Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا بقي سينمائياً من حراك "25 يناير" بعد 10 سنوات؟

3 أفلام أصبحت وثائق نادرة مع أن المشهد الكامل يظل مفقوداً

من فيلم "أمل " للمخرج محمد صيام (الخدمة الإعلامية للفيلم)

عشر سنوات مرت على أبرز حدث هزّ مصر في تاريخها الحديث: ثورة "25 يناير" التي أطاحت محمد حسني مبارك بعد ثلاثين سنة من الحكم. شهدت البلاد تطورات كثيرة من بعدها وقدّمت السينما المصرية أفلاماً عدة عن تلك الفترة، بعضها لم يُعرض داخل البلاد، لكن الصورة الكاملة تبقى مفقودة والمعطيات لفهم ماهية الحدث منقوصة. نسأل اليوم ماذا بقي على الشاشة من ثورة شعب تطوي عقدها الأول وسط أجواء مشحونة؟ في المقال الآتي، عودة إلى ثلاثة أفلام أضحت مع الزمن وثائق نادرة عن حدث نادر.

"الشتا اللي فات" لإبراهيم البطوط 

عُرض في العام 2012 في مهرجان البندقية السينمائي، أي بعد مرور نحو سنة ونصف على "25 يناير". كلّ لقطة في الفيلم مسكونة بالأمل والرغبة في إحداث هذا التغيير الذي لن يحصل. إنه مرافعة مؤيدة للثورة، محاكمة للظلم والاضطهاد. البطوط تحرّك بسرعة، مدركاً الأمور منذ البداية. انطلق التصوير في ميدان التحرير قبل يوم واحد من سقوط مبارك. يقع الفيلم بين لحظتين: "25 يناير" الذي يعتبره البطوط تاريخاً لن يتكرر في تاريخ مصر، ومطلع عام 2009. يتأرجح النص بحرص شديد على عدم إضاعة الخيط الفاصل بينهما. إلا أن ما يولّد صلة بين الحقبتين، هو ثنائية الجلاد والضحية المتمثلين بعمر (عمر واكد) ورجل المباحث في أمن الدولة (صلاح الحنفي). بالنسبة إلى بطوط، من الطبيعي العودة إلى الخلف قليلاً لتبرير غضب الشارع المصري، الذي يتجسّد في شخصية عمر وبعض الذين تطاردهم السلطات بسبب نشاطهم السياسي. عمر الذي لا يُخفى على أحد انتماؤه إلى طبقة ميسورة، لا يتصدى لـ"ليبيرالية" السلطة الحاكمة من منطلقات اقتصادية بل فكرية وإنسانية. 

 

بقية الحكاية معروفة: هناك عيون في كلّ مكان تراقب النشطاء، وعمر واحد من هؤلاء، فيصادَر من منزله في كل لحظة، سواء في زمن السلم أو في زمن يصل فيه غضب الشارع إلى أعلى مستوياته. لا ينظر البطوط إلى موضوعه كإشكالية، معتبراً ما حصل أمراً مسلَّماً به. لا يخوض مغامرة التفاصيل التي ستغرق فيها مصر في مرحلة الانتخابات، لأنه يعرف تماماً أنه ليس الوقت للمطالبة بأي شيء آخر سوى الفكاك من الذين يصادرون الحريات.

"اشتباك" لمحمد دياب

هذا الفيلم الذي افتتح قسم "نظرة ما" في مهرجان "كان" السينمائي في العام 2016 ليس تماماً عن الثورة، لكنه ليس منفصلاً عنها. يعود دياب إلى الأيام القليلة التي تلت سقوط محمد مرسي (صيف 2013)، قبل تولي عبدالفتاح السيسي رئاسة مصر. يفتتح الفيلم مع عدد من الأشخاص الموجودين في الاحتجاجات يُعتَقلون عشوائياً، بعد اتهامهم بالانتماء إلى جماعة "الإخوان المسلمين"، بينهم صحافيان. فالإخوان يعيشون غلياناً ويبحثون عن كلّ الطرق غير السلمية للتعبير عن سخطهم بعد الإطاحة برئيسهم. أحداث الفيلم كلها في شاحنة الاعتقال. مع الوقت، تصبح هذه المساحة الضيقة "ميكروكوزم" تناقَش فيها الأفكار بين المعتقلين. لكنها نصف نقاش. أما "القتال" الذي يحدث بينهم فهو ينتهي على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب". 

