Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حتى يوتكفيتش عجز عن تصوير لينين عاشقا على شاشته

الكبار لا يأكلون ولا ينامون فكيف يمكنهم أن يحبوا؟

لينين يخاطب جمهوره عام 1919 (غيتي)

يذكر كثر من متتبعي الحياة الثقافية العربية، ما لا يقل عن حكايتين اصطدم فيها مبدعون بالأوصياء على تلك الحياة، التي امتلأت بحكايات من النوع ذاته لا تزال تحول حتى الآن دون وصول سير بعض كبار رجال ونساء الحياة العربية العامة إلى صفحات الكتب وأكثر من ذلك إلى الشاشات، كبيرة كانت أم صغيرة. فهناك أولاً حكايات المخرج السوري أنور القوادري الذي حقق قبل عقود فيلماً عن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قام فيه خالد الصاوي بالدور، فإذا بالقيامة تقوم. لماذا؟ لمجرد أن القوادري جعل عبد الناصر يظهر مرتدياً منامته وقد أفاق من النوم على وقع حدث جلل. صرخوا: لا يجوز للرئيس أن يُصور على تلك الشاكلة! وهناك ثانياً حكاية الكاتبة غادة السمان التي شاءت مرة، للأمانة التاريخية، أن تنشر رسائل غرامية كان وجهها إليها زميلها الكاتب غسان كنفاني، وحين فعلت قامت عليها الأرض ولم تقعد. لماذا؟ لأن غسان كنفاني رمز وكاتب لا يمس، بالتالي لا يمكن "تعريته" عاطفياً بنشر رسائله المليئة بالوله!

لو كانوا أحياءً

السؤال هو، لو كان عبد الناصر حياً حين حُقق الفيلم عنه، هل كان من شأنه أن يحتج على المشهد؟ ولو كان كنفاني بيننا أفلم يكن ليطربه نشر تلك الرسائل؟ في الحالين كانت الصورة التي وصلت إلى الناس صورة إنسانية رقيقة. فهل ثمة من كائن مبدع خلاق يمكنه أن يرفض وصول تلك الصورة إلى الناس؟

مناسبة هذا الكلام، حديثنا هنا عن مخرج سينمائي سوفياتي كبير لم يكن منشقاً ولا معادياً ولا منتقداً لنظام بلاده، بل أمضى حياته وهو يحقق خدمة لذلك النظام، أعمالاً سينمائية كادت تكون دعائية خالصة، لو أنه لم يكن مبدعاً حقيقياً إلى جانب كونه مؤمناً بأفكار تجمعه بالأيديولوجيا السائدة في بلاده. هذا المخرج هو سيرغاي يوتكفيتش الذي أمضى حياته ملتصقاً بالنظام الحاكم في بلاده، ولم يشأ تعرية ذلك النظام حتى خلال أشد مراحله ستالينية. بل إنه بدلا من ذلك، كرس للحديث عن المؤسس الحقيقي للنظام، فلاديمير لينين، عدداً من الأفلام الروائية ربما يفوق ما كُرس لأي زعيم آخر في القرن العشرين. ودائماً من موقع التأييد بل "التصنيم" حتى، وذلك طوال عقود تلت رحيل لينين. لكن يوتكفيتش ظل على وفاق مع سلطات بلاده التي مولت له كل تلك الأفلام وروجت لها حتى في البرامج المدرسية أحياناً، حتى اليوم الذي حقق فيه فيلماً عن "لينين في باريس".

 

الرقابة تكشر عن أنيابها

هنا قامت الدنيا ولم تقعد. وكشرت رقابة بلاده عن أنيابها. لماذا؟ لسبب يشبه إلى حد كبير الحكايتين اللتين رويناهما أول هذا الكلام. فمن المعروف أن لينين حين أقام في باريس فترة وكان منفياً خلال السنوات الأولى من القرن العشرين (بين 1909 و1912)، أي قبل سنوات من عودته النهائية إلى موسكو وتزعمه الثورة البولشفية التي انتهت بتوطيد نظام شيوعي وتحويل روسيا إلى اتحاد سوفياتي، ارتبط بحكاية غرام مع ممثلة فرنسية هي إينيسا آرمان، شغلت أيامه ولياليه إلى درجة كان من المستحيل التغاضي عن حكايتها معه. ولكن بما أنه كان من غير الممكن تصوير لينين عاشقاً خلال أصعب فترات نضاله، ثارت مشكلة حقيقية إذ كانت الجمودية السوفياتية طاغية في عهد بريجنيف، حيث أن الفيلم حقق عام 1981، بالتالي رضي يوتكفيتش بتسوية تبدو اليوم بهلوانية إلى حد فظيع، نرى الممثلة (قامت الفرنسية كلود جاد بدورها في الفيلم) في جزء كبير من المشاهد ونشاهد لقاءات عديدة للينين معها. وخلال تلك اللقاءات نسمعهما يتناقشان في السياسة والفكر، لكننا لا نتلمس أي حوار عاطفي بينهما. بل على العكس نفهم أنها على علاقة مع شيوعي شاب يدعى تروقينوف! وهو أمر يتنافى في رأي الخبراء مع الواقع التاريخي، لكن يوتكفيتش كان مضطراً لإنقاذ فيلمه متذرعاً بأنه في نهاية الأمر يحقق فيلماً يتسم بالمرح ويكفيه أن يُري فيه الزعيم وهو يضحك حتى حين يكون منضماً إلى حلقة تضم إينيسا و"حبيبها" المزعوم. ترى أفلا يحق للسينما ما لا يحق لغيرها؟

