Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جمعيات صحية لبنانية تتحدى الصعاب وتصمد

انهيارها يهدد حياة كثيرين وقرارها أن الاستسلام ممنوع

طفلة تلعب في مركز سرطان الأطفال بعد تلقيها العلاج (مركز سرطان الأطفال في لبنان)

بين انتشار الوباء وانفجار مرفأ بيروت والأزمة الاقتصادية، تزايدت الحاجات في مجالات حياتية هي أساسية فعلاً. في هذا الوقت، توجهت الأنظار بعيداً من شؤون أخرى وجمعيات ومراكز متخصصة في مجالات صحية حيوية يعتمد عليها المئات وقد تصل الأمور إلى حد فقدان حياتهم في حال انهيارها. هذه الجمعيات أثبتت مصداقيتها واكتسبت الثقة خلال سنوات طويلة دعمت فيها مئات المرضى، في ظل الظروف الاستثنائية التي كثرت فيها التحديات، استطاعت حتى اللحظة الصمود، لأن انهيارها يؤدي فعلاً إلى خسارة كثيرين.

صندوق "Brave Heart"

"ليس مسموحاً أن نخسر طفلاً من أجل 5000 دولار أميركي"، فمنذ تاريخ تأسيسه عام 2004، قدّم صندوق "Brave Heart" المساعدة لأكثر من 4100 طفل يعانون تشوّهاً خلقياً في القلب، وهو أول المراكز التي تُعنى بالتشوهات الخلقية في قلب الطفل التي تأسست في لبنان. وبحسب رئيسة مجلس الإدارة جومانا غندور، يولد طفل كل 12 ساعة مصاب بتشوّه خلقي في القلب، ويعتبر المسبب الأول للوفاة في السنة الأولى من الحياة. في مواجهة التحديات المرافقة للضربات المتتالية، استطاع الصندوق الصمود كسند لهؤلاء الأطفال، ويساعد العدد الأكبر منهم في لبنان حتى اللحظة، بفضل خطة عمل استباقية اعتاد المساهمون فيه على اعتمادها بالتحضير مسبقاً لثلاث سنوات مقبلة من النفقات المتوجبة.

كما بالنسبة إلى كل الجمعيات المتخصصة، بدأت ملامح الأزمة تظهر من حوالى السنتين، إذ خففت الشركات المساندة للصندوق من دعمها حتى ازدادت الصعوبات تدريجاً طوال الفترة الماضية. ومع كل أزمة جديدة، كانت الأنظار تتجه أكثر نحو مجالات أخرى أصبحت من الأولويات في هذه المرحلة، وتراجعت أهمية الشؤون الصحية أمام أولوية تأمين لقمة العيش. ومع انفجار المرفأ، توجهت الانظار إلى المتضررين منه ثم مع كورونا أصبحت الأولوية في مكان آخر، لم تعُد الأضواء تُسلّط على المعنيين بشأن طبي متخصص، "يهدد انهيارنا حياة كثيرين واستمراريتنا ضرورية لأن من يحتاجون إلينا في مساعدة مادية هم في ازدياد مع تفاقم الصعوبات على الكل."

أصبحت العمليات الطارئة للتشوهات الخلقية في القلب وحدها تجرى بسبب كورونا، بعدما كانت تجرى أحياناً عملية يومياً. لكن تتوقع غندور أن نشهد ارتفاعاً ملحوظاً فيها مع تراجع انتشار الوباء، علماً أن طوال فترة الحجر، كان مركز قلب الطفل في مستشفى الجامعة الأميركية الذي يتعامل معه الصندوق، الوحيد الذي أجريت فيه عمليات قلب للأطفال، أما نسبة نجاحها، فتصل إلى 97 في المئة بوجود كفاءات عالية مع فريق طبي متميز وتجهيزات. إذاً، وحدها الإمكانات المادية هي العائق.

