Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طرابلس اللبنانية تستفيق على قتيل وعشرات المصابين بعد الاشتباكات الليلية

يعتمد الجيش سياسة الاحتواء وعدم التصادم مع المتظاهرين إلا في الحالات القصوى

توفي شاب اليوم الخميس متأثراً بإصابة حرجة ليل امس خلال المواجهات التي شهدتها مدينة طرابلس في شمال لبنان بين محتجين على قرار الإغلاق العام وسط الانهيار الاقتصادي وقوات الأمن، وفق ما أفاد شقيقه لوكالة الصحافة الفرنسية.
وأكد أحمد طيبا، وفاة شقيقه عمر (29 عاماً) في المستشفى صباح اليوم على خلفية إصابته ليلاً. وقال باقتضاب عبر الهاتف "نعدّ لدفنه الآن"، موضحاً "لم يكن عمر في عداد المتظاهرين بل كان يتابع ما يجري".
وأوردت الوكالة الوطنية للاعلام أنه سيُصلى على جثمانه عقب صلاة الظهر في مدافن باب التبانة.
ويعمل عمر في فرن في طرابلس. وهو من سكان أحد الأحياء الشعبية الفقيرة في المدينة التي شهدت ليل الأربعاء الخميس مواجهات عنيفة لليوم الثالث على التوالي، أوقعت 226 جريحاً، وفق الوكالة الوطنية للاعلام.
وشهدت ساحات طرابلس ليل الأربعاء مواجهات عنيفة، بدأت بإطلاق محتجين حجارة ومفرقعات نارية على قوات الأمن، التي تعرّضت كذلك لقنابل مولوتوف. وحاول المتظاهرون اقتحام سراي طرابلس التي تعد المركز الأمني والإداري الأبرز في المدينة ومقر للشرطة.
وردّت قوات الأمن باطلاق الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع. وعمل الجيش على إبعاد المتظاهرين. كذلك سُمع دوي إطلاق رصاص حي مجهول المصدر ليلاً في المدينة.
وقال محمّد (25 عاماً)، وهو متظاهر ملثّم فقد عمله مؤخراً في مجال تصليح السيارات، "اتخذنا قراراً بمواصلة تحركاتنا مهما كلّف الثمن (...) لأنّه لم يبق لنا ما نخسره في البلد".
وأضاف "نعيش في ظروف بائسة، لم أترك باباً إلا طرقته لكنّني لم أجد فرصة عمل تؤمّن قوتنا اليومي".
وطرابلس، ثانية كبرى مدن لبنان كانت أصلاً إحدى أفقر مدن البلاد، قبل بدء الانهيار الاقتصادي.
وتفاقم إجراءات الإغلاق من الوضع الاقتصادي المتدهور في لبنان، حيث يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر ويشكل المياومون أكثر من نصف اليد العاملة، في غياب أي تقديمات طبية أو اجتماعية ودعم فعلي من السلطات.

وتفاقمت الاشتباكات بعد قيام القوى الامنية باطلاق الرصاص المطاطي نحو متظاهرين عمدوا الى رمي قنابل مولوتوف باتجاه مدخل شعبة المعلومات (استخبارات قوى الأمن الداخلي)، ما أدى الى اصابة 3 ضباط و 9 عناصر، اثنان منهم بحالة حرجة. وتضامناً مع الاحتجاجات شمال لبنان، قطع عدد من الطرق في مختلف المناطق.

وفي حركة تصاعدية، تسير التحركات الاحتجاجية في طرابلس اللبنانية، منذرةً بعودة الصدامات إلى الشارع. لم تأتِ عودة الناس إلى الاحتجاج من عدم، ولم تكُن غير متوقعة.

فمنذ فترة، ساد شعور في لبنان أن البلاد قد تنحدر إلى موجة عنف جديدة وواسعة النطاق. ظنّ البعض أن رفع الدعم هو ما سيفجر الشارع، فإذا بها تندلع في الوقت الضائع بين فراغين، وفي لحظة استعرت فيها الخلافات السياسية بين التيارين الشريكين في التسوية الرئاسية أي العوني والمستقبل.

