Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مرضى يواجهون النبذ والخرافات والوصمة... وما علاقة غاندي به؟

يسببه نوع من البكتيريا العضوية التي تؤثر في الجلد والأعصاب الطرفية والغشاء المخاطي المبطن للجهاز التنفسي والعيون

يظهر الجذام في صورة طفح أو عقدة جلدية (أ ف ب)

هو مرض مزمن كغيره من الأمراض المزمنة. صحيح أن نوع البكتيريا العضوية التي تسببه مختلفة حيث يمتد تأثيرها إلى الجلد والأعصاب الطرفية والجهاز التنفسي والعيون، لكنه يبقى في نهاية المطاف مذكوراً في كتب الأمراض. وعلى الرغم من أن عدد المصابين به في العالم ضئيل، إذ لا يزيد على 200 ألف شخص (بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية)، إلا أن ثالوث الخرافة والضبابية والسقوط بالتقادم، يستحق الالتفات والاهتمام في اليوم العالمي لمرضى الجذام.

غاندي والجذام

حتى اختيار اليوم فيه تفردٌ واختلافٌ وقصةٌ تستحق السرد، بخاصة مع اقتراب ذكرى وفاة الزعيم الهندي الأشهر المهاتما غاندي والذي كان من أكثر المنشغلين والمهتمين بهذا المرض والتوعية به. قصة غاندي مع الجذام - والتي ما زالت القلة القليلة المهمومة بالجذام تحكيها - بدأت في عام 1893 حين وقف غاندي يخطب في جمع من الناس في مقاطعة كوازولو ناتال في جنوب أفريقيا، فلاحظ مجموعة تقف على مسافة بعيدة تحت شجرة تنصت إليه باهتمام شديد، فطلب منهم الاقتراب والانضمام للحشد، فرفضوا، فما كان منه إلا أن بدأ يسير نحوهم، فصرخ أحدهم فيه: "غاندي لا تقترب منا. نحن مجذومون"!

استمر غاندي في تقدمه نحوهم. وحين وقف أمامهم، فوجئ بالبعض وقد فقد أصابعه أو شعره في ما بدا أنه مرض ما، فسألهم عن العلاج الذي يتلقونه، فأجابوا أنهم يعالجون أنفسهم بالنيم (النيم شجرة معروفة باستخداماتها الطبية).

وصُدِم غاندي حين سألهم عما إذا كانت حالتهم تتحسن، إذ نظروا لبعضهم وقالوا في نفس واحد: "لا. نحن نموت ببطء".

في هذه اللحظة، قرر غاندي أن يساعد المصابين بهذا المرض الغامض. طلب منهم أن يتوجهوا إلى بيته، لكن خوفاً من النبذ والطرد من الشارع حال دون توجههم إلى منزله خلال النهار فذهبوا ليلاً، وفوجئوا بغاندي يفتح لهم وينظف جروحهم بنفسه واستمع لقصصهم الحياتية الدامية حيث نبذوا وعاشوا على نفايات الطعام والملابس المهلهلة في العراء البعيد.

تبنى غاندي قضية الجذام ومرضاه، لا سيما أن موطنه الهند كان مليئاً بالمصابين به، حتى بات اسمه مقترناً بالمرض ومحو وصمته والتوعية بحقيقته واعتبار المصابين به مرضى لا موصومين.

الجذام في الرعاية الصحية الأولية

وصمة الجذام لها أسباب عدة، أبرزها على الإطلاق هي التشوهات التي تصيب المريض حيث يتغير شكل الأطراف والجلد وقد تتفاقم حتى تتساقط أجزاء منها، إضافة إلى شكل العيون وقد يصل الحال بالمريض أن يفقد بصره. وربما تعود أيضاً إلى أسباب ثقافية ودينية إضافة إلى الخوف مما يجهل الإنسان، إذ يخشى كثيرون من تناقله والإصابة به بمجرد الاقتراب من محيط المريض، وهو ما يخلق حالة من الهلع الجماعي وربما يبدأ البعض في نسج الخرافات حول المرض والمرضى، ما يفسر أن تكون زيارة مرضى الجذام "مغامرة" محفوفة بالمخاطر ومكان علاجهم "مستعمرة" وليس مستشفى.

