Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيروس الـ"ميمز" يضرب قفازات ساندرز وشعر جونسون وفزع كورونا

ظلت النكات والرسوم الكاريكاتيرية وسيلة تعبير سياسي لتحريك المياه الراكدة لا سيما في الأزمات

صورة السيناتور الأميركي بيرني ساندرز في حفل تنصيب بايدن لم تمر مرور الكرام على التواصل الاجتماعي  (أ ف ب)

عابرة للحدود، قاهرة للاختلافات، قادرة على علاج التقرحات السياسية وتهدئة الالتهابات الرقابية. والأهم من ذلك أنها لا تحتاج إلى لغة بعينها تتقنها، أو إلى اتفاق مسبق تلتزم بمعاييره وتحافظ على قيوده. الأدهى من ذلك، أنها تصل إلى الملايين من دون شرح أو تفصيل، أو شرط أو تقييد. الجميع يستخدمها كما يحلو له لتتحول إلى "ميمز" ينافس الفيروس في انتقاله وانتشاره. والأعجب هو أن صاحبها يجد نفسه بين "ميمز" وضحاه وقد انتشر انتشاراً فيروسياً.

الانتشار الفيروسي لصورة السيناتور الأميركي الديمقراطي عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز، البالغ من العمر 79 عاماً، جالساً على مقعد لا يحيط به شيء أو أحد خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن وهو يرتدي معطفاً أخضر وقفازاً صوفياً سميكاً كان مثيراً لكن ليس فريداً. لم تمض سويعات قليلة على ظهور الصورة حتى تحولت إلى الأكثر تداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي في أنحاء عدة من الكوكب. آلاف الصور لساندرز بالجلسة ذاتها على المقعد والمعطف والقفازات نفسها جرى تداولها، لكن الغرض من الاستخدام اختلف من مشرق الأرض إلى مغاربها.

ساندرز على القمر

وجد ساندرز نفسه مرة جالساً على ظهر القمر، وأخرى محمولاً بدلاً من المنصة المسروقة من الكونغرس وقت اقتحامه، وثالثة، إلى جوار الفنانة هيفاء وهبي في محطة وقود، ورابعة، خلف الفنانة سلمى حايك بينما تتزلج على الجليد، وخامسة، وسط شباب يرقصون الدبكة، وسادسة، جالساً إلى جوار ملكة بريطانيا الملكة إليزابيث، وسابعة، مع "سبايدرمان" (الرجل العنكبوت)، وثامنة، مشاركاً فورست جامب (الفنان توم هانكس) كنبته الخشبية الشهيرة، وتاسعة، أثناء أعمال إغاثة في الهند، وعاشرة، في ميدان التحرير بالقاهرة، وأخرى وليست أخيرة مع الممثلة ديمي مور في فيلمها الشهير "الشبح" وهي تصنع الأواني الفخارية بعد وفاة حبيبها والقائمة طويلة جداً.

طول قائمة صور ساندرز وتربعها على رأس ترند الـ"ميمز" في الكوكب مذهل لكنه يعكس الكثير مما وراءها من رغبة فطرية في الضحك والسخرية والتنكيت. وتحايل على قواعد مفروضة وقيود منصوبة. ومعها من دون شك خلطة من المشاعر البشرية المتراوحة بين الرغبة في التعبير رغم الرقابة، وفي الغضب رغم المنع، وفي المعارضة رغم أنف الأغلبية الموافقة.

الجين الأناني

تاريخياً، ظلت الفكاهة وستظل وسيلة تعبير سياسي، لا سيما في أزمنة الأزمات. وكثيراً ما نجحت النكات والرسوم الكاريكاتيرية الحادة في تحريك المياه الشعبية الراكدة وتحفيز الجماهير للتعبير والاهتمام بالشأن السياسي العام الذي هو شأنهم في الأصل.

أصل كلمة "ميمز" مشتق من الكلمة اليونانية "mimema" وتعني "تقليد". وبحسب موسوعة "بريتانيكا" فإن الكلمة قُدمت للمرة الأولى على يد عالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكينز في عمله المعنون "الجين الأناني". الذي يشير إلى اعتبارها أشبه ما تكون بالجينات البيولوجية "الأنانية" التي تتحكم في تكاثرها، ومن ثم تخدم مصالحها وتحقق غاياتها وهو ما يجعلها قادرة على حمل معلومات والتكاثر والاستنساخ  وسرعة الانتقال والانتشار قبل أن تدمر نفسها وتصبح في خبر كان.

فنان الكاريكاتير المصري هاني شمس يقول، إن الـ"ميمز" لها العديد من الأصول التاريخية الفنية. ويذكر أنه قبل سنوات طويلة كانت تقام مسابقات بين رسامي الكاريكاتير على لوحة مشهورة لفنان تشكيلي عالمي مثل لوحة "الصرخة" للفنان العالمي إدفارد مونش، ويبدأون في إجراء إضافات وتعديلات عليها، فتأخذ منحى ضاحكاً آخر تماماً. ويضيف أنه في تلك الآونة لم تكن هناك إسقاطات أو استخدامات سياسية للفكرة.

