Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إعلان "الملء الثاني" لسد النهضة يعمق الهوة بين إثيوبيا والسودان ومصر

أديس أبابا تنأى بنفسها عن فشل جولات التفاوض والخرطوم تحذر من تهديد أمنها القومي والقاهرة تتمسك بالدبلوماسية

بتطورات متسارعة، دخل ملف سد النهضة منحنى جديداً أكثر "توتراً وتعقيداً"، بعد أن أعلنت أديس أبابا عزمها المضي قدماً في إجراءات الملء الثاني لخزان السد في الموعد المحدد له يوليو (تموز) المقبل، من دون موافقة مسبقة من الخرطوم أو القاهرة، أو الانتظار لما ستسفر عنه "المفاوضات المتعثرة" بين الأطراف الثلاثة، والتي تعزو كل دولة "فشل جولاتها" للطرف الآخر.

وخلال الساعات الـ24 الماضية، أثار إعلان إثيوبيا أنها غير معنية بفشل التوصل إلى اتفاق بشأن السد بعد اكتمال بنائه بما يتجاوز 78 في المئة، قلقاً مصرياً وسودانياً، إذ حذرت الخرطوم من أن أي ملء لسد النهضة من جانب واحد سيشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي السوداني، فيما أبدت القاهرة تمسكها بالمفاوضات السياسية والدبلوماسية كخيار وحيد للوصول لاتفاق نهائي.

وأعرب مسؤول حكومي مصري لـ"اندبندنت عربية"، عن "قلق بلاده المتنامي من إصرار إثيوبيا على اتخاذ إجراءات أحادية تقلل بموجبها خيارات السياسة أمام أزمة مصيرية بالنسبة إلى الأمن المائي المصري".

تطورات مقلقة

وبدأت التطورات المتلاحقة، عندما أعلن وزير الموارد المائية والري الإثيوبي، سلشي بقلي، مساء الجمعة، أن أديس أبابا غير معنية بفشل التوصل إلى اتفاق، وأن تعطيل مفاوضات السد خلال الجولات السبع الماضية، التي كان يرعاها الاتحاد الأفريقي، ليست مسؤولية حكومته.

وذكر بقلي، وفق ما نقلت عنه هيئة الإذاعة الإثيوبية، أن الأعمال الهندسية في بناء السد وصلت إلى 91 في المئة، وأن بلاده ستبدأ عملية الملء الثانية لبحيرة سد النهضة خلال الأشهر القليلة المقبلة.

بعد ساعات معدودة، جدد الوزير الإثيوبي الجدل بتصريحات مماثلة، ظهر أمس السبت، قال فيها إن بلاده ترفض أي اتفاق يحيد عن إعلان المبادئ بشأن السد الموقع في مارس (آذار) 2015، معتبراً أن أديس أبابا "مرنة جداً" في المفاوضات.

وبحسب الوزير بقلي، فإن مشاكل خطيرة ظهرت في المفاوضات الثلاثية بسبب "حملة تشويه" للسد، لافتاً إلى أن مصر والسودان لم تتمكنا من التوصل إلى اتفاق بإثارة "آراء متناقضة" وأنهما يتخذان مساراً يعطل المفاوضات التي تسعى إثيوبيا إلى إنهائها بشكل مرض لجميع الأطراف".

وأوضح "يجري بناء سد النهضة بشكل سريع، ومن المتوقع أن يخزن 13.5 مليار متر مكعب من المياه في موسم الأمطار المقبل".

بماذا ردت الخرطوم والقاهرة؟

ورداً على التصريحات الإثيوبية، قال وزير الري السوداني ياسر عباس، إن بلاده ترى أن أي ملء للسد من جانب واحد في يوليو سيشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي السوداني، موضحاً أن "هذا الأمر سيهدد نصف السكان الذين يسكنون في وسط السودان" على صعيد "مياه الري للمشاريع الزراعية وتوليد الكهرباء من سدي الرصيرص ومروي".

ونقلت وسائل إعلام محلية عن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قوله إن "سد النهضة يشكل تهديداً لأمن نحو 20 مليون سوداني"، لافتاً إلى أن حل مسألته يجب أن يتم وفق القانون الدولي.

ووفق تصريحات الوزير السوداني، التي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية ورويترز، فإنه "ستكون هناك استحالة في تشغيل سد الرصيرص إذا لم يكن ثمة اتفاق ملزم حول كمية المياه المتدفقة من سد النهضة وتبادل يومي للمعلومات"، مقدراً في حال عدم التوصل إلى اتفاق أن يفقد "سد مروي 30 في المئة من الطاقة الكهربائية التي يولدها" ما يؤثر سلباً على محطات مياه الشرب".

وأضاف "تقترح الخرطوم توسيع مظلة التفاوض بين السودان ومصر وإثيوبيا لتشمل مع الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وتحويل دور هذه المؤسسات من المراقبة إلى الوساطة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي القاهرة، وفيما لم تعلق وزارة الخارجية المصرية بعد على التصريحات الإثيوبية، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته في الدورة 34 لقمة الاتحاد الأفريقي التي عقدت، أمس السبت، افتراضياً، إن بلاده "انخرطت في مفاوضات سد النهضة بحسن نية وجدية في المسار الأفريقي"، أملاً في التوصل إلى "الاتفاق المنشود بما يراعي مصالح وحقوق الأطراف المعنية، وهو الهدف الذي لن يتم تحقيقه إلا بتوفر الإرادة السياسية لكافة الأطراف".

