Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العناق لغة الحب الصامتة والمتوارية في زمن التباعد

يعالج القلوب والنفوس ويشعر الأجساد بالأمان والطمأنينة

العناق يحفز هرمون الفرح والراحة النفسية  (بيكسا باي)

العناق، عندما تنسكب الروح في ذراعين محملتين بالحب والطاقة وتحتضن كائناً أو شيئاً تبث فيه العاطفة، وتتبادل معه انسجاماً كونياً لا يدركه إلا من يحتضن بكله، ومن يحتضن جسداً وروحاً.

إنه فعل متبادل، قديم بعمر الحاجة للأمان والحب. أقدم من قصص الحب التي سمعناها وتعلمناها. في عام 2007 اكتشف أطول عناق في تاريخ البشرية حتى الآن. وهو لرفاتي امرأة ورجل متعانقين منذ نحو 6 آلاف عام قرب مانتوفا في إيطاليا أثناء التنقيب عن الآثار، لم يقدر الزمن على تفريقهما منذ تلك اللحظة الأزلية، لا بل خلدها كأقدم وأطول عناق.

والاحتضان فعل طبيعي تلقائي، لا يتفرد به الإنسان. فهو غريزة الكون بأكمله للبقاء والنمو. ففي رحم الأم يحتضن الجنين، وتحتضن الطيور والزواحف بيوضها، وفي التراب تحتضن البذور والجذور، ورفات الأحباء.

يوم عالمي وكل يوم

العناق لغة صامتة، لا بل صاخبة، تحتاج إلى روحين تائقتين للقاء، وحواس متواطئة مع لهفة الشوق.

يقول المغني الصوفي موران ميلان لـ"اندبندنت عربية"، إن "العبوطة" أو العناق بالنسبة له تأمل سريع للعودة إلى أساسيات الحياة، "أعيش تواصل العناق كأنه يبدأ من داخل المعدة، ثم الرئتين والكتفين والنفس إلى كافة أعضاء الجسم. وهو ليس التصاق جسدين، بل هو تفاعل". ويعتبر أنه ليس حاجة نعطيها للأطفال إنما تعبير تلقائي وصادق.

هذا العناق الذي تطلبه الروح ويتلقفه الجسد ليس فعلاً عابراً. فلقد تنبه لأهميته الأميركي كيفين زابورني منذ عام 1986 فكرس له يوماً في أيام السنة تحت عنوان "اليوم العالمي للعناق" يتربع في 21 يناير (كانون الثاني)، بين عيد رأس السنة وعيد الحب، وأصبح البعض يحتفل به في دول عديدة، ويمنحون الناس الغرباء عناقاً مجانياً على الطرقات بغض النظر عن هويتهم وجنسهم.

تحتفل الإعلامية ريتا خوري بما تسميه يوم "العبوطة"، وخصصت له فقرة العام الماضي في برنامجها "هوى الأيام" على راديو "مونتي كارلو" عن فوائد العناق، وتقول إن "العناق رسالة عبر الجلد إلى القلب"، وتذكر عدداً من الدراسات التي تكرس العناق كعلاج جسدي ونفسي، وأشارت إلى أنها تحب الاحتضان كثيراً، معتبرة أن العناق الصادق والقوي يعطي شعوراً بالأمان لأنه يفرز هرمونات في الدماغ تشعر بالراحة.

السيد "عبوطة"

تروق لريتا فكرة اليوم العالمي للعناق، وتذكر الأشخاص الذين يقدمون عناقاً مجانياً في الشوارع لكل الناس، وكيف تفاعل معها الناس بحسب المناطق والخلفيات الثقافية. وتعتبر العناق أمراً إيجابياً، مذكرة بمنظمة في هولندا قامت بحملة دعم معنوي للاجئين السوريين في اليونان، وذلك بإرسال "عبوطات" من كل الأماكن في العالم، وهذا يساعد معنوياً على الاستمرار.

وكانت مبادرة أطلقها العام الماضي بائع كتب الفرنسي يدعى فيليب المسمى "أبو الدببة" بنشر الدمى المحشوة "تيدي بير" Teddy Bear  لرسم ابتسامة على وجوه الناس بعد الحجر الأول في باريس. وقد وضعت في الأماكن العامة للفت النظر وخلق تواصل بين الناس، مع إبقاء مسافة اجتماعية آمنة.