الـ"ميمز الترند"

نظرية دوكينز تتعامل مع الـ"ميمز" بشكل واسع، فقد تكون فكرة أو مهارة أو تصرفاً أو عبارة أو صرعة أزياء تنتقل من شخص لآخر شفهياً أو مرئياً أو عبر وسيلة إلكترونية. والـ"ميمز" الذي ينجح في أن يكون الأكثر تداولاً وتناقلاً يصبح ظاهراً ومعروفاً لفترة ما. بمعنى آخر، إنه الـ"ميمز الترند"، الذي غالباً ما يكون سياسياً هذه الأيام.

يقول شمس، إن اللجوء إلى الرمز في الكاريكاتير كان شائعاً حتى سنوات قليلة مضت، هرباً والتفافاً على القمع، وهو ما نراه جلياً في رسوم كاريكاتيرات عديدة بدول أوروبا الشرقية في الماضي. يضيف أن استخدامات الصور التي يجري تداولها بكثرة وتحويلها إلى "ميمز" مثلما حدث مع ساندرز وقبله كثيرون، قد يكون الغرض منها هو التشفي السياسي أو مجرد الضحك والتخفيف من الأجواء الملبدة بالمخاوف والضغوط. يوضح أنه "في حالة ساندرز فإن غالبية الاستخدامات ربما لم تكن بغرض التشفي السياسي منه شخصياً، بقدر ما هي من ترمب أو حتى بايدن".

وبحسب ورقة بحثية عنوانها "الميمز السياسية وسياسات الميمز" كتبتها مجموعة من الباحثين البرازيليين لتحليل الظاهرة التي شاعت في البرازيل على "تويتر" أثناء الانتخابات الرئاسية في عام 2014، فإن الوسائط الرقمية وتكنولوجيا الاتصالات أتاحت في السنوات الأخيرة شيوع أنواع جديدة من الفكاهة بين الشعوب، وأن الفكاهة السياسية المتداولة على الإنترنت تسهم بشكل واضح في بناء قاعدة من المعاني والقيم المشتركة بين الناس بغض النظر عن الاختلافات الثقافية واللغوية والتاريخية والاجتماعية. من جهة أخرى، فإن شيوع هذا النوع من السخرية السياسية الرقمية قادر على امتصاص صدمات التوتر ويقوم بمهمة صمام الأمان في كثير من الظروف والأحوال الصعبة. كما أن الفكاهة تضفي أجواء إيجابية حتى في أحلك الظروف وأصعبها.

ما أكثر الظروف الحالكة

ليس هناك أصعب من الظروف الراهنة، الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يتحول إلى بالون هواء محلقاً في السماء، بينما الأميركيون في حيرة من أمرهم، لما أصاب مجتمعهم من فُرقة واستقطاب. رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وشعره أشعث متطاير، بينما البريطانيون يعانون تشعث أحوالهم المعيشية وتطاير أحلام التعافي الاقتصادي في ظل التعامل مع الوباء. "ميمز" لزعماء العالم واقفين وترمب يجلس أمامهم والجميع في حيرة من أمره. وآلاف الـ"ميمز" لسياسيين وفنانين ومواطنين عاديين التقطت لهم صور تحولت إلى "ترند" لأسباب مختلفة، وجميعها يطرح سؤالاً: لماذا يحب سكان الأرض الـ"ميمز"؟

الـ"ميمز" لا تعترف بفروق بين الذكر والأنثى، الصغير والكبير، الغني والفقير، اليميني واليساري ومنزوع الانتماء. ويمكن القول، إن البعض من المنتمين لتيارات دينية مفرطة في التشدد يمثلون الأقلية التي تناصب الـ"ميمز" العداء. ويُذكر في ذلك ما ورد من فتاوى عنكبوتية يشير بعضها إلى أن "الصور لو كانت لذوات أرواح مرسومة باليد فإنها تحرم، أما إن كانت صوراً غير تامة بأن حُذف منها جزء لا تتم الحياة به كالرأس أو الصدر أو نحو ذلك، فقد سمح بها البعض من أهل العلم، أما إن كانت صوراً فوتوغرافية فقد اختلف حولها العلماء المعاصرون".

