Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أشهر عمال المقابر الفرعونية يروي حكاية الحفر

"الريس علي" توارث المهنة أبا عن جد ومارسها 40 عاما

رئيس عمال المقابر الفرعونية يتابع أعمال الترميم  (اندبندنت عربية)

على الرغم من كونه لم يحصل على مؤهل جامعي ولا متوسط في علوم الآثار المصرية، فقد بات مرجعاً مهماً للبعثات الأثرية كافة، لما قضاه "الريس علي فاروق السليك" رئيس عمال التنقيب الأثري بمحافظة الأقصر في جنوب مصر، من مسيرة طويلة في مجال الحفر والتنقيب عن الآثار تجاوزت الـ 40 عاماً،  شارك عبرها في اكتشاف مئات المقابر الفرعونية النادرة، برفقة كوكبة من علماء الآثار المصريين والأجانب، على رأسهم عالم الآثار الشهير الدكتور زاهي حواس، كما شارك في أكثر من 80 فيلماً وثائقياً عالمياً عن الحضارة الفرعونية وتراثها.

ويروي فاروق لـ"اندبندنت عربية" خلال لقائه في مقر إقامته بالأقصر جنوب مصر، قصته الطويلة مع الاكتشافات الأثرية التابعة لوزارة الآثار المصرية، مؤكداً أنه "بدأ العمل في مجال الحفائر الأثرية في سن الـ13 عاماً، ولديه ستة أشقاء يعملون في المجال نفسه، وذلك بسبب أن تلك المهنة متوارثة من جده بكري السليك، بوصفه أول من عمل في مجال الحفر الأثري مع البعثات الأوربية لإزالة جبال الرمال عن معبد الأقصر الفرعوني".

مهنة الآباء والأجداد

لكن على الرغم من ذلك يقول حفيده إنه تلقى دورات مكثفة من تلك البعثات مما صقل خبرته، ولذلك قرّر أن ينشئ مدرسة لتعليم التنقيب للعمال من أقاربه وأبناء أشقائه وعمومته بقرية القلعة التابعة لمحافظة قنا (تبعد عن الأقصر 40 كيلو متراً)، ولينقل إليهم مهارات فنون التنقيب.

أما والده فنال شهرة دولية بسبب اكتشاف خبيئة معبد الأقصر العام 1989، بعد أن لعبت الصدفة معه دوراً كبيراً، "ففي صباح 22 يناير (كانون الثاني) 1989، وحين كان يقود مجموعة من العمال لإزالة طبقات الأتربة عن أرضية المعبد، إلا أنه لاحظ تغير لون التربة من ناحية فناء الملك "أمنحتب الثالث"، وسرعان ما أخطر المدير العام لآثار الأقصر في ذلك الحين، محمد الصغير، بأنه يتوقع وجود كشف أثري مهم".

 

 

الصغير لم يهتم بادئ الأمر بكلام والد محدثنا، غير أن هذا تشبث بالإلحاح عليه لمواصلة التنقيب، فوافق الصغير، وبتنفيذ أعمال الحفر "عثر فاروق على كشف أثري عظيم مكون من 15 تمثالاً من مختلف الأحجام والأشكال، لملوك ومعبودات مصرية قديمة، وأطلق على هذا الكشف الثمين اسم "خبيئة معبد الأقصر" التي تعرض حالياً في متحف الأقصر الدولي، الأمر الذي دفع الصحافة الأجنبية في ذلك الوقت إلى تسليط الضوء على نباهة عامل الآثار البسيط".

ذكر الريس علي أنه قبل تسلمه العمل في مجال التنقيب الأثري، طلب منه جده ووالده أن يلقي قسماً مغلظاً أمامهما بأن يحافظ على الأمانة الموكلة إليه، ويحافظ على سمعة العائلة في مجال الحفائر تحت إشراف وزارة الآثار، وأن يعامل عمال الحفائر معاملة حسنة ويحفظ لهم حقوقهم وأجورهم، "ولاحظ أن هذا القسم كان شرطاً لكل من يتم اختياره للعمل معهما بما في ذلك أنا ابنهما".

متطلبات المهنة

وعن متطلبات العمل في الحفر، قال فاروق إن هذا العمل يتطلب من العامل الصبر والطاعة لعلماء الآثار المشرفين على المهمة، "لأن الحفر بهدف التنقيب عن المقابر الأثرية يجري بعد حسابات هندسية معقدة من القائمين على مشروع التنقيب، الأمر الذي يتطلب من العامل فهم المهمة المطلوبة، وبعدها يقرر استخدام المعدات المناسبة للحفر أو الترميم".