 

في العربة "إخوان" وسلفيون ومؤيدون للعسكر وآخرون من الذين لا ناقة لهم ولا جمل. اختار دياب شرائح مختلفة من المجتمع المصري بدافع التنوع والتوازن. هؤلاء كلهم سيدركون وهم في الشاحنة أنهم يواجهون عدواً واحداً ومصيرهم واحد. فجميعهم، أياً يكن انتماؤهم السياسي، ماضون بالشاحنة إلى الجهة المجهولة عينها، ما يستلزم أن يكونوا يداً واحدة في مواجهة الـ"عدو"، وهو عدو يتغير في الفيلم بين دقيقة وأخرى، ويتوقف على المكان الذي ننظر منه إليه، حتى إن العسكري الذي يقف في صفّ السلطة ويأتمر منها، يصبح في لحظة حليفاً ولا بدّ من التعاون معه. لا تلبث العربة أن تتحول استعارة للقوقعة المصرية وللسجن الذي بات الوطن على امتداد مساحته شبيهاً له. 

"أمل" لمحمد صيام

آخر الأفلام (حتى الآن) عن ثورة يناير هو أيضاً أعظمها. لا يمكن الحديث عن هذا الحدث من دون الإتيان على ذكر هذا العمل المرجعي الذي يُدرَّس. عمل مدهش من أول لحظة حتى جنريك النهاية. خال من أي خطأ على المستوى الفني. أقل ما يقال فيه إنه وثيقة للأجيال القادمة. سيبقى صدى "أمل" ماثلاً في وجدان جيل كامل من المصريين والعرب، ويمكن العودة إليه كجردة حساب نهائية، في كلّ مرة نودّ الانغماس في هذه الفترة الصعبة والمؤلمة.

يتعقّب الفيلم خطى مراهقة طوال خمس سنوات، بدءاً من 2011 حين كانت في الرابعة عشرة، حتى مرحلة أكثر نضجاً في حياتها. هذه الفتاة تُدعى أمل، اسم على مسمّى. إنها ابنة شرطي وسيدة تعمل في القضاء. أمل شخصية سينمائية تتوافر فيها الشروط التي تجعل منها كاراكتيراً يحمل كلّ تخبط الشباب المصري، آمالهم وأحلامهم التي تبددت مع فشل "25 يناير". الثورة هنا في خلفية المشهد، ليس تقليلاً من أهميتها، بل للمزيد من التركيز على تأثيرها المباشر وغير المباشر في حياة مَن تورط فيها، وفي هذه الحالة مراهقة تغرّد خارج السرب وتتحدى كلّ أنواع السلطات، العائلية والدينية والعسكرية، التي تحاول إقناع الناس بضرورة الانسحاب والاستسلام. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نظراً إلى عمرها، أمل في مرحلة تكوين، كحال البلاد، ولن تكون الفتاة نفسها في مراحل الفيلم كافة، وهذا ليس بتفصيل صغير. أضف إلى ذلك، ارتباط صراعها ليس بقضية عدالة فحسب، إنما بصراع هوياتي، صاغ كيانها وأكثر سنواتها حساسية. أمل كائن متبدّل في بلد يعيش أهم تغيير يحصل في تاريخه الحديث، لكن من سوء حظها ليس إلى الأفضل. لا شيء قبل الثورة سيكون كما بعدها، لأمل أو للبلاد. 

يتفادى الفيلم الشهادات الكلاسيكية التي تزخر بها الأفلام الوثائقية ويبتعد عن التدليس السياسي. لا تباكي فوق حطام الذاكرة، فقط محاولة لإدراك ما حصل، وكيف خُنق الأمل في قلوب الشعب. كله من خلال شخصية تمتاز ببراءة النظرة، وبرغبة جامحة في التغيير، شخصية هامشية تبدو أكثر وعياً وإصراراً وتمسكاً بمبادئها من الذين يكبرونها سناً وخبرة وتجربة. من هذا الهامش، يولد فيلم شديد الصدق تطلب سنوات عدة كي يخرج إلى النور. 

المزيد من سينما