استعادت طرابلس مع هذه الاحتجاجات حيزها الخاص في التغطية الإعلامية، إلا أن الخوف يبقى قائماً لما يتم ترتيبه لهذه المدينة التي أُلصقت بها في يوم من الأيام صفة "قندهار"، وتحولت إلى صندوق بريد لتصفية حسابات المحاور الإقليمية إبان الصدامات الأهلية بين جبل محسن وباب التبانة.

وأكد الجيش في بيان أن عدد الإصابات بين العناصر العسكرية بلغ 31 جريحاً، فيما أوقف 5 أشخاص.

الجيش يتدخل

خلال الأيام الماضية، اعتمد الجيش اللبناني سياسة الاحتواء، وعدم التصادم مع المحتجين إلا في الحالات القصوى. وكان يدفعهم باستمرار نحو الأحياء الداخلية. وفي جولة ميدانية داخل الأحياء التي شهدت اشتباكات، تظهر آثار الصدامات، من مقذوفات القنابل الدخانية، إلى آثار ناقلات الجند، وأكوام الحجارة، وبقايا الإطارات المحترقة. 

تؤكد مصادر عسكرية لـ "اندبندنت عربية" أنه من المبكر الحديث عن طبيعة الحراك في طرابلس، وأن المؤسسة العسكرية تنتظر تطوّر الأوضاع لتبني موقفها. وتشير المصادر إلى أنها تتعامل مع التحركات من مبدأ "حسن النية، وأنها عفوية مع وجود مشاغبين بين المتظاهرين".

ساحات الأكشن

ليلة ثالثة من "الأكشن" تعيشها مدينة طرابلس عاصمة لبنان الشمالي، فما إن يحل المساء حتى تبدأ المناوشات بين القوى الأمنية والشبان الذين تجمعوا من كل حدب وصوب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في ساحة الاشتباكات يغلب حضور الشبان الذكور، مطعمين بعدد كبير من الأطفال الذين نضجوا قبل حينهم. ويركز الشبان جام غضبهم على السرايا التي تتضمن مراكز المؤسسات الحكومية في المدينة.

وفي ما يشبه لعبة "التنس" يتبادل اللاعبون المقذوفات، من هنا يُطلق الشبان حجارتهم، فيما تُركز القوى الأمنية المتمثلة بالجيش جهودها على دفع المحتجين نحو قلب المدينة وتشتيت تجمعاتهم.

خلال الليالي الماضية، استخدمت قوى "مكافحة الشغب" مزيجاً من الرصاص المطاطي، والقنابل المسيّلة للدموع التي ملأ دُخانها الشوارع الداخلية المتفرعة من ساحة النور. فيما عمد الشبان إلى إشعال الإطارات، وتحطيم بعض الأشجار، وحجارة الأرصفة.  

فقير بمواجهة فقير

من بين الصور التي تلفت النظر في الاحتجاجات العنيفة، تلك الصرخات التي ترتفع بها حناجر بعض الشبان المحتجين. يُطالب أحدهم العسكر بعدم مواجهة إخوانهم، وأهلهم لأن "راتب العسكري لا يكفيه لتأمين احتياجاته الأساسية"، وكذلك "العسكري الفقير يحمي سارقه".

في المقابل، يتحفظ تيار عريض من أهالي المدينة على الصدامات بين الجيش والمحتجين، لأنهم ينظرون إلى المؤسسة العسكرية كملاذ أخير للأمن في البلاد.

ولا يتوانى البعض عن التعبير عن ذلك، إذ يؤكد أبو جهاد النمري، "أنا ثائر، ولكنني أرفض الصدامات مع الجيش اللبناني"، مستغرباً الإصرار على مهاجمة السرايا ومحاولة إحراقها، لأنها تتضمن جميع قيود وبيانات أهالي المدينة، ولن يعود ذلك بالنفع على أحد.

