Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا يستخدم الرؤساء الأميركيون الأوامر التنفيذية طوال الوقت؟

تبدو مثل قانون فوري وترتبط بتغيير في السياسات وكثيرا ما تثير الجدل

وقع الرئيس الأميركي جو بايدن تسعة أوامر تنفيذية يوم توليه السلطة (أ ف ب)

بعد ساعات فقط من أداء القسم، وقع الرئيس الأميركي جو بايدن تسعة أوامر تنفيذية متجاوزاً بذلك أي رئيس أميركي آخر في العصر الحديث يوم توليه السلطة، وما زال بايدن يصدر كل يوم أوامر تنفيذية جديدة تتعلق بالهجرة والمناخ والبيئة ومواجهة وباء كورونا والعودة للمنظمات الدولية وغيرها من ملفات مُلحة، فما الأوامر التنفيذية، ولماذا يلجأ إليها الرؤساء في الولايات المتحدة غالباً في بداية حكمهم لكنهم لا يستخدمونها طوال الوقت، وما القيود المفروضة عليها، وكيف استخدمها الرؤساء السابقون؟

تُعد الأوامر التنفيذية أكثر الوثائق الرئاسية شيوعاً في الحكومة الأميركية، فقد استخدمها جميع الرؤساء، وبلغ إجمالي عددها منذ تولي جورج واشنطن منصبه كأول رئيس للبلاد عام 1789 حتى الآن 13 ألفاً و732 أمراً تنفيذياً، لكن التقارير الإعلامية نادراً ما توضح طبيعتها أو حدودها، وتشير إليها باعتبارها قوانين فورية تصدرها السلطة التنفيذية وليست التشريعية، أو باعتبارها مثيرة للجدل وخصوصاً عندما تغير من السياسات القائمة أو تلغي أوامر تنفيذية أصدرها رئيس سابق، فلماذا تكتسب الأوامر التنفيذية هذه الأهمية؟

ما الأمر التنفيذي؟

الأمر التنفيذي هو تعليمات مكتوبة يستخدمها الرؤساء بعد توقيعها وترقيمها ونشرها من أجل تنفيذ إرادتهم للعمل بها في الفرع التنفيذي للحكم، وعلى الرغم من وجود أشكال عدة للوثائق الرئاسية مثل الإشعارات والخطابات والرسائل والإعلانات والمذكرات الرئاسية، فإن أشهرها الأوامر التنفيذية.

وتُوجِه هذه الأشكال الوكالات الفيدرالية والمسؤولين الحكوميين بالإجراءات التي ينبغي تنفيذها، والفرق الرئيس بينها أن القانون الفيدرالي يتطلب نشر الأوامر التنفيذية والإعلانات الرئاسية ذات التطبيق العام والأثر القانوني في "السجل الفيدرالي"، وهي الجريدة اليومية للحكومة الفيدرالية التي تُعنى بنشرها لإعلام الجمهور باللوائح والإجراءات الفيدرالية، غير أن  نشر أي توجيهات غير الأوامر التنفيذية والإعلانات الرئاسية تعود إلى تقدير الرئيس.

وعلاوة على ذلك، يُصنف الأرشيف الوطني الأميركي الأوامر التنفيذية والإعلانات الرئاسية كوثائق رسمية تصدرها الحكومة الفيدرالية كونها تتمتع بقوة القانون، مثل اللوائح الصادرة عن الوكالات الفيدرالية، لذلك تُدون بموجب قانون اللوائح الفيدرالية.

هل من تعارض مع الدستور؟

على الرغم من أن الدستور الأميركي ينص بوضوح على أدوات حكم رئاسية مألوفة مثل حق النقض ضد تشريعات الكونغرس، والتعيينات لآلاف الوظائف الحكومية العليا، فإن السلطة التنفيذية الحقيقية للرؤساء تُكتسب من بين سطور الدستور، حيث يفسر الرؤساء منذ فترة طويلة بنود المادة الثانية من الدستور لصالح ممارستهم حق إصدار أوامر تنفيذية، إذ تشير هذه المادة إلى منح الرئيس السلطة الكاملة لفرض القانون من خلال السلطة التنفيذية، بأي وسيلة ضرورية، وأن السلطة التنفيذية يجب أن تناط برئيس يحرص على تنفيذ القوانين بأمانة. 

وعندما يمارس الرئيس إحدى هذه المسؤوليات الدستورية بشكل قانوني، يتفق أساتذة القانون وفقهاء الدستور عموماً على أن نطاق سلطته في إصدار الأوامر التنفيذية والتوجيهات الأخرى واسع بشكل كبير.