تميل المستشارة الإقليمية للأمراض المدارية المهملة في مكتب شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية "إمرو" سوبريا وارسافيذانا، إلى اعتبار مسألة "المستعمرة" أمراً منتهياً، بل ترى أن تخصيص مستشفيات منفصلة لعلاج مرضى الجذام أمراً لا داعي له، "فالتشخيص المبكر والعلاج قادران على مساعدة المرضى، كما أن هناك قواعد وسبلاً معروفة ومضمونة لوقاية الأشخاص المتعاملين معهم لعدم نقل عدواه إليهم، حيث يجب علينا ضم الجذام ضمن برامج الرعاية الصحية الأولية العادية. أما تخصيص مؤسسات ومستشفيات للتعامل مع المصابين يساعد في وصمهم".

انتقاله ليس سهلاً

ويظهر الجذام في صورة طفح أو عقدة جلدية. الأعراض الأولى قد تكون شعوراً بالتنميل أو الخدر في الجلد. لكن العلامة المميزة للإصابة بالجذام هي ظهور بقعة جلدية باهتة أو حمراء فاقدة للإحساس.

مسبب الجذام نوع من البكتيريا العضوية التي تؤثر في الجلد والأعصاب الطرفية والغشاء المخاطي المبطن للجهاز التنفسي والعيون. وفي حال عدم خضوع المريض للعلاج في مراحل الإصابة المبكرة فقد يتكور المرض ويؤدي إلى تلف دائم ومتزايد في الجلد والأعصاب والأطراف والعيون. بل وقد يصل الأمر إلى حدوث أنماط من الإعاقة الطرفية. وعلى رغم ذلك، يبقى الجذام مرضاً مزمناً لا ينتقل بسهولة من شخص لآخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسيلة الانتقال الأكثر احتمالاً هي نجاح قطرات الغشاء المخاطي لأنف المريض في الوصول إلى جلد أو غشاء الجهاز التنفسي لشخص آخر، لكن هذا لا يتحقق إلا بالملاصقة. أما الانتقال غير المباشر، فيظل أمراً بعيد الاحتمال. وعلى غير عادة الأمراض المعدية، فإن فترة حضانة الجذام تمتد لفترة طويلة تتراوح بين تسعة أشهر وسبع سنوات. وقد تمتد الفترة إلى 20 سنة!

عصية على التغيير

لكن مئات السنوات تظل عصية على تغيير الكثير من الأنماط الفكرية السائدة والواقعة تحت وطأة الوصمة والتمييز. وتقول مستشارة الأمراض المدارية المهملة في "إمرو" واروسافيذانا لـ"اندبندنت عربية" إن الوصمة والتمييز ضد المصابين بالجذام قديمان قدم التاريخ المدون"، وتضيف أن ما يمكن عمله لا سيما في مناسبة اليوم العالمي لمرضى الجذام هو اتباع تعليمات وإرشادات إنهاء الوصمة ضد مرضى الجذام وأسرهم، وذلك عن طريق إدماج المؤسسات والشبكات التي تعمل لصالح هؤلاء المرضى في المجتمع، وتعديل القوانين الخاصة بالتمييز، مع تشجيع العمل على مواجهة الوصمة في المجتمعات، وتوفير وتيسير وصول الأشخاص المصابين وأسرهم إلى هيئات وجمعيات الدعم المجتمعي وإعادة التأهيل.

ويشار إلى أن صعوبة أو حتى استحالة الاكتشاف المبكر للجذام أحياناً إضافة إلى عدم القدرة على الحصول على العلاج أحياناً، جميعها يفاقم من حجم المشكلة، ويقف حائلاً دون تمتع مرضى الجذام بحقهم البديهي في حياة طبيعية في مجتمعاتهم من دون أن يواجهوا قيود التنقل والعمل والتعليم والمأكل والمشرب والسكن والحلم والخوف والأمل والتشخيص السليم.

