Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إجبار مسيحية على الحجاب يلغي ارتداءه إلزاميا بالمدارس

الواقعة أثارت استنكاراً شعبياً وحقوقياً ووزير التعليم: اللباس الديني خيار شخصي

منعت السلطات في إندونيسيا المدارس من إجبار الفتيات على ارتداء الحجاب  (أ ف ب)

أثارت وسائل التواصل الاجتماعي ضجة لتسجيل منسوب لمدير إحدى المدارس الإندونيسية غرب سومطرة، اشترط ارتداء الحجاب لدخول طالبة مسيحية مدرستها، وسبب استنكاراً شعبياً وحقوقياً، فيما تبنت الحكومة قراراً وزارياً جديداً يمنع فرض الحجاب على الطالبات والمعلمات في مدارسهن، ليتماشى القرار الجديد مع قانون البلاد الذي يحترم التنوع العرقي والديني، الذي يرتكز على دستورها المتسم بالعقيدة المدنية والعلمانية، فيما يؤكد وزير الشؤون الدينية في تعليقة على الحادثة، أن الدين لا يجب أن يكون سبباً للتصرف بطريقة غير عادلة تجاه أصحاب المعتقدات المخالفة. فيما أيده وزير التعليم الذي وصف الحادثة بأنها شكل من أشكال التعصب وعدم التسامح تجاه التنوع.

إندونيسيا والحجاب

خلال فترة حكم الرئيس سوهارتو حُظر الحجاب، الذي عد رمزاً للتمرد عند النساء يقابله الشعر الطويل للرجال. وتذكر باحثة في جامعة "جادجا مادا" أن الإسلام اختُزِل خلال هذه الفترة في أداء الطقوس فقط بلا أفعال على أرض الواقع. فيما أشارت الناشطة الإندونيسية "أكينو هايونتا" أن الحجاب انتشر في أوساط الإندونيسيات مع بدايات عام 1980، مُلهمات بالثورة الإيرانية في البلد الآسيوي الإسلامي. ويذكر موقع "ذا كونفرسيشن" أن التاريخ يُسجل ارتداء الحجاب في الثقافة الإندونيسية منذ القرن السابع عشر، غير أنه انتشر في السنوات العشرين الأخيرة.

وفي عام 1982 أقرت وزارة التعليم والثقافة قانوناً يمنع الحجاب في المدارس ولا يعتبره لباساً رسمياً، حيث إن بعض الفتيات اللواتي كنّ يرتدين الحجاب في عدد من المدن الإندونيسية، ومنها العاصمة، مُعرضات للفصل في حال ارتدائه، لكن مع الوقت تقبل المجتمع الحجاب، بالتزامن مع إعلان اثنتين من أكبر المنظمات الإسلامية في إندونيسيا وهما "الجمعية المُحمدية"، و"نهضة العلماء"، اللتين يتراوح عدد أعضائهما الستين مليون شخص، أن الزيّ الأمثل للمرأة المسلمة هو الحجاب.

وفي عام 1990 أقر البرلمان تشريعاً جديداً يسمح للطالبات بارتداء الحجاب في المدارس، وجاء القرار في أواخر عهد الرئيس سوهارتو، الذي رأى حاجته لمغازلة القوة السياسية لمسلمي بلاده، وغيّر من وضع الحجاب في إندونيسيا. فيما تذكر الباحثة أكينو هايونتا وجود ما يزيد على 440 قانوناً قائماً على الشريعة الإسلامية، منذ تخلي سوهارتو عن الحكم، فيما يتسم عديد من تلك القوانين بالحض على ارتداء النساء المسلمات للحجاب. 

ويقوم الدستور الإندونيسي على العقيدة المدنية والعلمانية في البلاد، التي تعد ركيزة أساسية لقيمها وتعرف باسم "بانكاسيلا". وتقوم هذه العقيدة الفلسفية على خمسة مبادئ رئيسة هي، الإيمان بإله واحد، والعدالة الإنسانية المتحضرة، ووحدة إندونيسيا، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية للشعب.  

الحجاب فرض 

من وقت لآخر تظهر جدلية الحجاب الإلزامي في المدارس في إندونيسيا مع تكرر حوادث فرض الحجاب. ففي عام 2018 نشرت الناشطة الإندونيسية في حقوق المرأة تونجال براويستي، على "تويتر" تغريدات ذكرت فيها، أن إحدى المدارس في الضواحي أجبرت الفتيات على ارتداء الحجاب في المدرسة، وعاقبت اللواتي يرفضن ارتداء الحجاب في الفصل. فيما أثارت تغريداتها جدلاً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي. تؤكد الناشطة أن العشرات من الفتيات تواصلن معها مبينات أنهن تعرضن للموقف ذاته في عدة مدارس حكومية من أماكن متفرقة في البلاد. كما طالبت الناشطة في ذلك الوقت بضرورة عدم التسامح في الربط بين ارتداء الحجاب والقواعد المدرسية، مؤكدة أن الحجاب مرتبط بالإيمان الفردي للشخص. 