وذكر فاروق أن عمال الحفر يجري التعاقد معهم على المشروع الواحد إذا كانوا غير معيّنين لدى وزارة الآثار المصرية، مشيراً إلى أن محافظة الأقصر ما زالت تشهد عمليات تنقيب وبحث متواصل من وزارة الآثار المصرية والبعثات الأجنبية المصرح لها، لكشف كنوز الحضارة الفرعونية الساحرة التي ما زالت الأقصر تضمها.

وأضاف أنه سيحرص دوماً على تحفيز العمال بالمكافآت ولو من جيبه الخاص، للعمل بحماسة وبشغف، من أجل إثراء العمل في مجال الآثار، مؤكداً أن "العامل المصري إذا باشر العمل في التنقيب وهو محب فسينتج عملاً رائعاً"، لافتاً إلى أن هناك مئات من الاكتشافات الأثرية التي كان لعمال الحفر فضل كبير في كشفها من طريق الصدفة، مثلما فعل والده مع خبيئة معبد الأقصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أوضح فاروق أنه على الرغم من بساطة العمال فإن أغلبهم يجيدون أكثر من ثلاث لغات بسبب الاحتكاك مع البعثات الأجنبية التي تشارك الدولة أعمال التنقيب عن المقابر الفرعونية، ثم إن "رئيس عمال الحفائر الأثرية يصل لدرجة كبيرة من الاحتراف والإتقان، تجعل علماء الآثار الأجانب دوماً يستمعون لرأيه ورؤيته في أعمال الحفر، وينحازون إليها طالما توافقت مع الرأي العلمي، وهذا ما وجدته بشكل فعلي مع البعثات الفرنسية والروسية والإسبانية والإنجليزية والأميركية".

وأكد أن علماء الآثار المصريين والأجانب كافة يحرصون على اختياره مع أشقائه الستة في مشاريع التنقيب والترميم، "لخبرتنا الطويلة في هذا المجال، بفضل الإخلاص في العمل وميراث الأمانة والصدق".

أشهر الاكتشافات والحفائر 

شارك علي فاروق على مدى 40 عاماً من مسيرته داخل وزارة الآثار في أعمال التنقيب والترميم، ومن أبرزها الإشراف على "مقابر منطقة جبال ذراع أبو النجا وعدد من مقابر منطقة العساسيف وأعمال التنقيب والترميم داخل معابد الكرنك والأقصر والرامسيوم".

وأضاف فاروق أن أصعب الفترات كانت إبان أحداث "ثورة 25 يناير" التي تسببت في تعطيل أعمال البعثات والحفائر الأثرية فوق جبال مدينة القرنة القديمة لعامين تقريباً، إلا أن الآثار فور استقرار الأوضاع قررت استئناف العمل وإزالة المنازل المخالفة التي بنيت فوق المقابر الفرعونية، مما قاد للكشف عن عشرات المقابر الفرعونية أسفل رديم المنازل.

 

هوس التنقيب غير القانوني

استهجن فاروق ظاهرة التنقيب عن الآثار من بعض الخارجين على القانون بهدف البحث عن الثراء السريع، واعتبرها نتيجة بعض الفتاوى الضالة التي تقول إن البحث عن الآثار ليس محرماً، مؤكداً أن المقابر الفرعونية ومحتوياتها إرث حضاري عظيم للدولة المصرية، مطالباً البرلمان المصري المرتقب بضرورة تغليظ عقوبة التنقيب العشوائي لحماية الآثار من "اليد المخربة والخائنة"، على حد وصفه.

علي فاروق في حديثه أكد اعتزازه بعلاقة قوية تربطه بعالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس، وكذلك الأمين العالم للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى وزيري، نتج منها إعارته كما يقول إلى عدد من الدول الأوروبية للمحاضرة حول تجربته مع أعمال الحفائر والتنقيب عن المقابر الفرعونية الخالدة.

الأفلام الوثائقية والدرامية

رئيس عمال الحفائر الأثرية قال إنه شارك في 60 فيلماً وثائقياً عن عظمة الحضارة الفرعونية واكتشافاتها، مع مختلف الوكالات الأجنبية، بل وشارك عالم الآثار الشهير زاهي حواس في أربعة أفلام وثائقية عالمية نالت انتشاراً واسعاً بين محبي التراث وعلوم المصريات.

وتمنى فاروق أن تتجسد قصة أسرته "آل السليك" مع الآثار المصرية في عمل درامي مصري، يعكس مسيرة العائلة في خدمة الوطن والتراث والاكتشافات الأثرية المصرية، إذ أثمرت هذه العائلة قرابة 1000 عامل في مجال الحفائر الأثرية، وفقاً لإفادته، ولذلك تم تكريم فارق تقديراً لدوره خلال الـ 40 عاماً الماضية في خدمة عمليات التنقيب عن الآثار المصرية.

المزيد من تقارير