وهكذا أصبحت الأوامر التنفيذية مثل إجراءات أحادية الجانب تمنح الرؤساء مزايا عدة، تسمح لهم بالتحرك أولاً والعمل بمفردهم في صنع السياسات خارج عملية سن القوانين العادية في الكونغرس.

لكن الأوامر التنفيذية ليست تشريعات، حيث إنها لا تحتاج إلى موافقة من الكونغرس، ولا يمكن للكونغرس أن يوقفها أو يبطلها ببساطة، ولكن يجوز للكونغرس إقرار تشريع قد يجعل من الصعب أو حتى المستحيل، تنفيذ الأمر التنفيذي من خلال إلغاء التمويل المخصص لتسيير الأمر التنفيذي، ولا يجوز  إلغاء أمر تنفيذي قائم إلا من خلال إصدار الرئيس الحالي أمراً تنفيذياً آخر يلغي أو يعدل الأمر التنفيذي السابق.

نطاق الاستخدام

واستخدم الرؤساء الأوامر التنفيذية في كل شيء تقريباً، بدءاً من السياسات الفيدرالية الروتينية في مكان العمل، وانتهاء بحظر السفر المثير للجدل الذي أصدره الرئيس السابق دونالد ترمب عام 2017 لتقييد الدخول إلى الولايات المتحدة، والذي ألغاه الرئيس الحالي جو بايدن قبل أيام. كما استُخدمت الأوامر التنفيذية في إدارة الأراضي العامة والاقتصاد والخدمة المدنية وفي معالجة قضايا المقاولين الفيدراليين، وفي التعامل مع الأزمات المختلفة مثل وضع الرهائن في إيران ووباء كوفيد-19.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن غالباً ما يلجأ الرؤساء لاستخدام الأوامر التنفيذية من أجل الإسراع بتنفيذ أجندتهم السياسية التي تعهدوا أمام ناخبيهم بتطبيقها على وجه السرعة، وهو ما يفعله حالياً بايدن في قضايا الهجرة والبيئة والمناخ، وعادة ما يترافق ذلك مع إنشاء فرق عمل أو إطلاق مبادرات سياسية.

قيود المحاكم

وعلى الرغم من كون الأوامر التنفيذية تمثل أدوات سياسية قوية بيد الرؤساء وحدهم، فإن الرؤساء لا يصدرون دائماً أوامر تنفيذية لأنها تترافق مع قيود جدية قوية، إذ إنها قد لا تكون أحادية الجانب كما يبدو من الوهلة الأولى، حيث تتضمن صياغة الأمر التنفيذي عمليات مساومة ومفاوضات مع وكالات فيدرالية مختلفة حول فحواه ما يستغرق وقتاً طويلاً.

ومن جانب آخر، تواجه الأوامر التنفيذية خطر التعطيل أو الإلغاء من المحاكم الفيدرالية الأميركية إذا صدرت بشكل يتعارض مع القوانين أو الدستور، وهو ما جرى، أخيراً، عندما عطل قاض فيدرالي بشكل مؤقت أمراً تنفيذياً أصدره بايدن بوقف إبعاد المهاجرين غير الشرعيين خارج البلاد، كما واجه حظر السفر الذي أصدره ترمب تحديات قانونية عدة قبل كتابته بطريقة ترضي المحكمة، في حين لم يتعرض العديد من أوامره الأولية للتدقيق القانوني، لأن إدارته طلبت من الوكالات الفيدرالية العمل ضمن سلطتها الحالية لتغيير السياسات المهمة مثل الرعاية الصحية والهجرة.

عوائق الكونغرس

ويشكل الكونغرس عائقاً مهماً آخر، ففي حين أنه يمنح الرؤساء السلطة القانونية لتحديد السياسة في مجال ما، إلا أنه بوسع الكونغرس ردع الرؤساء ومنعهم من إصدار أوامر تنفيذية بشأن قضايا معينة، وإذا أصدر الرئيس الأمر على خلاف رغبة الكونغرس، يمكن للمحاكم إلغاؤه، كما يمكن للمشرعين في الكونغرس معاقبة الرؤساء بسبب إصدارهم أوامر تنفيذية يختلفون معها، عن طريق تخريب أجنداتهم التشريعية والاعتراض على تولي مرشحيهم مناصب حكومية أو عبر وقف تمويل برامجهم.

