Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين ونافالني والغرب واللعب على المكشوف

غياب المعارضة الحقيقية وتفشي الفساد وضعف الرواتب في صدارة أسباب السخط الشعبي  

التظاهرات التي اجتاحت موسكو وسان بطرسبورغ وعدداً من كبريات المدن الروسية، السبت الماضي، يبدو أنها تكشف عن تحول نوعي جديد يقترب من التصعيد للمواجهة سعياً وراء إشعال جولة جديدة من جولات "الثورات الملونة". وفيما ترى أطراف هذه التطورات أنها تشكل استمرارا لمحاولات التدخل الأميركي والدوائر الغربية في الشؤون الداخلية ومواصلة اللعب على أوتار السخط والغضب المكتومين في روسيا، نددت العديد من العواصم الغربية باعتقال المعارض الروسي ألكسي نافالني بعد عودته إلى بلاده من ألمانيا.

وكانت موسكو الرسمية قد خلصت الى أن مسيرتها محاطة بأخطار وأنها تواجه تحديات منذ اندلاع موجة "الثورات الملونة" في مطلع القرن الحالي. وإذا كانت الإدارة الأميركية قد كشفت في منتصف تسعينيات القرن الماضي عن مخطط تقسيم روسيا الاتحادية إلى ما يزيد على خمسين مقاطعة وولاية لتلحق بسابقها الاتحاد السوفياتي السابق، وهو ما لم تدرك أبعاده في حينها السلطات الروسية إبان سنوات حكم الرئيس الأسبق، بوريس يلتسين، فإن الكرملين يؤكد أنه ليس بغافل اليوم عن مخططات واشنطن التي كانت قد أعلنتها صراحة، ومنها ما يتعلق بإطاحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واعتباره العدو الأول لكل ما رفعته من شعارات وأهداف يتداول القاصي والداني تفاصيلها ومفرداتها، منذ أن كشفت الدوائر الأميركية عن مخططات "الثورات الملونة" في الفضاء السوفياتي السابق.

من هنا، تبدو جلية وواضحة تلك الأطر التي تحكم ما يجري من أحداث وتطورات تتوالى عاصفة جارفة في الفضاء السوفياتي السابق، منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، وما تبعها من أزمات، كان آخرها ما شهدته بيلاروس في أغسطس (آب) الماضي، على ضوء ما قيل آنذاك حول أنها مقدمة لما يمكن أن يحيق بروسيا المجاورة. 

وكانت وزارة الخارجية الروسية قد سارعت إلى إدانة ما وصفته بمحاولات السفارة الأميركية في روسيا دعم وتشجيع العناصر الراديكالية بين صفوف المعارضة الروسية. وقالت في بيانها الصادر بهذا الشأن إنها "ليست المرة الأولى التي تظهر فيها السفارة الأميركية استهتارها بالقواعد والقوانين الدبلوماسية وهي تنشر بكثافة تقارير على شبكات التواصل الاجتماعي تأييداً لفعاليات احتجاجية غير مرخص بها في مدن روسية".

وأضافت أن "الحديث يدور في الواقع عن تشجيع أعمال العنف المسماة على سبيل النفاق احتجاجاً سلمياً، التي يستميلون إلى المشاركة فيها صغار السن والقاصرين". ورداً على ما وصفته الخارجية الروسية تدخلاً فيما جري من أحداث، أشار بيانها الصادر بهذا الشأن إلى أنه "من الأجدى بالنسبة للسلطات الأميركية أن تنشغل بمشاكلها الداخلية، بما فيها معالجة الانشقاق العميق في المجتمع الأميركي، الذي جاء نتاجاً للظلم الاجتماعي وعدم المساواة وملاحقة الرأي الآخر. أما مساعي دبلوماسية واشنطن التي تتجاهل كل معايير الآداب لما يمكن أن يكون في جوهره تشجيعاً للعناصر الراديكالية، فهي أمر محكوم عليه بالفشل، ولا بد أن ينعكس سلباً على العلاقات الثنائية". 
وكانت الولايات المتحدة الأميركية دانت بشدة استخدام ما وصفته بـ "أساليب وحشية ضد المتظاهرين والصحافيين" خلال احتجاجات السبت.
كما دان الاتحاد الأوروبي أيضا مواجهة المتظاهرين بينما اتهمت منظمة العفو الدولية الشرطة بـ"الضرب العشوائي والاعتقال التعسفي" للمحتجين.