خلال فترة الأعياد، استطاع الصندوق أن يؤمن مدخولاً معيّناً بفضل تعاون مع مصممين ومبدعين لبنانيين يسهمون بنسب معينة من أرباحهم، ولم يكن ممكناً إقامة الأنشطة المعتادة، كمصدر للتمويل، بسبب الأزمة الصحية. لكن الجمعية تبقى حريصة على الحفاظ على مجال تخصصها بعيداً من الجوانب الحياتية الأخرى، "لأن المساعدات كثيرة فيها والأهم التركيز على تأمين العلاج الطبي للأطفال الذي لا يجد داعمين كثراً".

حتى اليوم لم يرفض الصندوق مساندة طفل يحتاج إلى عملية في القلب، إلا إذا توفّرت الإمكانات المادية لدى عائلته، نظراً إلى وجود آلية معينة لتقديم الطلبات وذلك حرصاً على تقديم المساعدة في مكانها، علماً أن الصندوق يساعد بنسب متفاوتة بحسب إمكانات العائلات التي تتقدم بطلب الدعم والتي من المتوقع أن تزيد في المرحلة المقبلة.

جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان

تُعنى جمعية بربارة نصار بدعم مرضى السرطان من الناحيتين المادية والمعنوية، وتركز على المناصرة والتوعية. وطوال السنوات الماضية، كانت أنشطة الجمعية مصدر التمويل الأساسي لها لمساعدة المرضى وتأمين تكاليف متبقية لجلسات العلاج ودخول المستشفى، مما تتكفل به الجهات الضامنة، أما الأدوية، فيهبها أشخاص لم يعودوا بحاجة إليها، لأن تكاليف هذا النوع من العلاجات باهظة وتصل إلى 10 آلاف دولار أميركي أحياناً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بحسب مؤسس الجمعية هاني نصار، التحديات كانت كثيرة مع الأزمة الاقتصادية ومع جائحة كورونا التي حالت دون إقامة الأنشطة كمصدر تمويل أساسي للجمعية. وعلى الرغم من ذلك، قدمت الجمعية مساعدات مادية للمرضى لتغطية تكاليف علاجاتهم بقيمة 50 ألف دولار، إضافة إلى دعم المرضى المتكرر في معاملات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي واجهوا فيها مشكلات عدة هذا العام، بالتعاون مع الأطباء والجهات المعنية. وفي مجال متصل، استطاعت الجمعية أن تؤمن تبرعاً كبيراً من جهات خارجية بأدوية مكلفة خاصة بالسرطان، ما سمح بتغطية عدد كبير من المرضى بعد انقطاع قسم من هذه الأدوية في لبنان، الأمر الذي يشكّل تحدياً إضافياً يواجهه مريض السرطان في البلاد، فتسعى الجمعية إلى تأمين أكبر عدد منها.

كما تحاول الجمعية جاهدة مساعدة أكبر عدد من المرضى، لكن بحسب نصار، يكون هذا الدعم على قدر الإمكانات، أما الحاجات فأكبر بكثير، خصوصاً بعد الضائقة المالية التي ألمّت بالمواطن اللبناني وزادت معدلات الفقر بشكل مرعب، "كنا نقيم أنشطة توعوية ومؤتمرات وحفلات ومعارض منها "Cancer awareness village"، لكن الوباء منع ذلك، ما حرمنا من مصدر أساسي للتمويل، لكننا نظّمنا بعضها افتراضياً برعاية شركات أدوية، أما الأنشطة الأخرى كالعشاء السنوي، فلا يمكن إقامتها بسبب كورونا والأزمة المالية أيضاً".