وأكد السيسي حرص بلاده على دفع المساعي الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة، قبل تنفيذ المرحلة الثانية من عملية ملئه، وبما يراعي "مصالح وشواغل مصر والسودان وإثيوبيا، ويعزز الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة".

وبعد ساعات من القمة الأفريقية، عاد السيسي وأكد خلال تصريحات تلفزيونية "نحن في مرحلة التفاوض بشأن سد النهضة، وهناك كلام كثير في هذه القضية"، موضحاً "التفاوض يطول، ومصر تحركت باتجاه تنفيذ إجراءات لتنويع مصادر المياه، وسنصل لنتيجة بالصير، وليس علينا القلق".

وفي الأول من فبراير (شباط) الحالي، كان الرئيس المصري أكد رفضه "أي عمل أو إجراء يمس بحقوق مصر في مياه النيل"، مشدداً على "حتمية بلورة اتفاق قانوني ملزم وشامل بين كافة الأطراف المعنية".

أي مستقبل ينتظر التفاوض؟

وبحسب ما ذكر مسؤول مصري لـ"اندبندنت عربية"، فإن القاهرة "المترقبة عن كثب" للتحركات الإثيوبية، "متمسكة بضرورة الانخراط في مفاوضات جادة وفعالة من أجل التوصل إلى اتفاق ملزم في أسرع وقت حول قواعد ملء وتشغيل السد"، مشيراً إلى حملة دبلوماسية مكثفة تقوم بها الخارجية المصرية منذ أشهر لتوضيح موقف ورؤية القاهرة بشأن مسار المفاوضات وتعثرها، في إطار التحرك نحو احتمالية "تدويل القضية ومناقشتها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي".

الاتجاه ذاته تتحرك فيه الخرطوم، إذ أعلن وزير الري، أمس السبت، أن بلاده "تقود الآن حملة دبلوماسية وسياسية لتوضيح موقفها وللوصول لحل ملزم وقانوني"، معرباً عن تفاؤله بأنه "في حال توفر إرادة سياسية، يمكن التوصل لحل يرضي جميع الأطراف".

من جانبه، يرى إبراهيم المنشاوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أن "استمرار إثيوبيا في المماطلة وتعنتها في خطواتها الأحادية ومن بينها عملية الملء قد يؤديان إلى عواقب وخيمة، لأن قضية المياه بالنسبة إلى مصر والسودان قضية مصيرية، وعليه فإن أي تعد على حقوقهما يهدد السلم والأمن في المنطقة".

ويوضح المنشاوي أن الخيار "الآمن والأفضل للدول الثلاثة يبقى في العودة إلى المسار التفاوضي مرة أخرى، والتعامل بحسن نية، واحترام قواعد القانون الدولي ذات الصلة".

وبنظرة أكثر قلقاً، يرجح قذافي جمعة، الباحث السياسي السوداني، استمرار التوتر في ملف سد النهضة بين الدول الثلاث حتى بعد ملء أديس أبابا الثاني له، معتبراً أن "إثيوبيا ترى في نهر النيل والنيل الأزرق مورداً وطنياً خالصاً وليس دولياً، وعليه فهي تدخل المفاوضات بعقلية صفرية لا تقبل فيها الوصول لحلول وسط، ما يعقد المسار السياسي ويطيل أمده".

ومنذ عام 2011، أصبح السد الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق مصدر توتر شديد بين أديس أبابا من جهة والقاهرة والخرطوم من جهة ثانية. ويتوقع أن يصبح هذا السد أكبر منشأة لتوليد الطاقة الكهربائية من المياه في أفريقيا.

وتتفاوض الدول الثلاث للوصول إلى اتفاق حول ملء السد وتشغيله، لكنها على الرغم من مرور نحو 10 سنوات، لم تتمكن من الوصول حتى الآن إلى اتفاق. وكانت أديس أبابا أعلنت في يوليو الماضي تحقيق هدفها بملء السد للعام الأول، على الرغم من مطالب مصر والسودان بضرورة التوصل أولاً إلى اتفاق ملزم.

وتعتبر مصر سد النهضة الإثيوبي تهديداً كبيراً لمواردها من المياه العذبة، التي يأتي أكثر من 90 في المئة منها من نهر النيل. ويتدفق النيل الأزرق شمالاً إلى السودان ثم مصر وهو الرافد الرئيس للنيل. فيما تقول إثيوبيا إن السد مهم لتنمية اقتصادها.

وأجرى الاتحاد الأفريقي في الآونة الأخيرة مفاوضات حول السد لكنها تعثرت مراراً. كما لم تنجح محادثات استضافتها الولايات المتحدة العام الماضي في التوصل إلى اتفاق.

المزيد من تقارير