Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تصاعد الغلاء... هل أفقد حكومة حمدوك السند الشعبي؟

شهدت العاصمة الخرطوم احتجاجات متفرقة للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية

احتجاجات متفرقة في بعض طرقات وشوارع العاصمة الخرطوم تنديداً بغلاء الأسعار (اندبندنت عربية – حسن حامد)

في وقت حظيت الحكومة السودانية برئاسة عبد الله حمدوك بأكبر تأييد شعبي في تاريخ البلاد، كونها جاءت بعد ثورة شعبية أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، الذي حكم البلاد 30 عاماً، إلا أن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، الذي أدى إلى تصاعد موجات الغلاء وارتفاع الأسعار إلى مستويات فاقت الـ 700 في المئة، تسبب في تململ الشارع السوداني لعدم تحمله مآلات هذا الوضع، وشهدت العاصمة الخرطوم، في الأيام الماضية، احتجاجات متفرقة في بعض الطرقات والشوارع الرئيسة للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، فهل هذا يعني أن حكومة حمدوك بدأت تفقد قاعدتها العريضة والسند الشعبي؟ وما السيناريوهات المتوقعة في حال استمرار هذا الانفلات والتدهور الاقتصادي؟

يقول أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية الحاج حمد، "بالتأكيد اهتزت ثقة المواطن السوداني في أجهزة الحكم المدني والعسكري في البلاد، والإشكالية أن المواطن كان دائماً يعطي العذر للحكومة المدنية باعتبارها تواجه تسلط العسكريين، لكن للأسف، الحكومة الانتقالية بقدر ما حاولت أن تقف على أرجلها، وتثبت نفسها في الحكم بمعالجة القضايا الأساسية خصوصاً ذات الطابع المعيشي، إلا أنها فشلت وتراجعت لأسباب عديدة من أهمها انقسام قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السياسية للحكومة) داخل مكوناتها، وعدم وجود توافق بين الحاضنة السياسية والحكومة الانتقالية حول معظم القضايا الإستراتيجية، وعدم وجود مرجعيات للحكومة، فضلاً عن غياب آليات المحاسبة والمراقبة لأداء الحكومة بسبب عدم تشكيل المجلس التشريعي، لذلك نلحظ وجود فوضى في إدارة منهج الحكم، سواء من قبل الجهاز التنفيذي أو الحاضنة السياسية، بالتالي، ليس بمستغرب أن تتأثر شعبية الحكومة وتتراجع وتهتز ثقة الشارع السوداني فيها".

خطة إسعافية

أضاف حمد، "في مثل هكذا تحديات تواجه الحكومة الانتقالية، كان يجب أن تتفوق القدرة القيادية التي يتمتع بها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بفرض هيمنته على الجهاز التنفيذي من خلال تنفيذ خطة إسعافية عاجلة تقود البلاد إلى بر الأمان، لكن "ترك الحبل على الغارب"، وتنفيذ سياسة صندوق النقد الدولي، فهذا أمر محير، لأن الصندوق نفسه مندهش من تطبيق هذه الإجراءات التعسفية في ظل وضع اقتصادي هش، وهناك قصور واسع النطاق، وخطأ مركزي في وضع الأولويات، ومع انتهاج الحكومة سياسة رفع الدعم، كان من المفترض أن يتبعه تقشف في أجهزة الدولة في التعيينات القيادية، والخدمة المدنية، وبنود الصرف، فلا يعقل أن تستخدم أجهزة الدولة المدنية والعسكرية 60 في المئة من الوقود، وكيف تفرض الحكومة أسعاراً جديدة على المواطن؟ ولا تلزم أجهزة الحكم هذه الأسعار، فلا بد من أن تكون الدولة واقعية".