 

حدود مضبوطة للتمرد

مهما يكن فإن يوتكفيتش كان منذ بداياته متمرداً على القوالب الجامدة، ومن هنا كان عليه، على الدوام، أن يخوض المعارك إثر المعارك في سبيل فرض آرائه ونظرته إلى السينما. صحيح أنه كان يحدث له أن يقدم التنازلات لسلطات ثقافية - سياسية تريد من الفن أن يكون في خدمة الدولة والحزب، لكنه وسط التنازلات عرف كيف يرفد سينما بلاده بأعمال حقق بعضها للسينما السوفياتية مكانة عالمية.
وفي هذا الإطار، لعل خير ما يوصف به يوتكفيتش، أنه كان خصباً متنوعاً، تجاور لديه ماياكوفسكي مع لينين، وشكسبير مع تشيخوف، كما تجاورت المدن، أنقرة وبراغ، باريس وموسكو، وعرف كيف ينهل من التاريخ ومن الزمن الحاضر. وهو غدا بعد رحيل ستالين من أوائل السينمائيين الذين انفتحوا على تجربة خروتشوف لدرجة أنه اختير لمرافقته في رحلته الباريسية الشهيرة، حيث حقق يوتكفيتش فيلماً عن تلك الرحلة التي خلالها استبدت الدهشة بالزعيم السوفياتي حين اكتشف أن السينمائي الذي يرافقه كان أكثر شهرة منه لدى الأوساط الفنية والثقافية الفرنسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فتى الثورة المتحمس

ولد سيرغاي يوتكفيتش العام 1904 في مدينة سانت بطرسبرغ، وكان لا يزال يافعاً حين فاجأته الثورة البولشفية فاستبدت به الحماسة لها، وانضم إليها من فوره مقتنعاً منخرطاً في الفن الثوري وهو ابن السادسة عشرة، وكان في الثامنة عشرة حين أسس مع السينمائيين الشابين كوزنتسيف وتراوبرغ، تجمعاً سينمائياً ثورياً قيض له أن يلعب دوراً كبيراً في نهضة الفنون السوفياتية عامة وهو الذي عرف باسم "فيكس".
في بداياته عمل يوتكفيتش مساعداً لايزنشتاين. أما عمله كمخرج سينمائي فبدأ في 1928 حين حقق أول أفلامه بعنوان "الدانتيلا" عن قصة أزعر أفّاق، تحول إلى عامل في مصنع. ولقد أتاح له نجاح ذلك الفيلم أن يحقق فيلماً تالياً هو "الحجاب الأسود" 1929 ليتبعه في 1931 بـ"جبال الذهب" الذي كان أول فيلم ناطق له، وفيه عالج من منظور سيكولوجي، سيظل عزيزاً عليه بعد ذلك، حكاية الفلاح الذي يصل إلى المدينة ليصبح بروليتارياً وهو يعتقد أن جبال الذهب هناك في انتظاره.
واقع وسيكولوجيا ومرح

في أفلامه التالية وحتى نهاية سنوات الثلاثين، واصل يوتكفيتش تحقيقه لأفلام تمتزج فيها الحكايات الواقعية مع التحليل السيكولوجي للمجتمع، مع شيء من خفة الظل، لا سيما في فيلم "رجل البندقية" 1938، الذي يتناول حياة لينين وشؤونه الخاصة. لقد كان لافتاً أن يقوم لينين في الفيلم بتصرفات تثير مرح وضحك المتفرجين، وتضفي عليه إنسانية أكيدة. وكان في وسع يوتكفيتش أن يواصل تلك الطريق لو لم يحل العام 1940 وتبدأ الصعوبات، إذ يدعو ستالين المثقفين والمبدعين إلى سلوك درب الجدية.
مع هذا واصل مخرجنا في 1943 أسلوبه المجدد في "المغامرات الجديدة للجندي الشجاع شفايك". وكانت تلك هي الفترة التي بدأت فيها كاميرا يوتكفيتش بتخطي الحدود حيث حقق فيلماً عن براغ، ثم فيلم "لينين في باريس" الذي عبّر فيه عن حب كبير لهذا البلد. وهذا الترحال سيواصله يوتكفيتش حتى يصل إلى ألبانيا في 1954 حين حقق فيلماً تاريخياً آخر بعنوان "اسكندر بيك"، لكنه خلال ذلك كله كان لا يكف عن إعلان رغبته في تحقيق فيلم حر مقتبس عن "أوتيلو" (عطيل) شكسبير، وهو ما أتيح له في 1956 مع موجة التحرر الخروتشيفية، فكان فيلمه الأكبر، وقد مثل دوره الرئيس بوندارتشوك وكتب موسيقاه آرام خاتشادوريان. وبعد "أوتيلو"، كان دور لينين حيث حقق يوتكفيتش فيلماً جديداً عنه بعنوان "ثلاث حكايات عن لينين". وهو سيتبعه بعد ذلك بفيلم آخر عنوانه "لينين في بولندا".
وبالتقاطع مع شرائطه العديدة عن لينين، حقق يوتكفيتش في أواخر سنواته فيلمين ارتبطا باسم ماياكوفسكي، أولهما فيلم رسوم متحركة عن نص "الحمامات" 1962. والثاني بعنوان "ماياكوفسكي يضحك" 1975. وكان هذا واحداً من آخر أعماله، هو الذي مات عام 1985 مكللاً بالمجد كواحد من الذين ربطوا السينما بالحرية وبحرية التعبير على الرغم من الضغوطات.

المزيد من ثقافة