على أن التدخل الخارجي الملموس في كثير من جوانب ما يجري من أحداث، لا يمكن أن يكون وحده مبرراً لما شهدنا وتابعنا من تطورات في الشارع الروسي، لا بد أن يحتدم الجدل والنقاش حوله لفترات طويلة، ما لم يتوصل المجتمع في موسكو إلى حلول ذاتية لأزماته الداخلية، انطلاقاً من سياسات موضوعية يمكن أن تكون من وحي الداخل، وبإرادة خالصة من جانب تضافر جهود السلطات الرسمية مع قوى المعارضة الوطنية، وهو ما تظل تفتقده روسيا منذ تسعينيات القرن الماضي. فما نشهده من حركات معارضة كانت قد تبدت بوادرها على استحياء مع آخر سنوات الاتحاد السوفياتي السابق، حتى ظهرت جلية وواضحة في أعقاب انهياره، تبدو في غير سياق مع ما شهده المجتمع من تغيرات جذرية طالت كل مناحي الحياة. 

فما إن تبلورت أفكار المعارضة الوطنية في برلمان رفض قرارات الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، حتى داهمه ذلك الرئيس بوابل من نيران الدبابات التي قضت على ذلك البرلمان في أكتوبر (تشرين الأول) 1993، وليأتي بمجلس الدوما الذي توافق مع هوى وميول سادته فيما وراء المحيط ممن أملوا إرادتهم وهيمنتهم على القوى الليبرالية الوليدة التي لم تكن تخفي موالاتها للغرب وأفكاره وتوجهاته في تلك الحقبة الرمادية من تسعينيات القرن الماضي في تاريخ الدولة الروسية.

ونذكر أن هذه القوى وقفت بالمرصاد لظهور أي قوى مناوئة حتى نهاية القرن العشرين، بما في ذلك ما فرضته من نتائج مغايرة لواقع التصويت الحقيقي في الانتخابات الرئاسية التي أعلنوا فيها عن غير حق فوز الرئيس الأسبق يلتسين من الجولة الثانية ضد منافسه جينادي زيوغانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي الذي لم يُبدِ مقاومة تذكر لذلك التزوير السافر.

ومن هنا يمكن تفسير ظهور ما نسميه المعارضة "المستأنسة"، التي كانت، ولا تزال، تتمثل في "الحزب الشيوعي الروسي"، و"الحزب الديمقراطي الليبرالي"، المعروف منذ ظهوره في مطلع تسعينيات القرن الماضي تحت اسم "حزب جيرينوفسكي"، نسبة إلى زعيمه فلاديمير جيرينوفسكي، والحزب الثالث "حزب العدالة الروسية"، الذي ظهر من رحم أحزاب السلطة، لتدعم ثلاثتها من خلال القيادات نفسها التي ظهرت مع ظهور تلك الأحزاب، ممارسات الكرملين والحزب الحاكم "الوحدة الروسية" مقابل ما تتمرغ فيه هذه الأحزاب المعارضة من امتيازات مادية وإعلامية. وكلها أحزاب لم يكن مسموحاً لها سوى بمساحة محدودة للكلام والنقاش، في إطار ما سبق وأفصح عنه رئيس مجلس الدوما الأسبق بوريس غريزلوف (2003-2011) صراحة بقوله "إن البرلمان ليس ساحة للنقاشات السياسية". 

