Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل الرسام مهنا الدرة رائد الحداثة في الفن الأردني

درس في روما وعرف برسومه للوجوه وكان من أوائل الفنانين التجريديين

الرسام الأردني مهنا الدرة (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - فيسبوك الرسام)

غيب الموت الفنان الأردني الكبير مهنا الدرة عن عمر يناهز الثمانين بعد صراع مع المرض. ويعد الدرة واحداً من أبرز رواد حركة الفن الحديث في الأردن، واشتهر برسومه للوجوه، كما كان من أوائل الفنانين الأردنيين الذين اتجهو إلى الاختزال والتجريد في لوحاتهم. وخلافاً لذلك عَبَر الفنان الراحل خلال تجربته الطويلة على العديد من الممارسات والأساليب الحداثية المتنوعة، وكان لتجربته الفنية أثر بالغ في العديد من الفنانين الأردنيين ممن تتلمذوا على يديه على نحو مباشر، أو تأثروا بأعماله وآرائه الحداثية حول الفن وطبيعة الممارسة الفنية.

ولد الدرة في عمان عام 1938 وانغمس في الممارسة الفنية منذ طفولته حين أرسله والده وهو في التاسعة لدراسة الفن على يد أحد الفنانين الروس المقيمين في الأردن وقتها. وفي فترة شبابه المُبكر تتلمذ كذلك على يد الفنان الهولندي وليام هالوين، الأمر الذي انعكس على اهتمامه بتوظيف الضوء في أعماله التصويرية، وهي سمة للفن الهولندي والفلامنكي تحديداً. وبداية من عام 1954 بدأ الدرة مساره الأكاديمي بالالتحاق بأكاديمية روما للفنون الجميلة، حيث كرس نفسه لدراسة أعمال فناني عصر النهضة الإيطالي والباروك. وبعد عودته إلى عمان عمل الفنان كمدرس للرسم في المدارس الأردنية، وارتبط في تلك الفترة بعلاقة صداقة مع الفنان وعازف البيانو الإيطالي أرماندو بورن، وساعدته هذه العلاقة على فهم الصلة بين الموسيقى والتجريد البصري.

عاد مهنا الدرة إلى روما من جديد في بداية الستينيات من القرن الماضي ليلتحق بالعمل في السفارة الأردنية هناك، وليبدأ رحلة مهنية طويلة في المؤسسة الثقافية الأردنية شغل خلالها العديد من الوظائف المهمة، من بينها رئاسته دائرة الثقافة والفنون في عمان، وإدارة الشؤون الثقافية في جامعة الدول العربية. وقد ساهم الدرة خلال هذه الفترة في تأسيس البنية التحتية للفنون البصرية في الأردن. وفي وقت لم يكن أمام الجيل الصاعد من الشباب الأردنيين سوى تلقي الفن في محترفات الفنانين الخاصة ساهم الدرة في تأسيس معهد الفنون والموسيقى الأردني عام 1970 وترأس إدارته لعشر سنوات متواصلة.

وجوه الناس

عُرف الفنان الراحل بغزارة إنتاجه الفني واتقانه رسم البورتريه الشخصي، بحيث رسم خلال مسيرته مئات البورتريهات الشخصية. لم تقتصر أعمال الفنان على رسم الشخصيات العامة والشهيرة فقط، بل تجاوزتها إلى رسم وجوه الناس من جميع الفئات، تناول الدرة وجوه النساء والرجال والقرويين والبدو وغيرهم، واتسمت معالجاته الفنية في هذا الإطار بأسلوب تعبيري واختياره الألوان الزاهية والصريحة مع ضربات فرشاة منسابة وسريعة.

إلى جانب البورتريه الشخصي خاض الفنان الراحل تجربة متعمقة في التجريد اللوني في الستينيات من القرن الماضي، برز خلالها اهتمامه الواضح بالضوء والحركة، والتجريب في الخامات. تناول الدرة في أعماله التجريدية العديد من الموضوعات، لعل أبرزها المعالجات اللونية للعمارة الأردنية التراثية التي أكد في معالجاته لها على نحو لافت ارتباط الأشكال المعمارية وتداخلها مع الظل والضوء.

كان مهنا الدرة فناناً مؤمناً بالتجريب وتجاوز الأنماط التقليدية في الممارسة الفنية، ولطالما عبر عن قناعته تلك في العديد من اللقاءات والمناسبات. وفي هذا السياق صرح ذات مرة حول تجربته الدراسية في إيطاليا قائلاً، "لقد استفدت مما تعلمته من أساتذتي هناك، لكن الاستفادة الكبرى كانت في تعلمي كيفية الخروج من الصندوق، لأن من المهم على الطالب نسيان كل ما درسه والانطلاق نحو تجربته الفردية بحرية، فالالتزام بالنهج الأكاديمي يجعله أسيراً ويمنعه من التعبير عن خياله اللامحدود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حصل الفنان الراحل خلال مشواره الفني الممتد من أربعينيات القرن الماضي على العديد من الجوائز، أبرزها جائزة الدولة التقديرية الأولى وجائزة اتحاد الفنانين العرب، والميدالية الذهبية من وزارة الثقافة الإيطالية. وكنوع من التكريم لتجربته الفنية أصدرت هيئة البريد الأردنية عام 2002 طابعاً بريدياً يحمل واحدة من لوحاته. وقد شارك الدرة خلال مسيرته الفنية في العديد من المعارض الفردية والخاصة داخل الأردن وخارجها، وتقتني أعماله العديد من المؤسسات الفنية الدولية، من بينها جامعة جورج تاون في واشنطن والمتحف البريطاني، بالإضافة إلى أعماله المعروضة على نحو دائم في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.

وقد نعت الملكة رانيا العبد الله الفنان الراحل عبر صفحتها الشخصية بقولها "فقدنا اليوم أحد عمالقة الفن الأردني مهنا الدرة... ستبقى أعماله خالدة في ذاكرة الوطن" كما نعاه وزير الثقافة الأردني باسم الطويسي قائلاً، "إن رحيل الدرة يمثل خسارة للوطن وللفن، لا سيما أنه كان يمثل علامة مهمة ليس في المشهد التشكيلي الأردني وإنما العربي والعالمي، وهو أحد مؤسسي معهد الفنون التابع لوزارة الثقافة الذي تخرج فيه الكثير من الفنانين التشكيليين الأردنيين" وأشار الطويسي إلى أن الراحل كان من طلائع الفنانين الأردنيين الذين درسوا في الغرب ومزجوا بين الانفتاح على التقنيات الحداثية والأصالة التي ارتبطت بجماليات المكان وحياة الإنسان، مؤسساً بذلك لأسلوب فني حداثي بالغ التميز.

المزيد من ثقافة