وتقول ريتا، إن مشهد باريس هذه الأيام حزين جداً بسبب الإقفال، وإن وراء أغلب زجاج الواجهات المقفلة "دباديب" موزعة في المطاعم والصيدليات والمحال. الأمر الذي جعلها تشعر أن هذا الدبدوب أو الدمية المحشوة تصلح للعناق. فجلبت واحداً للعناق من مرة إلى أخرى على سبيل التسلية. تقول "الآن أفهم لماذا يحب الأطفال هذه الألعاب المحشوة ويتعلقون به، فهي تعطي شعوراً بالأمان." وتسمي "دبدوبها" مستر عبوطة Monsieur câlin.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تضيف ريتا أنها تعانق الأشجار، وتصدق أنها تعطي طاقة إيجابية، إلى أن أصبيت بلدغة إحدى الحشرات لتكتشف أنه ليس كل الشجر صالحاً للاحتضان. تضيف أن احتضان الحيوانات الأليفة يخفف وطأة الخوف من عدم انسجام أو رفض الطرف الآخر للعناق. أما عن أفضل عناق لم تحصل عليه منذ مدة تقول "الولد عندما يقبل أن يعطي عبوطة فيعطيها من كل قلبه وغير مشروطة".

فوائد العناق

دراسات علمية وجامعية أخذت العناق على محمل الجد، فأجرت اختبارات عديدة عن تأثير العناق في الصحة الجسدية والنفسية. وخلصت إلى نتائج أهمها تحسن في صحة القلب، وإفراز هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالراحة والفرح، وتخفيف الخوف والضغط النفسيين والألم، وتخفيف عوارض الأمراض، والمساعدة على التواصل والشعور بالدعم.

وفي هذا السياق تقول المعالجة النفسية الاختصاصية في علم النفس العيادي والأستاذة الجامعية كارول سعادة، إنه في سياق الحياة الاجتماعية العائلية والعاطفية والنفسية يوجد للتعبير عن الحب عدة وسائل التواصل، أولها وأكثرها صدقاً هو العناق، لأنه أول تجربة يعيشها الإنسان عند الولادة، عندما تعانق الأم طفلها المولود لتعبر عن شعور العاطفة والحب والحنان، فيأتي العناق كسلوك تواصلي أول للتعبير عن الأمان العاطفي والنفسي، وهو أساسي للطفل.

وتشير إلى أن العناق يجعل الجسم يفرز هرمون الأوكسيتوسين والإندورفين. والأوكسيتوسين هو هرمون السعادة والراحة النفسية له كثير من التداعيات الإيجابية على الإنسان، إذ يخفف ضغط الدم وسرعة دقات القلب ونسبة القلق وعوارض الاكتئاب وأوجاع الرأس والجسم بشكل عام. ويساعد على تقوية الثقة بالنفس ويحسن نوعية النوم ويخلق شعوراً بالفرح.

من نعانق؟

تعتبر كارول أن الطفل بصورة خاصة بحاجة للعناق بشكل دائم ومستمر كتعبير أول عن الحب مع كلام معبر. فلا نكتفي أن نؤمن له حاجاته المادية والمعنوية كدور الأهل. إذ إن الدور الأساس هو في خلق شعور بالأمان للطفل، وهذا لا يحدث إلا بالتعبير الجسدي واللمس والتواصل الحسي معه.

أما بين الزوجين، فتعتبر العناق دليلاً صادقاً على المودة والحب، وبحسب الشخصيات فمنهم من يرتاحون للعناق لأنهم عاشوا هذا التواصل في أسرهم والبعض ينزعج من الملامسة. لكنه بالإجمال يجعل الطرفين يشعران بالراحة النفسية، ويتواصلان أكثر حتى لو بصمت، فالعناق يقربهما من بعضهما البعض على عدة مستويات.

فالعناق في رأيها وسيلة غير لغوية، هو لغة جسد يعبر الإنسان من خلالها عن نوايا معينة. وهو وسيلة صحية، ومن يعتد على هذا التعبير الواضح من الصغر يكن أكثر راحة مع نفسه ولديه ثقة أكبر بنفسه، ويشعر أنه محبوب، ويحب نفسه أكثر ويشعر بقيمته، ويكون أكثر انفتاحاً عاطفياً وقادراً أكثر على التعبير عن عواطفه. تضيف، أنها لطالما نصحت بالعناق والتعبير الواضح عن العاطفة كعلاج دائم لأنه يدعم النمو النفسي والذهني والذكاء لدى الأطفال.

هز كيان العناق

تقول كارول إن الوضع الذي نعيشه بسبب كورونا اليوم ليس صحياً، ويغير من أمور نفسية معتادين عليها في اللاوعي. فهو يغير بصورة الآخر خصوصاً الأهل والأجداد الذين نشتاق إلى أن نحضنهم. وكورونا خلق لدينا صراعاً بين ما يعطينا الأمان في حياتنا والظروف الجديدة التي لا تسمح لنا أن نحقق هذا الشعور.

