرتهم المهنية. بعض الأشخاص، ونأمل أن يشكلوا قلة، سيعانون مرض شديد بسبب التجربة التي عاشوها خلال العام الماضي، وسيحتاجون لمساعدة مختصين. إنما بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، فستحتاج إلى وقت للتخفيف من الضغط".

ضحايا على الأمد البعيد

في مكان آخر من نورثويك بارك، بعيداً عن وحدة العناية المركزة، يقلق استشاري التنفس ديفيد أديبويكو على الناجين من فيروس كورونا، وعلى الأثر بعيد الأمد الذي سيخلفه الفيروس على صحتهم. خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، شاهد أعداداً وفيرة من المرضى الراقدين في الأسرة طوال أسابيع يصارعون من أجل التنفس.

"في أعقاب الموجة الأولى، تابعنا حالة جميع الأشخاص الذين أدخلوا إلى وحدة العناية المركزة. وظلوا يعانون مشاكل بالغة بعد مرور ثلاثة أشهر، ومن مشاكل في الذاكرة ووهناً بسبب رقودهم داخل العناية المركزة، وربما عانوا مشاكل في تخثر الدم أو لازمهم قصر النفس بسبب الندوب التي طالت رئتيهم ولم تلتئم، لكن ما أدركناه فجأة بعدها من نمط إحالة المرضى هو وجود كل أولئك الأشخاص الذين لم يدخلوا المستشفى، وتبين وجود تاريخ نموذجي لديهم يتطابق وكوفيد".

يؤثر "كورونا الطويلة الأمد" على شخص من بين كل عشرة أصيبوا بالفيروس لم يعان بعضهم سوى من إصابات طفيفة. ووجد المعهد الوطني البريطاني لأبحاث الصحة أن بعض المرضى ما زالوا يعانون بعد مرور سبعة أشهر على إصابتهم بفيروس كورونا، وتراوحت المشاكل التي أصابتهم بين ضرر القلب والرئتين ومشاكل الكليتين والكبد والجلد، بالإضافة إلى قصر النفس والتعب المزمن و"ضباب الدماغ" [التشوش وصعوبة التركيز] والقلق.

حدد نورثويك بارك باعتباره موقعاً لعيادة توفر الرعاية لمن يعانون كوفيد طويل الأمد، الذين قد يظل بعضهم عاجزاً عن العمل، أو عيش حياته بطريقة طبيعية.

ويقول الدكتور أديبويكو: "أظنها ستكون مشكلة أكبر بكثير مما توقعنا في المجتمع المحلي لأن الأعراض متباينة. وسيجب تمويل كل ذلك".

سبيل إلى التعافي

مع رقود 30 ألف مريض في المستشفى على خلفية إصابتهم بفيروس كورونا، الهدف الحالي هو الاستمرار ببذل الجهود من أجل إنقاذ الأرواح، لكن لا شك أنه خلال الأشهر القادمة، على قادة هيئة الخدمات الصحية الوطنية أن يفكروا في الخطوات الآتية.

ويحذر مورتيمر، رئيس اتحاد الهيئة من أن الأزمة "مست كل جوانب هيئة الخدمات الصحية الوطنية". وأثرت على المستشفيات المخصصة للحالات الخطرة في وحدات العناية الفائقة وأقسام التنفس والأقسام العامة. وأثرت كذلك على أجهزة الإسعاف من ناحية التأخير، وأثرت على أجهزة الصحة النفسية من حيث الطلب على خدماتها وعلى الأطباء العامين من حيث تعطيل خدماتهم والعمل الهائل الذي اضطروا أن يقوموا به من أجل تطعيم ملايين الأشخاص. كما خلفت أثرها على خدمات المجتمعات المحلية وعلى زملائنا العاملين في الرعاية الاجتماعية. لقد أثرت على الجميع".

من جهته، يقلق مارتن كوبر، كبير الأطباء في الهيئة التي تدير نورثويك بارك، من ضغط عملية التعافي الذي قد يطال المستشفيات.

يقول: "لا بد أن يكون من دواعي القلق كيف نوازن، فور انقضاء هذه الموجة، بين الحاجة إلى استئناف الإجراءات الاختيارية [غير الضرورية] وحاجة الناس إلى الاستراحة؟ الناس متعبون وعلينا أن نحاول مساعدتهم للبقاء بصحة جيدة. كان الوضع مضنياً. ووضعنا تحت ضغط كبير متواصل. تمكنا من تدبير أمرنا لأن الجميع عمل دون انقطاع. يجب أن نتحلى ببعض الواقعية في شأن وتيرة تعافينا"، لكن في حين يتطلع مسؤولو المستشفى نحو المستقبل، داخل وحدات العناية الفائقة في نورثويك بارك، يركز الطاقم الطبي على الحاضر، ويعمل نوبة تلو نوبة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح في ظل أزمة يعلم أنها بعيدة كل البعد عن الانتهاء.

© The Independent