وتابع أستاذ الاقتصاد السياسي، "الأمر المؤسف أيضاً تغول العسكريين في المجلس السيادي السوداني في السياسة الخارجية للبلد، من خلال تسريع خطوات الاتفاق مع إسرائيل بتعزيز التواجد الأمني، وإيجاد قاعدة أميركية في ضاحية سوبا في الخرطوم من دون مقابل، كما أن من الإشكاليات أن مجموعة النخبة الحاكمة في الجهاز التنفيذي استمرت في سياسات النظام السابق ذاتها، فما كان يقوله البشير، ظل يردده هؤلاء التنفيذيون، فضلاً عن أن الحاضنة السياسية ليست لديها سلطة في السياسات المتبعة، فالحقيقة أن الحكومة تحاول تخدير الشارع على الرغم من أنه صبر عليها ومنحها الفرصة الكافية ودافع عنها، لكنه وصل إلى قناعة أنها ليست على قدر التحدي الذي يواجه البلاد لا سيما في الجانب الاقتصادي الذي بلغ مرحلة الانهيار التام".

ترتيب الأولويات

وفي سياق متصل، أوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعات السودانية الرشيد محمد إبراهيم أن "الحكومة الانتقالية في البلاد خسرت سند الشارع لأسباب واضحة في غالبها اقتصادي، فالواقع يقر بوجود فشل واضح في المجالات الحيوية لا سيما ما يتعلق بالقضايا المعيشية، وكذلك الحال، سياسياً، فلم تستطع الحاضنة السياسية بلورة مشروع لحشد الطاقات، فضلاً عن فشل الحكومة في ترتيب الأولويات، وعدم إحراز أي تقدم في مطالب الثورة المتعلقة بمسألة قتل المتظاهرين، وملف فض اعتصام القيادة العامة للجيش، كما أن التحالف الجديد للحكومة المقبلة تكتيكي بامتياز وليس استراتيجياً، بالتالي، فإنه يحمل في داخله عناصر الفشل، فما حدث من ضعف في الأداء سيتكرر في الحكومة المقبلة، ومن الصعب التنبؤ أو الحديث عن أي معالجات تعيد ثقة الناس، فالمؤشرات واضحة سواء كانت سياسية أو اقتصادية، وتؤكد الاتجاه إلى الوراء وليس نحو الأمام".

وتابع إبراهيم أن "من الأسباب التي تنبئ بأن الحكومة المقبلة لن تكون أحسن حالاً من سابقتها، استمرار المشاكسات بين المكونين العسكري والمدني، فضلاً عن انضمام شريك ثالث في الحكم هو الجبهة الثورية التي تمثل الحركات المسلحة، ولها معركة مؤجلة مع قوى الحرية والتغيير، بسبب نجاح الأخيرة في إبعادها عن الحكومة الانتقالية الأولى، إضافة إلى أن الجبهة الثورية انضمت الآن إلى القوى الحاكمة عبر نافذة أخرى أكثر قرباً للعسكر، ما ينذر بمواجهات داخلية بين الشركاء الثلاثة في الحكم، لكن بالإضافة إلى ذلك، نجد أن كل الأدوات القديمة تتكرر الآن، إذ اعتمد تشكيل الحكومة الجديدة على المحاصصة السياسية والقبلية والجهوية، وليس على معايير الكفاءة والنزاهة والخبرات، وعدم الالتزام بالتدقيق الأمني في الاختيار لشغل المناصب القيادية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبين أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن التغيير الوزاري إذا لم يخاطب مطالب الناس، ورغباتهم، فإن الشارع لن يقف متفرجاً، كما أن الإسلاميين استغلوا حال الانقسام السياسي بين مكونات الحاضنة السياسية، واتجهوا إلى ترتيب صفوفهم ليكونوا فاعلين حركياً وسياسياً، أما في ما يتعلق بما ورثته الحكومة الانتقالية من تركة ثقيلة من النظام السابق، فالتركة موجودة، وكل الأطراف تقر بها، لكن السؤال، ماذا عملت الحكومة لمعالجة هذه التركة؟ فالحكومة السودانية تسهم في هزيمة نفسها، إذ رفعت سقف الآمال لدرجة كبيرة، ما جعلها في ورطة حقيقية، إلى جانب غياب الرؤية، وجلب كوادر ليست على تحديات المرحلة، وفي تقديري أن استمرار الفشل يقودنا إلى سيناريوهات لا تحمد عقباها.