الكلمة لا تكفي للتعبير

"جذام! لم تكن الكلمة تشخيصاً بقدر ما جاءت إعلاناً بالهلاك. انهارت أحلامي وطموحاتي ومستقبلي بأكمله أمامي في لحظة. إحساس رهيب بفراغ بارد فظيع. فالجذام لم يكن مجرد مرض، بل وصمة عار، وعقاب من السماء على خطيئة بشعة. ماذا فعلت كي ينزل الله غضباً بهذه البشاعة على رأسي؟".

كلمات الأميركي سيدني موريس ليفايسون الذي تم تشخيص إصابته بمرض الجذام في عام 1931، تشي بالكثير عن هذا المرض وأزمة من يصاب به. حين علم ليفايسون بمرضه انتقل للعيش في مدينة أخرى لا يعرفه فيها أحد، وغير اسمه إلى ستانلي ستاين، وهو أمر كان يلجأ إليه المصابون بالجذام لعدم جذب الانتباه. كما أسس ستاين جريدة "ذا ستار" في عام 1941، ثم فقد بصره بالكامل بسبب المرض بعدها بأربعة أعوام.

سخر ستاين "ذا ستار" لتناول قضايا تتعلق بالجذام وتغيير الصورة النمطية ومحو الوصمة المرتبطة بالمرض، حتى أن أغلب الموضوعات كان يكتبها المرضى بأنفسهم.

وتمضي كلمات ستاين شارحة نفسية مريض الجذام "على رغم رقة الطبيب وتفهمه للصدمة التي أصابتني وقت أخبرني بإصابتي بالمرض، إلا أنني تركت عيادته وأنا على يقين بأن حياتي قد انتهت. كل الخرافات والقصص المرعبة التي سمعتها وقرأتها عن الجذام سيطرت على تفكيري. تذكرت الرسوم التي تمثل المريض وهو يحمل جرساً لينتبه الناس إلى قدومه ويتفرقوا حتى لا يصابوا بالمرض. يشار إلى أن مرضى الجذام في العصور الوسطى في أوروبا كان يتحتم عليهم السير بجرس لتنبيه الناس قبل قدومهم.

ربط بمعتقدات دينية

وقد تم ربط المرض في ثقافات مختلفة بمعتقدات دينية، فاعتبره البعض بلاء من السماء لاقتراف المريض خطايا، أو ابتلاء أيضاً للمريض المؤمن.

تناول المرض درامياً

"يوم الدين" هو فيلم مصري تناول مرض الجذام قبل عامين، للمؤلف والمخرج أبو بكر شوقي. الفيلم لعب دور البطولة فيه مرضى جذام حقيقيون، ودارت القصة حول "بشاي" المصري الذي شفي من المرض لكنه استمر في العيش في داخل "مستعمرة الجذام" لأن جسده يحمل آثاره. وحين تموت زوجته، يقرر أن يخرج من المستعمرة - وهي المكان الوحيد الذي يعرفه - ليبحث عن أصله ومن تبقى من أهله. يصطحبه في رحلته طفل نوبي صغير اسمه "أوباما".

وحصل الفيلم – الذي يعد العمل الروائي العربي الوحيد حول القضية ـ على إشادات محلية وعالمية واسعة، بل إنه شارك في مهرجان "كان" السينمائي منافساً على السعفة الذهبية في عام 2018.

فيلم واحد نجح في جذب انتباه الملايين لمرض مهمل يظن البعض أنه لم يعد موجوداً. حيث تشير وارسافيذانا أن المرض لم يختف، فهو موجود في ما يزيد على 120 دولة في العالم، ويتم الإبلاغ عن آلاف الحالات كل عام يتركز أغلبها في آسيا وأفريقيا، وذلك يعود لأسباب تتعلق بالرعاية الصحية غير الجيدة وشيوع الوصمة والتمييز المرتبطين بالجذام وهو ما يؤدي إلى تأخر الإبلاغ عن الإصابة أو السعي للحصول على علاج. إنها دائرة مفرغة. فكلما بدأ العلاج مبكراً، كلما كانت النتائج أفضل. ويشار إلى أن منظمة الصحة العالمية توفر العلاج مجاناً للمصابين في كل دول العالم، وذلك بفضل منحة من شركة أدوية.

