التشكيل المغربي بين ضعف الدعم وانحسار النقد... وفوضى السوق

العقبات التي تواجه الحركة الفنية تطرح اسئلة حول مستقبلها

الرسام المغربي الراحل محمد شيبة في محترفه (اندبندنت عربية) 

ماذا عن راهن الحركة التشكيلية بالمغرب؟ ما وضع الفن التشكيلي بهذا البلد قياساً بالبلدان العربية الأخرى؟ وماذا عن رعاية الدولة ومؤسساتها لقضايا التشكيل والتشكيليين؟ ما الإكراهات أيضاً؟ وهل يواكب النقد الحركة التشكيلية وتطوراتها؟ ماذا عن الإعلام؟ وكيف ينظر أهل الميدان إلى حاضر التشكيل ومستقبله بالمغرب؟

أسئلة كثيرة نطرحها في "اندبندنت عربية" ونحن نحاول ما أمكن أن نقترب من تجربة مغربية فريدة، تعرف تحولات مستمرة في ظل الكثير من "الظلم" الذي يمارسه الجميع تقريباً في حق التشكيل بالمغرب. في هذا التحقيق يقف ثلاثة نقاد وفنانين تشكيليين على أعطاب الوسط ومشاكل الدعم وفقر البنية التحتية وفوضى السوق وفراغ مناهج التدريس وضعف التأطير النظري، وغياب الإعلام المتخصص، وغيرها من الحالات والأسباب التي تؤثر سلباً في فن أراد له جيلالي الغرباوي وفريد بلكاهية ومحمد شبعة ومحمد المليحي وغيرهم من الرواد أن يكون حاضراً بسمعة مشرفة في الأوساط التشكيلية العربية والأجنبية.

يضع الفنان والناقد التشكيلي إبراهيم الحَيْسن خطاً فاصلاً بين مرحلتين، بين ما كان عليه التشكيل المغربي وما آل إليه: فهو يرفع من شأن مرحلة الرواد منذ الخمسينات، والتجارب التي لحقتها إلى حدود أواخر القرن الماضي، غير أنه يستطرد: "لكن القاطرة التي كان يركبها هؤلاء الفنانون سرعان ما زاغت عن سكتها حيال بروز خلافات مجانية أفرزتها تكتلات جمعوية فاشلة وظرفية ظلت -مع الأسف الشديد- بعيدة من رسالة الإبداع وارتبطت أصلاً بتحقيق أغراض ومآرب شخصية! الأمر الذي أعاد التجربة التشكيلية المغربية كثيراً إلى الوراء."

إثر ذلك، أمسى البحث التشكيلي المغربي - وفق ما يراه الحيسن- يعاني من الاغتراب وعدم الاعتراف داخل البنية الثقافية الوطنية، وهو بالتأكيد لا يزال بحاجة إلى مزيد من الجهد ومراكمة البحث والتجريب وتطوير سبل الممارسة الفنية وصيغها، إن على مستوى الإنتاج التشكيلي، أو على مستوى الكتابة النقدية والمواكبة الإعلامية المتخصصة ودعم التعليم الفني بالمدرسة المغربية، فضلاً عن الارتقاء بالمؤسسات والبنيات التحتية الثقافية المتصلة بالإبداع التشكيلي، كقاعات العرض، المراسم (المفتوحة والمشتركة) والمتاحف وغير ذلك كثير.

وبخصوص البنية التحتية يقف الحيسن عند نموذج للارتجال وعدم وضوح الرؤية: "شهد المغرب تشييد متحف للفن الحديث والمعاصر بالرباط، ورافقت تأسيسه ظروف غير صحيَّة جعلت منه حدثاً باهتاً لم يرقَ إلى طموح الفنانين والمهتمين بالحقل التشكيلي في المغرب. فمشروع المتحف، كما هو معلوم، انطلق في العام 2004 وواجهت تنفيذه تعثرات كثيرة بسبب غياب رؤية واضحة لدى المؤسسة المسؤولة عن تدبير المشروع. كما أن المتحف عرف تسميات كثيرة تمتد لهذا الارتباك، ذلك أنه في العام 2000 أطلق عليه "متحف الفن المعاصر". بعد ذلك بثلاث سنوات سُمِّي "المتحف الملكي للتراث والحضارات"، والآن يُعرف باسم "متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر".

يبدو للحيسن أن المنجز التشكيلي المغربي في تنوُّع مداراته وتعدُّد أساليبه وكثرة مزاوليه، لا يزال يعيش -وإلى اليوم- تمزُّقاً إبداعيّاً ناتجاً من شيوع فوضى بصرية وتشتتاً معرفياً وجمالياً.