كما أشارت صحيفة "جاكرتا غلوب" أن طالبة غير مسلمة فُرض عليها ترك المدرسة في وسط جاوى، بسبب إجبار المدرسة لطالباتها على الحجاب. كما أثار مدير إحدى المدارس في مقاطعة رياو، ردود فعل عنيفة لاقتراحه ضرورة ارتداء الحجاب حتى لغير المسلمات.

لكن الحادثة الأخيرة التي وقعت في غرب سومطرة، التي رفضت فيها طالبة مسيحية أخيراً ارتداء الحجاب، وتسببت في استدعاء والديها لمقابلة أحد مسؤولي المدرسة وتسجيلهما اللقاء مع مدير المدرسة بشكل سري، وأظهر التسجيل الذي اقتبست منه وسائل الإعلام وأصبح حديث الناس في وسائل التواصل الاجتماعي، أن قواعد المدرسة تؤكد ضرورة ارتداء كافة الفتيات للحجاب بغض النظر عن ديانتهن. فيما أعلن وزير الشؤون الدينية "ياكوت تشوليل كوماس" أن واقعة سومطرة هي "غيض من فيض"، مؤكداً أن الدين لا يجب أن يكون سبباً في الصراعات أو تعليلاً للتصرف بطريقة غير عادلة تجاه أصحاب المعتقدات المخالفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبه، شدد وزير التعليم أن الحادثة شكل من أشكال التعصب وعدم التسامح تجاه التنوع، وأكد تعارض هذا التصرف مع القوانين وقيم "بانكاسيلا". كما أصدرت المدرسة اعتذاراً رسمياً عن تصرفها وسمحت للفتاة بارتداء الزي المناسب لمعتقداتها. 

 وعقب الحادثة أعلنت الحكومة منعها فرض الحجاب على الفتيات في المدارس مطلع الشهر الحالي، وقال وزير التعليم "نديم ماكاريم" إن المدارس الحكومية في البلاد ستواجه عقوبات إذا فشلت في تنفيذ القانون الجديد. وأشار إلى أن الدين خيار شخصي ولا يمكن إجبار الفرد عليه.

وفي تصريحات أوردتها صحيفة "كومباس" الإندونيسية عن نائب الرئيس معروف أمين، الذي أكد أن الحكومة المحلية والمدارس لا يجب أن تفرض أو تمنع أي ممارسات دينية على المعلمين أو الطلاب، وذكر أن الحجاب لا يجب أن يكون مفروضاً أو ممنوعاً ولكنه خيار يعود إلى الطالبة نفسها أو تصرف الوالدين.

إشادة حقوقية

وأعقب القرار تثمين من قِبل الجماعات الحقوقية على الخطوة الجديدة، إذ أوضح مدير منطقة آسيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، براد آدمز، أن المرسوم الجديد خطوة طال انتظارها لإنهاء قواعد اللِباس التمييزية للفتيات والنساء في المدارس الحكومية وكل أنحاء إندونيسيا.

وأشارت المنظمة إلى أن النساء في إندونيسيا طوال العقدين الماضيين كان يفرض عليهن ارتداء الحجاب ويعرضهن تجنبه إلى التنمر والترهيب والطرد. كما علق أندريس هارسونو، الباحث في المنظمة في جاكارتا، أن القرار الجديد خطوة إيجابية لحماية حقوق النساء في البلاد. 

كما ثمن الأمين العام للمؤتمر الإندونيسي للأساقفة القرار الحكومي الجديد، وأكد أمله في عمل المبادرة الجديدة على دعم التعددية في المدارس العامة في البلاد، وأشار إلى توافق القرار الجديد مع روح العقيدة المدنية للبلاد "بانكاسيلا" واعتبر المؤسسات التعليمية مكاناً يتلاقى فيه الطلاب من مختلف الخلفيات.

الانفتاح ضد التطرف

وتحاول إندونيسيا خلال الفترة الأخيرة نشر ثقافة التسامح والانفتاح على الديانات والثقافات الأخرى من خلال محاربة التشدد وتزكية القرارات الداعمة للحريات الدينية والحد من التميز العرقي. فقد أعلنت وزارة الشؤون الدينية في الرابع من فبراير (شباط) الحالي منع موظفي الدولة من الانضمام للمنظمات الدينية المتشددة والمحظورة أو دعمها.

كما حظرت الحكومة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي "جبهة المدافعين عن الإسلام" المُتشددة، التي يقودها رجل الدين رزيق شهاب، العائد من منفاه منذ أشهر قليلة. ووفق القانون الذي حظر الجبهة، تُمنع أنشطة الجماعة وتُوقف كل الفعاليات التي تنظمها. وأعلنت السلطات أن منع الجماعة يعود إلى رغبة جاكرتا في الحفاظ على عقيدة الدولة المدنية وحمايتها. وجمدت السلطات الإندونيسية حسابات الجبهة وأصولها.

المزيد من تقارير