الغالبية تتشاركها

استطلاع للرأي أجرته شركة "فاست كومباني" في الولايات المتحدة الأميركية نهاية عام 2020 أشار إلى أن 55 في المئة من الأميركيين شاركوا "ميمز" سياسياً واحداً على الأقل في ثلاثة أشهر. وقال 90 في المئة، إنهم شاركوا واحداً على الأقل على "فيسبوك" في وقت ما. وقال أكثر من الثلث إنهم يشاركون الـ"ميمز" بأنواعها بصفة يومية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويومياً وعلى مدار ما يزيد على شهرين قبل عشرة أعوام بالتمام والكمال، ظل المصريون وبعدهم الملايين في الدول العربية يتداولون "ميمز" لـ"الراجل اللي واقف ورا عمر سليمان". ففي 11 فبراير (شباط) عام 2011، وبينما نائب الرئيس المصري السابق ومدير الاستخبارات العامة السابق عمر سليمان يعلن تنحي مبارك عن السلطة في لحظة فارقة من تاريخ مصر، كان يقف خلفه رجل متجهم لم يتحرك يميناً أو يساراً طيلة تلاوة بيان التنحي. وما هي إلا أيام معدودة من تساؤلات عارمة ملأت مواقع التواصل الاجتماعي حتى وصل البعض إلى شخصيته، وعُرف أنه اللواء حسين كمال مدير مكتب سليمان. وفي تلك الأثناء كانت الصورة قد تحولت إلى "ميمز" هادر على مواقع التواصل الاجتماعي عابراً حدود مصر إلى آفاق الشبكة العنكبوتية الرحب، التي يسرت وسيلة التعبير للملايين ومكنتهم من أداة السخرية التي هي صمام أمان سياسي في المقام الأول وطريقة تخفيف عن الأحمال النفسية والأثقال المجتمعية في المقام الأخير.

آخر ما يمكن تخيله هو أن يتحول "ميمز" السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز إلى ملابس وقفازات وكمامات تصنع وتباع لأغراض خيرية، وهو ما علق عليه ساندرز في نشرات إخبارية بقوله، "نحن لا نستمتع بالمزحة فقط، لكن نحولها من ولاية فيرمونت إلى ملابس للشباب في مختلف أنحاء أميركا. والأموال التي ستجمعها ستذهب إلى جمعيات خيرية تخدم أصحاب الدخول المنخفضة".

"الراجل أبو جلابية"

ومن بين أصحاب الدخول المنخفضة ولكن على الجانب الآخر من الكوكب، لمع بطل "ميمز" آخر قبل سنوات وما زال محفوراً في أذهان الملايين. إنه "الراجل أبو جلابية" الذي فاجأ جماهير كرة القدم العريضة في مصر عام 2011 باقتحامه أرض الملعب في مباراة الزمالك والأفريقي التونسي وأخذ يركض يميناً ويساراً من دون غاية واضحة أو سبب معين. حاز "الراجل أبو جلابية" كذلك على نصيب عادل من "الميمز" التي دقت على أوتار أحداث يناير تارة، وأوتار أهل الصعيد والنكات التي تطلق عليهم تارة أخرى.

حتى فيروس كورونا صنع لنفسه مكانة مميزة في عالم الـ"ميمز" خالطاً الوباء بالمعارضة السياسية والآثار الاقتصادية والمخاوف الإنسانية والتصرفات البشرية التي تنافس الخيال أحياناً لفرط خلوها من المنطق.

الـ"ميمز" هذه الآونة كوميديا يحتاجها العالم. هناك من يستكشف أو يكشف بها السياسة. وهناك من يدرأ بها عن نفسه مخاطر الكبت أو الخوف. وهناك من يستخدمها كسلاح استفزازي أو انتقامي سياسي أو اجتماعي، لا سيما حين يتعذر كلاهما على أرض الواقع.

ضحك واتهام

وسواء كانت الـ"ميمز" لسيناتور أميركي متجهم أو "راجل بجلابية" هائم على وجهه في الملعب أو رئيس أميركي أسبق مثير للجدل أو رئيس وزراء بريطاني أو ممثلة مشهورة تبحث عن "ريش لحم" في عز أيام حراك سياسي شعبي أو مشهد من فيلم يحتمل إسقاطاً سياسياً في الهند، وفي الوقت نفسه سخرية انتخابية في فرنسا، تظل الميمز نافذة هواء ضاحك حيناً، ودليل اتهام سياسي حيناً آخر ومنصة تعاني هوة سحيقة بين الثقافات والأنظمة من حيث تراوح الرفض والقبول والمرور مرور الكرام أو صدور أحكام بالحبس والغرامة. فما يعتبره البعض "ميمز" فيها سم قاتل، يعتبرها آخرون علاجاً شافياً.

ميزة "فش الغل"

ويشير فنان الكاريكاتير هاني شمس، إلى أن الـ"ميمز" في الجانب الذي نعيش عليه من الكوكب مختلفة نسبياً، سواء من حيث الاستخدام وحريته والغاية والمسموح به. يقول: "التشفي السياسي له الغلبة عندنا. فلدينا قدر أوفر من المنع وقلة الحريات في التعبير الساخر، وهو ما يجعله وغيرها من أشكال الكوميكس آمنة نظراً؛ لأن مصدرها مجهول، عكس الكاريكاتير المعروف صاحبه، وهو ما يجعل معاقبته في حال أغضب نظام ما أمراً سهلاً. أما الميمز فمثلها مثل النكتة محاسبةُ مبتكرِه أمر شبه مستحيل، كما أنها تتميز بإمكانية تطويعها وتعديلها وعمل إضافات له، ما يعطي المستخدم على السوشيال ميديا شعوراً بالقدرة على التعبير وعمل الترند مجهول المصدر مع خاصية فش الغل".