تركة ثقيلة

في المقابل، قال الناطق الرسمي باسم حزب المؤتمر السوداني نور الدين بابكر، "لا يختلف اثنان في أن أداء الحكومة الانتقالية كان دون طموح الثورة التي أطاحت بأشرس نظام ديكتاتوري استباح البلاد ثلاثة عقود من الزمن، لكن في اعتقادي أن هذا الضعف له أسبابه الموضوعية التي من أهمها التركة الثقيلة التي ورثتها هذه الحكومة من النظام السابق، المتمثلة في خزينة فارغة من العملات الصعبة، وفساد مستفحل في جميع أركان الدولة بأجهزتها المختلفة، وانعدام القوانين وتعطيلها، فضلاً عن ضعف أداء الوزراء وانعدام حلقة التنسيق في ما بينهم، وكذلك انعدام الشفافية والمكاشفة والتواصل مع الجماهير، وهو أمر غير مقبول في سودان ما بعد الثورة التي رسخت لمبادئ وشعارات الحرية والسلام والعدالة، فلا بد من أن يكون المواطن ملماً بكل تفاصيل السياسات التي تنتهجها الحكومة، وما يواجهها من تحديات حتى يكون على قناعة تامة، بل يسهم في إيجاد الحلول لتلك المشكلات".

وأشار بابكر إلى أن "تدهور الاقتصاد يعد العامل الرئيس في تراجع الأداء الحكومي، لكن بعد التشكيل الوزاري المقبل، بالإمكان تحقيق معالجات جوهرية لكل الملفات وخصوصاً الملف الاقتصادي، وأعتقد أن أمام الحكومة المقبلة فرصة كبيرة للاستفادة من الأخطاء السابقة، من خلال وضع خطة إستراتيجية واضحة المعالم، بعد الاتفاق على القضايا الرئيسة المختلفة، والعمل على إدارة تلك الملفات بحنكة تامة، ما يعيد الأمل لأنصار الثورة أن تحقق حكومتهم الأهداف التي من أجلها أسقطوا حكومة البشير"، ولفت إلى أن "المسؤولية مركبة تتحمل الجزء الأكبر منها قوى الحرية والتغيير التي انشغلت بالصراعات بين مكوناتها بسبب اختلاف وجهات النظر حول السياسات والآليات والمنهجية وغيرها من القضايا، ما أضعف أداءها، بالتالي تشترك في تحمل المسؤولية مع الحكومة".

دولة فاشلة

أضاف، "ليس صحيحاً أن الحكومة وحاضنتها السياسية تتخذان النظام السابق شماعة تعلقان عليها أسباب فشلهما، ففي الحقيقة، هذا واقع، فقد ورثت الحكومة الانتقالية دولة فاشلة بكل ما للكلمة من معنى، ممثلة في خدمة مدنية منهارة، وخزينة خاوية، وخلل وقصور في هياكل وأجهزة الدولة، وفراغ قانوني، فضلاً عن الفساد الذي أصبح سمة في كل التعاملات، لكن مع ذلك، أستطيع القول إن الحكومة لم تتمكن من المحافظة على إيقاف حال التدهور الاقتصادي بعد الثورة، كذلك من نقاط ضعف هذه الحكومة، تركيزها ورهانها على ملف واحد ألا وهو ملف المساعدات الخارجية، على الرغم من أهميته في حل الضائقة المعيشية ووقف التدهور الاقتصادي، فضلاً عن جهود إعفاء الديون الخارجية البالغة 60 مليار دولار".

وفي وقت يتوقع الناطق الرسمي باسم حزب المؤتمر السوداني أن يحظى السودان في الفترة المقبلة بتعاون دولي استثماري، أشار إلى ضرورة أن تعمل الحكومة على تهيئة البيئة الداخلية، وإجراء ترتيبات بهدف جذب أموال واستثمارات هائلة، فضلاً عن القيام بهيكلة المشاريع الحيوية، وتأهيلها لتعود إلى الإنتاج حتى تسهم في النمو الاقتصادي.

المزيد من العالم العربي