ويردُّ ذلك إلى العوامل الآتية:

أولاً- ضعف الدرس الجمالي بالمدرسة المغربية وخواء مناهج تدريس مواد التربية الفنية والفنون التشكيلية والتطبيقية وانعدامها بالجامعة.

ثانيّاً- غياب المنشورات والدوريات والمجلات واللقاءات السمعية والبصرية التي تعنى بقضايا التشكيل ومتابعته عدا تجارب معدودة البعض منها انطفأ بسرعة!

ثالثاً- معضلة النقد التشكيلي الذي لا يزال عموماً في المغرب مرتبطاً بالاجتهادات الفردية لنقاد قلائل يعدُّون على أصابع اليد الواحدة، يكتبون في الفن بعشق وبأناة وبحس احترافي من دون أي تحفيز مادي أو معنوي.

رابعاً- السوق الفنية في المغرب المطبوعة بالفوضوية والعشوائية والتي أمست مرتعاً لمحترفي النصب والاحتيال وتزييف القطع الفنية وبيعها للمغفلين، هذا من دون الحديث عن الفراغ القانوني وقلة الدعم والرعاية والمنح التكوينية، والزبونية في الاقتناء المؤسساتي وغيرها.

وسط هذا الوضع المأزوم والمعطوب، يظل الحديث عن المنجز التشكيلي في المغرب – وفق الحيسن-حديثاً موسوماً بالكثير من اللبس والغموض والتحفظ بسبب العوامل المذكورة، وبسبب الاستلاب والوهم الذي لا يزال يشغل مساحات واسعة من مخيال غالبية الفنانين التشكيليين المغاربة وتفكيرها على أكثر من صعيد.

 

إن التطور الذي لحق بالحركية التشكيلية عندنا - حسب التشكيلي والناقد الفني بنيونس عميروش- يجعل الفن المغربي المعاصر اليوم، إذا ما قارناه بما ينتج في العالم العربي عموماً، في مقدم التجارب التشكيلية العربية، لكونه اتخذ مساراً بنائياً، منسجماً مع أجواء كل حقبة من حقب تاريخه وسياقاته التي طبعت انطلاقة الوعي الحداثي في خمسينيات القرن العشرين مع أحمد الشرقاوي وجيلالي الغرباوي، وسجلت مرحلة نضج أسئلة التعبير وآفاقه في الستينيات والسبعينيات من خلال بحوث وطروحات فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة بمدرسة الدار البيضاء، والمكي مغارة وسعد بن شفاج بمدرسة تطوان، لتمتد مع يقظة فنانين من أمثال محمد القاسمي وفؤاد بلامين ومصطفى بوجمعاوي وغيرهم من الأجيال اللاحقة.

يضيف بنيونس: "هذا الحراك الفني المفعم بالرؤى والمواقف والمطالب والطموحات، والذي ظل متبايناً بين مد وجزر في العقود اللاحقة (الثمانينيات والتسعينيات)، يعد -لا محالة- مَنْبَت الحيوية الملحوظَة، التي وسمت الحقل التشكيلي منذ مطلع الألفية الجديدة كما يتفق على ذلك جل المهتمين بالقطاع. فالانتعاش الذي مسّ "السوق" الفنية على مدار العُشَرِية الأولى وما بعدها، بات وراء نشاط مؤسسات الرعاية التابعة للبنوك، وإنشاء العديد من قاعات العرض الخاصة في المدن الكبيرة كالدار البيضاء ومراكش، والرباط التي عرفت تدشين متحف محمد السادس للفن المعاصر والحديث (أكتوبر- تشرين الأول 2014). كما دفعت دينامية رواج العمل الفني الذي أشعل فتيل المنافسة، إلى إحداث مؤسسات البيع بالمزاد العلني بالعاصمة الاقتصادية ومراكش، اللَّتيْن دشَّنتا تنظيم دورات البينالات بوصفها معارض كبيرة ذات بُعديْن وطني ودولي. كل هذا بالإضافة إلى تطبيق مخرجات دعم المجال التشكيلي من لدن وزارة الثقافة، دفع كوكبة هائلة كمتدخلين جدد من ممارسين وجُمَّاع  Collationers ومهتمين عموماً".