مركز سرطان الأطفال في لبنان

أمّن مركز سرطان الأطفال في لبنان منذ تأسيسه، العلاج لأكثر من 2040 طفلاً، فأنقذ حياة قسم كبير منهم، إذ بلغت نسبة الشفاء 80 في المئة. لكن الضربات المتتالية شكلت أعباء ثقيلة على المركز، بخاصة أنه توسّع في نطاق عمله حتى شمل أطفالاً يتلقون العلاج في مستشفيات تضررت نتيجة انفجار المرفأ. وانخفضت قدرات الناس على التبرع في ظل هذه الأوضاع الصعبة وتغيّر سلّم الأولويات، وتقول مديرة قسم التبرعات فيه نسرين طنوس، "أطلقنا صرخة عام 2019 وجدّدنا الدعوة مع كل أزمة جديدة. بفضل الأيادي البيضاء ومن خلال صندوق الإنقاذ، استطعنا متابعة المسيرة بأمل، ولكن بحذر أيضاً. فالأولوية لنا تأمين ما وعدنا به كل أم وأب وطفل بعدم التقصير في تأمين فرصة حياة على الرغم من الأزمات".

يفتقد المركز اليوم مصادر مهمة للتمويل بسبب الأزمة الاقتصادية من جهة والوباء من جهة ثانية، ما يستدعي تنويعاً وابتكاراً وجهوداً إضافية لتأمين التمويل وإنقاذ حياة الأطفال مرضى السرطان، فتحوّل عدد من برامجه إلى المنصات الإلكترونية، وفق ما تتطلبه هذه المرحلة.

وطوال 18 سنة، اكتسب مركز سرطان الأطفال في لبنان مصداقية، ما ساعده على كسب الثقة، خصوصاً من خلال مقاربته الفريدة لجمع التبرعات وبرامجه المتميزة، وقد تكون هذه من العناصر التي أسهمت في صموده بوجه التحديات المتتالية.

أما بالنسبة إلى أزمة الدواء، فقد عمل المركز استباقياً على التصدي لها منذ بداية عام 2020. وعلى هذا الأساس، حُدّدت الأدوية الأكثر استخداماً وتأمنت كميات كافية لعام. لكن تبقى التحديات موجودة لأن الأدوية لا تتوافر دائماً بالكميات المطلوبة، وكذلك المستلزمات الطبية التي يواجه المركز صعوبات في التزوّد بها، وقد أسهمت جهات أجنبية عدة في تأمين الدعم لهذا البرنامج، "المركز في قلب العاصفة، لكن لا يمكننا الاستسلام لأن السرطان لا ينتظر. بالرجاء والعزم والمثابرة سنواصل المسيرة ونسخّر إمكاناتنا وخبراتنا ونحقق رسالة المركز لأنه لا يجوز أن يموت طفل في فجر الحياة. نتّكل على الله وعلى الخيّرين الذين يقدمون لنا الدعم لنواصل الطريق".

"Friends Of MS" لدعم مرضى التصلّب المتعدد

تأسست جمعية "Friends Of MS" في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت عام 2012 لمساعدة مرضى التصلّب المتعدد ونشر الوعي حول المرض وتقديم الدعم في الأبحاث السريرية.

لكن التحديات والصعوبات لجمع التبرعات بدأت عام 2017، بحسب المسؤولة الإدارية في المركز فيكي نصار. وعام 2018، وضع مؤسسو المركز خطة عمل للاستمرار بجمع التبرعات وتقديم الدعم للمرضى. طوال السنوات الماضية، استطاع المركز كسب ثقة المموّلين من خلال المثابرة والشفافية والمصداقية في دعم المرضى.

في الفترة الأخيرة، لا تنكر نصار أن التحديات ازدادت أكثر، مع تراجع الدعم المادي وأعداد المموّلين، يضاف إلى ذلك توقف الأنشطة التي كان ريعها يعود لدعم المركز، كما أن تفاقم الأزمات في لبنان، أسهم في توجيه الأنظار إلى أماكن أخرى أصبحت من الأولويات في هذه المرحلة وزادت أزمة الدولار والتحديات مع المستشفيات الوضع سوءاً.