ويتحدث النمري عن حالة من الضيق يعيشها الناس، فهم وصلوا إلى مرحلة من اليأس. ينطلق أبو جهاد من تجربته الشخصية، فهو أب لستة أولاد، يعمل في بيع القهوة، ولديه طفلان يحتاجان علاجاً لمرض القلب، ليجزم أن أهالي المدينة والعمال المياومين غير قادرين على الالتزام بمندرجات الإقفال العام.  

ويتوقع النمري أن تزداد نقمة الناس لأن "الجوع عمّ وانتشر"، ولم يعد بالإمكان الاستمرار بالوضع على ما هو عليه، لم يعُد يكفي الدخل لتأمين عشاء للعائلة، فالبطون "لم تعُد تشبع، ونعيش على القطارة".

الفيروس حاضر دائماً

مما لا شك فيه، أن التجمعات الشعبية تحفز فيروس كورونا على الانتشار والحركة بين الناس، لكن هناك فيروساً (لقب لشاب اسمه محمد) آخر حاضرٌ في الساحة.

يتنقل الشاب البالغ من العمر 19 سنة ليحفز رفاقه على البقاء في الشارع. يسخر ابن الميناء من فكرة أن "الشبان يتلقون أوامر من جهات معينة".

ويلفت أنه كان واحداً من مجموعة مؤلفة من 12 شاباً، كانوا يبيتون في ساحة الشهداء ويشاركون في جميع التحركات في العاصمة بيروت.

يشارك "فيروس" في الاحتجاجات العنيفة لأنه "لم يعد لديه شيء ليخسره"، فهو بعد أن نال شهادة البكالوريا، عجز عن تأمين مصاريف جامعته، لذلك توقفت مسيرته. يطمع فيروس بمغادرة لبنان في حال لم تُنتزع السلطة الحاكمة.

ويُبرّر "فيروس" لجوء الشبان إلى العنف والصدام مع القوى الأمنية في بعض الأحيان لأنهم "يحمون الطبقة السياسية الفاسدة، ويقفون سداً بوجه الجائعين الناقمين". تحمّل الشاب الكثير من الوجع والتضييق بسبب مشاركته بالأعمال الثورية العنيفة، ولذلك فهو مصر على متابعة مشواره حتى النهاية.

أجيال عدة

على الرغم من طغيان الشباب في ساحة الاحتجاجات، إلا أن كبار السن لا يغيبون عنها. ويؤكد عبد السلام طالب (عسكري متقاعد) أنهم لم يخرجوا من الشارع حتى يعودوا، في حين يرفض طالب اتهام الشبان بالعنف والشغب لأنهم لم يقوموا بشيء خارج الإطار الاحتجاجي المشروع.

ويدعو إلى عودة الناس لملء الساحات من أجل تحقيق التغيير المنشود، جازماً أن هذه التحركات اعتيادية من أجل وضع حد للسياسات القائمة. ويضيف أن حضور عسكريين متقاعدين ضمن الساحة ضروري من أجل خفض حدة الصدام بين العسكر والمدنيين.

من جهته، يقول النحات عبد الرحمن محمد أن هدف هذه المعركة هو استعادة كرامة الشعب اللبناني، لأن السلطة الحاكمة لم تُعر أي اهتمام لأصوات الثائرين منذ انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

ويلفت إلى أن الساسة يتلهون في تقاسم الحصص، وتوزيع الحقائب الوزارية، فيما الناس جاعت، ولم يعُد بإمكانها تأمين احتياجاتها الأساسية.

ويعبر محمد عن غضبه من الحال التي وصل إليها لبنان، موضحاً أن كورونا شكلت حبل نجاة للطبقة السياسية في لبنان، لأن الخوف من الإصابة دفع عدداً كبيراً من الثائرين للخروج من الشارع.     

التنسيق قائم

مع انطلاق انتفاضة 17 أكتوبر، بدأت طرابلس تلعب دور البوصلة في الحراك الشعبي على مختلف الساحات. يلفت الناشط علي الشيخ إلى أن قضية المواطن اللبناني واحدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب لذلك، فهو لا يتأخر عن المشاركة في أي تظاهرة شعبية. ويتحدث عن ارتباط بين الهم المعيشي الطرابلسي والهم اللبناني العام، حيث أصبح المواطن يعيش العوز والفقر.  