وتشير إلى أن تداعياتها ليست واضحة بعد على المستوى النفسي، ولكن مما لا شك فيه أن عوارض الاكتئاب والقلق إلى زيادة بسبب عدة ظروف، بينها انقطاع التواصل العاطفي مع الأهل خاصة.

وفي هذا السياق يقول الشاعر أدونيس الخطيب، إن العناق كان تعبيراً عن المحبة والتواصل، وأصبح في ظل كورونا خوفاً على الآخر، "أشتاق أن أغمر أمي بقوة ولفترة طويلة، لكني أراها ولا أستطيع عناقها خوفاً من أذيتها، وهذا الشعور يؤدي إلى شرخ نفسي متعب. صرنا نعرف الآن قيمة (العبطة) والتواصل لأننا فقدناها".

يضيف، أنه لطالما تساءل أيام المراهقة لماذا تفضل الفتيات "العبوطة بينما نحن الشباب نسعى إلى القبلة، اكتشفت لاحقاً، على كبر، بعد أن تعرفت على الريكي أو العلاج بالطاقة أن العبوطة تعطي طاقة، ولها علاقة تقنية مباشرة بما يطلبه الجسم، وتخدم فترة أطول من القبلة التي تستهلك سريعاً، فالعبطة تشحن الإنسان بطاقة إيجابية".

احتضان الأشجار

وفي سياق متصل تعتبر المعالجة بالطاقة "ريكي" ميراي حمال، أن الأشجار مثل كل المخلوقات في الطبيعة لديها طاقة، وتتنفس، ولها وعي مختلف عن وعي الإنسان والحيوان. وتشير إلى أن الأشجار كأرواح قديمة لديها جذور في الأرض تعلم "كيف نقف ونقوي جذورنا، ونؤمن بأن هناك وقتاً للنمو ووقتاً لنكبر مثل الفصول التي تمر عليها، وألا ننكسر من داخلنا بسرعة أمام العواصف، تعطي أملاً في أننا كلما تعاطينا مع جذورنا نعمل على أماننا وطمأنة أنفسنا، وكلما كانت الجذور عميقة وقوية كانت الأغصان ممتدة أكثر، وهي تعلم الصبر والحكمة".

وتعتبر أن معانقة الأشجار هي معانقة لهذه الصفات لاستمداد الطاقة والدروس. وكيفية تواصل الأشجار عبر الجذور والأغصان، والصلابة التي في الجذع تعطي طاقة كبيرة.

وتنصح ميراي من لديه آلام في الظهر بأن يسنده إلى جذع شجرة، ومثله للأوجاع الجسدية والشعورية، لأن الطبيعة تعرف كيف تأخذ وتعطي وتعيد التدوير. ومثلها الأرض والبحر وغيرها من عناصر الطبيعة.

تعتبر ميراي أن كل الأشجار يمكن أن تحتضن، وعلى الشخص أن يتبع شعوره. وتعتبر أن الشجر المعمر كالأرز والشربين والسنديان فيها حكمة وطاقة كبيرتان.

وتشير إلى أن البعض يضحك من فكرة احتضان الشجر، لكن ما إن يجرب بصدق وصمت ومن كل قلبه يختلف لديه الموضوع، ويصبح التواصل كبيراً. علماً أن الأولاد بالفطرة يحتضنون الأشجار، بحسب ملاحظتها.

تنصح ميراي لمعالجة Root Chakra للأشخاص الذين يشعرون بالخوف وانعدام الأمان وألم في الجزء السفلي بالجسم باحتضان الأشجار لأنها تجذرهم وتشعرهم أن جذورهم تشتبك بطاقة الأرض وتعطي القوة.

ورغم أهمية العناق الذي شغل العلم والأدب فكُتبت فيه أجمل النصوص والقصائد، يبقى هناك من لا يرتاح للعناق، ويشعر بأنه تطفل على حيزهم الخاص. ويفضلون أن يكون في دائرة ضيقة تقتصر على العائلة.

وأشخاص آخرون يستجرونه من حيثما أتى، فبعد تصميم الوسادة الذراع التي انتشرت منذ سنوات كمضاد للنوم وحيداً، صمم المعطف المعانق الذي يرسل ذبذبات وأصواتاً مهدئة في اليابان. وقد أضاف "فيسبوك" في أزرار التفاعل زر العناق. كل هذا العناق الوهمي أو الافتراضي لا شك أنه يسد ثغرة ما في الروح.