تدعم وزارة الصحة "Friends Of MS"، ما يساعده على الصمود، وكان ممكناً التوجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي مع غياب الأنشطة التي يمكن إقامتها في شهر التوعية حول التصلب المتعدد، من خلال حملة توعية بدعم من شركات للتعويض عن تراجع التبرعات. كما أن المركز هو تحت مظلة الجامعة الأميركية في بيروت، ما يجذب التبرعات ويحفّز المموّلين على الاستمرار بتقديم الدعم.

حرص المركز على آلية معينة حفاظاً على إمكاناته لمساعدة من هم أكثر حاجة بعد التحقق من كل طلب يتقدم به مريض، وسمح ذلك بتحقيق التوازن عبر السنوات بين التمويل والحاجات.

وتراجعت معدلات التمويل، لكن يبقى من يلتزمون بالدعم كونهم يدركون أهمية المركز الوحيد في الشرق الأوسط، أما الأدوية الخاصة بمرض التصلب المتعدد، فتحرص وزارة الصحة على تأمينها، وثمة علاجات أخرى مكملة تؤمّن أحياناً من قبل جهات خاصة ومنظمات.

جمعية "Chance" لدعم الأطفال مرضى السرطان

لم تتوقف جمعية "Chance" يوماً طيلة 18 سنة من تأسيسها عن دعم الأطفال مرضى السرطان في ثمانية مستشفيات في لبنان، وبحسب مؤسسة ورئيسة الجمعية الاختصاصية في أمراض الدم والأورام الدكتورة رولا فرح، الصعوبات زادت إلى حد كبير عام 2019، كما ارتفعت الطلبات بنسبة 45 في المئة وتراجع معدل المساعدات، خصوصاً نتيجة وباء كورونا وانفجار المرفأ، "السرطان لا ينتظر ولا علاج الأطفال، فيجب المتابعة مهما كلّف الأمر من دون تأخير. في السنوات السابقة كانت الأنشطة والمساعدات والحفلات تؤمّن لنا الاستمرارية. بغيابها، كان لا بدّ لنا من تأمين البدائل من خلال التنويع والابتكار".

تستدعي المرحلة الحالية الاتجاه إلى الساحة الافتراضية، فأنشأت الجمعية منصة تبرع "أونلاين" بشكل يتيح جمع المال من خارج لبنان لتقديم الدعم، وقد سُجّلت أيضاً "Chance" بحسب فرح، كجمعية عالمية في سويسرا، ما يسمح بتأمين الأدوية غير المتوافرة في البلد، إما بشرائها أو عن طريق التبرع من أفراد، الأمر الذي يخفف من وطأة فاتورة الدواء. وتحرص الجمعية أيضاً على تسليط الضوء على حالات معينة عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل بهدف تأمين الدعم لها بشكل دوري.

ومن الخطوات التي اتخذتها الجمعية أيضاً في مواجهتها لتحديات هذه المرحلة الاستثنائية، إنشاء وحدة إدارة أزمات مع استشاريين في التسويق والعلاقات العامة لتوجيه الأعضاء في مجال إدارة الأزمات لمواكبة التطورات تجنباً للانهيار. وفي هذا الإطار، أنشئ أيضاً قسم لجمع هبات من الأدوية عبر المنصة من أشخاص لم يعودوا بحاجة إليها وهي مكلفة للمريض.

على الرغم من المساعي، لا تنكر فرح أن الجمعية تضطر أحياناً إلى رفض حالات لأن الإمكانات محدودة، وباستمرار الوضع على حاله قد تجد نفسها مرغمة على عدم استقبال الحالات الجديدة، "لن نوفر جهداً لتأمين الاستمرارية، كما فعلنا دائماً. طوال السنوات الماضية، عملنا على الحد من التكاليف ليستفيد الأطفال في علاجاتهم من المساعدات إلى أقصى حد ممكن، من دون المساومة على النوعية. للمساعدات حدود والوعود لا تنفّذ في كثير من الأحيان. موضوع الاستمرارية يقلقنا بوجود 150 طفلاً يعتمدون علينا في علاجاتهم".