وتنبه وارسافيذانا إلى أن وجود جراحات تصحيحية تساعد في استعادة وظائف الأنسجة وشكلها الطبيعي، ومن ثم تصحيح التشوهات. كما يخضع المريض للعلاج الطبيعي للحفاظ على الحركة وتقوية العضلات المصابة.

لا داعي للعزل

وتؤكد وارسافيذانا أنه لا يوجد داع لعزل مرضى الجذام، إذ إن غالبية المرضى لا تنقل العدوى للآخرين، إضافة إلى وجود دلائل طبية على أن العدوى تتوقف بعد تناول الجرعة الأولى من العلاج. وتنذر من أن العزل يغذي الوصم والتمييز، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الإحجام عن الإبلاغ وطلب العلاج.

وعلى رغم أن الاحتفاء باليوم العالمي لمرضى الجذام يتزامن والحدث العالمي المتمثل في استمرار وباء كوفيد-19 للعام الثاني على التوالي، إلا أن المرضين لا يتقاطعان أو يتعارضان، على الأقل حتى اللحظة.

وتضيف وارسافيذانا أنه لا يوجد ما يشير إلى أن كوفيد-19 سيؤثر بطريقة مباشرة في زيادة عدد حالات مرضى الجذام، إلا أن الوباء أثر بطريقة مباشرة على تشخيص وعلاج وإدارة الإعاقات الناتجة من الجذام. وتشير: "يواجه الناس في أغلب دول العالم مشكلة عدم التمكن من الحصول على الرعاية الصحية، بسبب الإغلاقات والضغوط الكبيرة على الخدمات الطبية. إضافة إلى المناشدات بعدم توجه من لا يعانون من أمراض تتعلق بكوفيد-19 إلى أماكن الخدمات الصحية".

إن هدف منظمة الصحة العالمية هو إعلان القضاء على الجذام تماماً مع قدوم عام 2030 ليفاخر الكوكب بأنه بلا جذام أو عدوى أو إعاقة أو وصمة أو تمييز تتعلق به. وإذا كان نحو 15 مليون مريض بالجذام في العالم قد تم تشخيصهم وعلاجهم وشفاؤهم بين عامي 1985 و2008، فإن الوصول إلى عالم بلا جذام ليس حلماً بعيد المنال، في حال سمح كوفيد-19 بذلك.

رسالة اليوم العالمي

الرسالة التي توجهها مستشارة "إمرو" للأمراض المدارية المهملة سوبريا وارسافيذانا في اليوم العالمي لمرضى الجذام هي أن "على أي شخص يشك بأن لديه أعراضاً للجذام أن يسعى للحصول على التشخيص والعلاج. وعلى المرضى الذين يتلقون علاجهم أن يمضوا قدماً فيه حتى لو أصيبوا بكوفيد-19، إلا لو نصحهم الطبيب المعالج بغير ذلك".

وتضيف: "رسالتنا في اليوم العالمي هذا العام هي: اهزموا الجذام. الجذام يمكن علاجه. ولنتشارك جميعاً في محاربة الوصمة المرتبطة بهذا المرض والعمل على تحقيق الصحة النفسية والعقلية لكل من أصيب بالجذام أو أي من الأمراض المدارية المهملة".

يشار إلى أن الأمراض المدارية المهملة تشمل 20 مرضاً وفئة من الأمراض البكتيرية والفيروسية والطفيلية والفطرية غير السارية التي تؤثر بشكل غير متناسب على المجموعات السكانية التي تعاني الفقر، وأغلبهم يعيشون في المناطق المدارية ودون المدارية.