في المقابل، لا يمكن أن يستقيم أي جنس إبداعي ويتطور من دون خلفية نظرية تفكك وتحلل وتقرأ وتفسح المجال للتقدم والتنوير. هذا ما يراه الفنان بنيونس عميروش مفسراً فكرته على النحو التالي: "حقلنا التشكيلي الوطني الذي يعرف اليوم زخماً في الإنتاج، ما زال في حاجة للمراجعة والدراسة على صعد التأريخ والتنظير والنقد، كل هذه المداخل البحثية تنطوي على فراغات، على الرغم من اجتهادات عدد من النقاد والباحثين والدارسين المغاربة الذين تمكنوا من إبراز مكانتهم في العالم العربي على وجه الخصوص، بناء على مجهوداتهم الشخصية. من ثمة، تظل الممارسة التشكيلية المغربية في حاجة إلى التوجيه النظري المصاحب والضروري استناداً إلى ضوابط جمالية ونقديه ضمن تأطير معرفي يمس الثقافة البصرية بعامة. وإذا نحن ركزنا على هذه الثقافة الفنية كمفهوم معرفي وقيمي، ومن ثم كحق تربوي، لا بد من ربطها بمؤسسة المدرسة (المدرسة كمؤسسة معنية بتكوين المواطن من المستوى الابتدائي إلى الجامعي). ففي منظومة التعليم المغربي، منذ خمس سنوات تم إلغاء شُعب تكوين أساتذة مادة التربية التشكيلية المدرجة في مقررات التعليم الثانوي الإعدادي، بينما تظل المنظومة الجامعية مفرغة من أقسام الفن أصلاً، بحيث لا توجد بالمغرب ولو كلية واحدة للفنون الجميلة تابعة للتعليم العالي كما هو موجود في جل البلاد العربية".

إن المتأمل في راهن التشكيل بالمغرب – حسب رأي الفنان التشكيلي فؤاد شردودي- لا يمكنه إلا أن يقر بدينامية مهمة ومبشرة عرفتها العقود الأخيرة، تمثلت في الاهتمام المتزايد بالمنجز البصري وبما يحيط به من سياقات انتشاره وتلقيه، كما أن الأسئلة التي واكبت هذا المسار عرفت هي أيضاً انفجارات داخلية فرضتها عوامل سوسيوثقافية وجمالية متعددة. يستطرد فؤاد متسائلاً: "لكن لماذا، ونحن نفكك هذه المعطيات، نجد أنفسنا أمام وضع ملتبس؟ في نظري، لم تستطع المؤسسات الثقافية أن تستثمر العديد من الإنجازات الفنية التي حققها المجال البصري في المغرب، فظلت بذلك المعادلة مختلة بحيث لم تتعدَّ هذه الفعالية مرحلة المبادرة الفردية، إذ إن أهم ما راكمه المنجز التشكيلي بالمغرب كانت وراءه أسماء فنانين منفردين وليس حراك فني جماعي كما جرت العادة في جغرافيات كثيرة وبالتالي ظل الوعي البصري وفياً لاختلالاته الكثيرة". يضيف فؤاد: "ثم إن سوق الفن بالمغرب سادته الكثير من الفوضى والارتباك، صحيح أنه حقق أرقاماً مهمة وواعدة لكنه ظل مفتقداً لبنيات رصينة تجعله يقاوم أي أزمات ممكنة، فهو سوق يخضع لرغبات مجموعة من النافذين في الوسط والمستفيدين منه ليس إلا".

إن حالة الغليان التي سادت في وسط الفن التشكيلي بالمغرب، منذ عقدين تقريباً، والتي جعلته مهماً على المستوى العربي لم تستطع –حسب الفنان التشكيلي فؤاد شردودي- أن تنتج وضعاً إيجابياً مغايراً يبعث على الاطمئنان، وذلك راجع في نظره لغياب سياسة ثقافية شاملة تجعل الحركة سلسة بين فضاء المرسم والفضاءات التي تليه في دورة التلقي والانتشار، ويلعب النقد الجاد دوراً محورياً في هذا الإطار، فمن خلاله يستقيم المشهد التصويري وتنتصر قيم الخلق والإبداع.

يختتم فؤاد كلمته منتقداً حاضر الفن التشكيلي بالمغرب ومستشرفاً مستقبله: "غير أن مجال النقد التشكيلي بالمغرب لم يسلم هو الآخر من بعض العلل، لعل أهمها ندرة الأقلام المتخصصة المتسلحة بمعرفة دقيقة لخبايا الفعل التشكيلي وعوالمه، فعلى الرغم من كل الكتابات التي أنجزت حول التشكيل بالمغرب لايزال المشهد في أمس الحاجة لمقاربات نقدية منفتحة على مختلف التجارب بالموضوعية اللازمة وبالديمقراطية أيضاً، بعيداً من الإخوانيات والمجاملات التي لا تخدم واقع الفن. مع كل هذا ما زلت أومن بأن مستقبلاً مضيئاً ينتظر مشهدنا التشكيلي، لعل أبرز ملامح هذا المستقبل يتجلى في التجارب المجتهدة والثائرة التي تخلق الدهشة وتبعث على المزيد من الاستقراء والتأمل".

المزيد من ثقافة