ويشير إلى أنه سيعيّد الليلة عيد ميلاده الـ31 داخل الساحة، ولا يستبعد حصول صدامات لأن الثورة العميقة تحقق المطالب بطريقة سريعة.

يتضح أن مجموعة من العوامل اجتمعت لتسخين الساحة اللبنانية سياسياً وأمنياً، وجاء تمديد الإقفال العام ليضغط على الواقع الاقتصادي والمعيشي، حيث بات الناس بين خيارين الموت جوعاً أو على أبواب المستشفيات بسبب كورونا.

"العفو الدولية" تندّد باستخدام أسلحة لقمع التظاهرات

وفي الإطار ذاته، حثّت منظمة العفو الدولية باريس على تعليق تصدير أسلحة إلى بيروت ما لم تتعهّد باستخدامها بما يتماشى مع القانون الدولي، مؤكّدة أنّ أجهزة الأمن اللبنانية استخدمت أسلحة فرنسية الصنع لقمع متظاهرين سلميين.

وقال مسؤول كسب التأييد للحدّ من الأسلحة في الفرع الفرنسي لمنظمة العفو الدولية آيمريك إلوين في تقرير، إنّ "فرنسا لا تزال منذ سنوات تزوّد قوات الأمن اللبنانية بمعدّات إنفاذ القانون التي استخدمتها لارتكاب أو لتسهيل ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان".

ويحقق مختبر أدلّة الأزمات وهيئة التحقّق الرقمي في المنظمة من صحة 101 مقطع فيديو لاحتجاجات اندلعت صيف العام 2015 امتعاضاً من سوء إدارة أزمة النفايات في البلاد، وللتظاهرات غير المسبوقة التي شهدها لبنان بدءاً من 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 احتجاجاً على الانهيار الاقتصادي وفشل الطبقة السياسية في تسيير شؤون البلاد.

وتحدّثت المنظمة عن "دور مشين" أدّته الأسلحة الفرنسية. وأفادت عن إصابة "ما لا يقلّ عن ألف محتجّ بسبب استخدام القوة بشكل غير قانوني من جانب قوات الأمن اللبنانية التي استخدمت في كثير من الأحيان أسلحة إنفاذ القانون الفرنسية الصنع، من ضمنها المواد الكيماوية المهيّجة مثل الغاز المسيل للدموع، والمقذوفات ذات التأثير الحركي مثل الرصاص المطاطي، والقاذفات المتعلّقة بها".

وقال إلوين "يجب على السلطات الفرنسية أن تُبلّغ قوات الأمن اللبنانية أنها لن تستطيع استئناف الصادرات إلا إذا برهنت تلك القوات على أنّ هذه المعدات تُستخدم على نحو يتماشى مع القانون والمعايير الدولية بشأن استخدام القوة والحقّ في حرية التجمّع السلمي".

وأضاف أنّ "إحدى الطرق التي تبرهن على ذلك هي إثبات إجراء مساءلة كاملة على الانتهاكات الماضية، وتقديم تعويض كافٍ لضحايا الانتهاكات".

ووثّقت المنظمة إقدام قوات الأمن خلال العام 2020 على "إطلاق عبوات الغاز المسيل للدموع على المحتجّين مباشرة، وهذه ممارسة غير قانونية وخطرة للغاية، كذلك أطلقتها من عربة متحركة ما يجعل السيطرة على إطلاقها مستحيلاً". وتسبّب ذلك بـ"إصابات خطرة في الرأس، والجزء العلوي من الجسد في صفوف المحتجّين".

وندّدت المنظمة بعمل قوات الأمن اللبنانية "في أجواء الإفلات من العقاب". وأكّدت أنّه "لم يجر أيّ تحقيق فعّال في الاستخدام غير القانوني للأسلحة ومن بينها تلك المصنوعة في فرنسا، ضدّ المحتجين السلميين، ولم يخضع أيّ فرد من قوات الأمن للمساءلة من جانب السلطات القضائية".

المزيد من العالم العربي