تلك هي الأجواء التي سمحت بظهور، إلى جانب "الأحزاب الرسمية"، ما يسمى حركات وتنظيمات المعارضة غير الممنهجة، من خلال بعض التيارات اليمينية بممثليها من الليبراليين المعروفين بموالاتهم للغرب، ومنهم بوريس نيمتسوف، الذي "اغتيل" على مقربة من الكرملين في عام 2015 بعد فشله الذريع في أكثر من انتخابات برلمانية، وبعد أن كشف عن تقاربه مع القيادات الأوكرانية التي قامت بانقلابها على الرئيس الشرعي فيكتور يانوكوفيتش في 2014، وأناتولي تشوبايس "الكاردينال الرمادي"، ومهندس الخصخصة في تسعينيات القرن الماضي، الذي يظل على مقربة من الرئيس بوتين ممثلاً شخصياً لدى المنظمات الأجنبية الدولية على الرغم من كل ما تكنه الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الروسي له من مقت وسخط وكراهية.
ومن المنطلقات ذاتها، وفي ظل ذات الأجواء ظهرت عناصر معارضة لم تجد لنفسها الوعاء الحزبي المناسب، لتضطر إلى العمل من خلال منظمات المجتمع المدني، مستندة في ذلك إلى ما توفر لها من أجواء سخط وغضب كثير من الجماهير التي كانت، ولا تزال، تئن تحت وطأة تفشي الفساد، لا سيما بين أعضاء النسق الأعلى للسلطة، إلى جانب الثراء المشكوك في تاريخه، ومصادره، لعدد كبير من المعروفين بعلاقاتهم القديمة والوثيقة مع أبرز رموز السلطة الرسمية، وهو ما اعترف الرئيس فلاديمير بوتين به في نهاية ولايته الثانية عام 2008، حين قال "إن الفساد هو المشكلة الوحيدة التي استعصت على الحل". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن ذلك كان في عام 2008، فإن الفساد يظل المشكلة الكبرى التي تدور حولها كل أنشطة وشعارات المعارضة التي لا ترقى بعد إلى المستوى المناسب لدولة بحجم روسيا الاتحادية بما تتمتع به من قدرات بشرية وثروات مادية هائلة. ومن اللافت أن كل ما تقدم ذكره يظل مواكباً لما يعيشه كثير من أبناء روسيا من انخفاض مستوى الأوضاع المعيشية، وتصاعد نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر، ما يمكن أن يكون سبباً في تصاعد غضب وسخط الجماهير وابتلاعها منظمات المجتمع المدني وشعاراتها التي تدعو إلى الانتفاضة والاحتجاج على النظام القائم. 

ولعل المتابع لتظاهرات السبت الماضي وما جرى قبلها من تحركات واجتماعات في الداخل والخارج، يدرك مدى تعقد وتشابك خريطة المقدمات والنتائج. وبهذا الصدد نتوقف عند التقديرات التي جرى الكشف عنها لأعداد المتظاهرين في موسكو، وتباينت بقدر تباين مصادرها من أربعة آلاف إلى 40 أو 50 ألفاً، لنشير إلى أنها لا ترقى إلى عدد الذين كانوا شاركوا في أكبر تظاهرات للمعارضة خرجت إلى ساحة "بولوتنويه" عام 2011، وكانت قد تجاوزت الـ100 ألف.

كما أن الواقع يقول إن كثيراً من المشاركين في تلك التظاهرات كانوا في معظمهم من الساخطين والحانقين على سياسات النظام من جراء تردي أحوالهم المعيشية وتدني رواتب المتقاعدين، وبقدر قد يكون أكبر كثيراً ممن استجابوا لدعوة أنصار المعارض ألكسي نافالني المعتقل حالياً في سجن "ماتروسكايا تيشينا"، أشهر سجون العاصمة الروسية، بعد عودته من الخارج، وكان قد جرى نقله للعلاج بألمانيا بوساطة من قياداتها السياسية بعد إعلان اتهام تسميمه في أغسطس (آب) من العام الماضي.

من هذا المنظور ننقل ما تردد في العاصمة الروسية حول أن ألكسي نافالني تعمد استباق إطلاق مسيرة التظاهرات والحملات المناهضة للنظام بنشر عدد من الأفلام الوثائقية التي يفضح فيها ما وصفه بـ"فساد النظام" على غرار ما نشره تحت عنوان "قصر بوتين"، الذي تناقلته القنوات التلفزيونية العالمية والمواقع الإلكترونية على نطاق واسع، وفي توقيت مواكب لإجراء مراسم تنصيب الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الذي يعلق عليه كثير من معارضي النظام في روسيا كثيراً من آمالهم في الضغط على الكرملين، من خلال ما سبق وأعلنه من مفردات منظومات العقوبات التي تتصاعد ضد إدارة الرئيس بوتين وأعضاء حكومته منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية عام 2014، إلى جانب ما يستهدفه من تأجيج جذوة نيران الصراع في بيلاروس بعد أن خبا بريقها ووهجها مع نهايات العام الماضي بتدخل مباشر من جانب الكرملين ورجاله من ممثلي مختلف المؤسسات، وذلك كله يمكن أن يندرج تحت ما سبق وأشرنا إليه بوصفه "الحق الذي يراد به باطل"!

المزيد من تقارير