وحتى عندما يكون الكونغرس في حال استقطاب سياسي أو حزبي، يظل بإمكانه إيجاد الطرق الكفيلة لمعاقبة رئيس أصدر أمراً تنفيذياً لا يرضى عنه الكونغرس، فعلى سبيل المثال، يمكن للجان الكونغرس عقد جلسات استماع أو إجراء تحقيق مع قيادات إدارة الرئيس، وكلاهما يمكن أن يقللا من نسبة الموافقة الشعبية على الرئيس.

وفي ظل الوضع الاستقطابي الذي شهده أكثر من كونغرس خلال السنوات الماضية، تصبح إمكانية فرض قيود على الإدارات الحكومية المتعارضة أيديولوجياً أكثر حظاً، ولهذا السبب يرى باحثون قانونيون أن الرؤساء المعاصرين يصدرون أوامر تنفيذية أقل في ظل نظم الحكم المنقسمة، على عكس ما تشيعه وسائل الإعلام التي تقدم الأوامر التنفيذية على أنها طريقة من الرئيس للتحايل على الكونغرس.

إبطال الأوامر السابقة

ولا تعد الأوامر التنفيذية الكلمة الأخيرة في السياسة إذ يمكن إبطالها بسهولة من الرؤساء الجدد، لا سيما تلك الصادرة عن المعارضين السياسيين، وعلى سبيل المثال ألغى بايدن بسرعة أوامر ترمب التنفيذية التي استبعدت المهاجرين غير الشرعيين من التعداد السكاني في الولايات المتحدة، تماماً مثلما ألغى ترمب 15 من أوامر الرئيس السابق باراك أوباما التنفيذية، كما ألغى أوباما عشرة من أوامر جورج دبليو بوش، وبالمثل ألغى بوش الابن 25 من أوامر الرئيس السابق بيل كلينتون، والذي بدوره ألغى 21 من أوامر سلفه جورج بوش الأب.

نظرة تاريخية

أصدر كل رئيس أميركي أوامر تنفيذية منذ أن استخدمت بشكل منهجي للمرة الأولى عام 1905، غير أنه مع مرور الوقت أصبح الرؤساء المعاصرون أقل ميلاً لاستخدام الأوامر التنفيذية، حيث بلغ متوسط استخدامهم السنوي لها 59 مقارنة بنظرائهم قبل الحرب العالمية الثانية، الذين كان متوسط استخدامهم للأوامر التنفيذية 314 في العام، وعلى سبيل المثال وقع أوباما على أوامر تنفيذية بلغ متوسطها 35 أمراً في السنة، كما بلغ متوسط الأوامر التنفيذية التي وقعها ترمب سنوياً 55 أمراً.

في المقابل، أصدر الرؤساء السابقون خلال القرنين الماضيين أرقاماً قياسية من الأوامر التنفيذية، فقد أصدر ثيودور روزفلت 1081 أمراً، بينما أصدر وودرو ويلسون 1803 أوامر تنفيذية، وكالفن كوليدج 1203 أوامر، وهيربرت هوفر 968 أمراً، وهاري ترومان 907 أوامر تنفيذية، في حين يحتفظ صاحب الرقم القياسي حتى الآن بأعلى رقم الرئيس فرانكلين روزفلت الذي أصدر 3721 أمراً تنفيذياً، ألغت المحكمة العليا خمسة منها عام 1935.

مستقبل الأوامر التنفيذية

لا يتوقع كثير من المراقبين تغييراً مهماً في طبيعة استخدام هذه الأوامر في حقبة ما بعد ترمب، فكما وعد بايدن، ألغى بالفعل العديد من أوامر ترمب التنفيذية وأصدر أوامر جديدة بشأن بعض بنود أجندته الواسعة، ومن المتوقع أن يصدر على الأرجح المزيد من الأوامر التنفيذية حتى نهاية يناير (كانون الثاني) الحالي.

وعلى الرغم من أن بايدن يرافقه مجلسا نواب وشيوخ يسيطر عليهما حزبه الديمقراطي، فإن الأغلبية التي يتمتع بها الحزب في المجلسين ضئيلة للغاية، وقد يحبط المنشقون من الحزب أجندته، ولهذا قد يستخدم بايدن كل السلطات القانونية المتاحة لديه لتحويل أهدافه إلى سياسة حكومية من جانب واحد.

ولكن إذا وصل الجمهوريون إلى البيت الأبيض بعد أربع سنوات من الآن مرة أخرى، قد يبطل الرئيس المقبل أوامر بايدن التنفيذية بجرة قلم.