Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يغرق سد النهضة أراضي النوبيين كما فعل السد العالي؟

"الخطوة تشكل تهديداً مباشراً للخزانات بأضرار كبيرة تؤدي إلى اختفاء مدن بأكملها من الوجود"

سد الروصيرص جنوب شرقي السودان (أ ف ب)

ظل الرأي العام السوداني مشوشاً ومشتتاً طوال الفترة الماضية، بخصوص فوائد ومخاطر سد النهضة الإثيوبي بالنسبة للسودان، تتجاذبه رؤى الفنيين والخبراء والسياسيين الذين يديرون هذا ملف. غير أن الصورة باتت أكثر وضوحاً في الأشهر الأخيرة، خصوصاً عند بلوغ التفاوض عقدة الاتفاق القانوني الملزم، والإعلان الإثيوبي المنفرد بقرار الملء والتشغيل، إذ طفت لحظتها كل المخاوف إلى السطح مستدعية تجربة السودان المأساوية منتصف ستينيات القرن الماضي، عند إغراق السد العالي عام 1964، آثار النوبيين وأراضيهم على امتداد 180 ميلاً داخل أراضي السودان. وأبرز ضحايا السد المصري، مدينة وادي حلفا، بكامل بهائها ومدارسها ومساجدها، ومناطق شاسعة من ديار النوبة، الجرح، الذي لايزال نازفاً في نفوس السودانيين والحلفاويين منهم على وجه الخصوص.

أيقظ إعلان سيليشي بيكيلي، وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي الأخير، عزم بلاده منفردة الملء الثاني للسد في يوليو (حزيران) المقبل، بحجم 13 مليار متر مكعب من المياه، كل مخاوف السودان إزاء المخاطر المتوقعة والمترتبة على ذلك، ما جعل وزير الري والموارد المائية في السودان، ياسر عباس، يخاطب رئيسة الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، ناليدى باندور، معتبراً أن الخطوة تشكل تهديداً مباشراً للخزانات السودانية قد تترتب عليها أضرار كبيرة، تؤدي إلى إغراق مدن سودانية بأكملها واختفائها من الوجود.

في الوقت نفسه، شددت اللجنة العليا لمتابعة ملف سد النهضة، برئاسة عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء في آخر اجتماع لها، على موقف السودان المبدئي الرافض سياسة الأمر الواقع، وأن الملء الأحادي من شأنه أن يهدد سلامة 20 مليون مواطن سوداني تعتمد حياتهم على النيل الأزرق، فضلاً عن أثر ذلك في سلامة تشغيل سد الروصيرص والمنشآت المائية الأخرى في البلاد.

استدعاء مأساة إغراق حلفا وآثارها

واستدعت الذاكرة السودانية مع تلك المخاوف، حدثاً تاريخياً مأساوياً مفجعاً حصل في منتصف ستينيات القرن الماضي، هو الأول من نوعه، أعاد إلى الأذهان المشاهد المؤلمة عند ابتلاع بحيرة السد العالي أرض النوبيين بكل تاريخها الممتد لأكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، ما اضطر أهلها إلى مغادرة ديار ولدوا وعاشوا فيها، هم وآباؤهم وأجدادهم بلا عودة.

تراجيديا مشاهد التهجير، وثّقتها مذكرات المسؤول الإداري الأول في المدينة آنذاك، محمد دفع الله، الذي سجل تلك التجربة المأساوية المثيرة النادرة لهجرة شعب نوبي عريق إلى منطقة مغايرة في مناخها وبيئتها، في تضحية نادرة، نتيجة قرار حكومي بإخلائها بغرض إنشاء السد العالي.  

كان الاستعداد للرحيل مهيباً وحزيناً غارقاً أيضاً في الحسرة والدموع، في أجواء كئيبة، ومخاوف جمّة من المجهول الذي ينتظر المهجرين، إذ شكل فجر السادس من يناير (كانون الثاني) 1964، ذروة الحدث حين جُهز قطار الركاب وأُعِدت الترتيبات الخاصة بالمرضى وكبار السن في المحطة، استعداداً لرحلة طويلة لنقل الفوج الأول من المهجرين إلى جوف منطقة البطانه وأرض خشم القربة وطنهم البديل الجديد.

"حين دقت ساعة الفراق المدوّي بكل جراحاتها وصخب أحزانها، وقبل التوجه إلى محطة القطار"، وفق مذكرات المسؤول الإداري، دخل أرباب البيوت إلى منازلهم لإلقاء (نظرة الوداع) الأخيرة، ثم غادروها بعد نزع المفاتيح الخشبية من الأبواب الخارجية كتذكار وجداني عزيز، وتحركوا بعدها في موكب كبير إلى مدافن المدينة لوداع أسلافهم وموتاهم، وقراءة سورة الفاتحة على قبورهم، ثم عادوا منها يذرفون الدموع وهم يطيلون النظر إلى موطنهم.

يستطرد، "وفي المساء، حين أرسل القطار صافرته استعداداً للانطلاق، انهمرت الدموع الغزيرة واجهش الجميع بالبكاء، وعمّت المحطة نوبة من العويل والصراخ في أوساط المغادرين والمودّعين"، ويواصل دفع الله، "أخذت أتسمَّع بانتباه إلى ما يقولون باللهجة النوبية وهم يلوّحون بعمائمهم للمسافرين قائلين (أفيالوقو... هيروقو) أي (رافقتكم العافية... وعلى خيرة الله). ومع تحرك القطار كان الحلفاويون قد خطوا فعلاً أولى خطوات الخروج من ديارهم التي ستغمرها المياه بعد حين، بينما ظل المغادرون يحدقون إلى موطنهم وهو يتضاءل في أنظارهم، كلما أوغل القطار جنوباً، ثم تلاشى في الأُفق البعيد واختفى عن الأنظار الى الأبد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي طريقهم إلى الوطن الجديد، خرجت مدن السودان المختلفة التي مر بها القطار في استقبالات حاشدة، قدموا لهم خلالها الهدايا التذكارية باسم مدنهم، تعبيراً عن المساندة والمشاركة والتقدير لما قدمه المهجرون من تضحية غالية.

حملة عالمية لإنقاذ الآثار ولكن!

لم يكن طوفان الأسى والدموع يشمل الأهالي فحسب، فقد كان للمأساة وجه آخر، كون المناطق السودانية التي غمرتها بحيرة السد، ضمت آثاراً لمواقع تاريخية تعود لفترة ما قبل التاريخ وبعضها للتاريخ الحديث، ولم تكن معظم تلك المواقع على طول ضفاف نهر النيل، قد وجدت حظها الكافي من عمليات التنقيب ومن ثم الإنقاذ.

ويقول فوزي حسن بخيت، كبير مفتشي الآثار، في الهيئة العامة للآثار والمتاحف، "على الرغم من إعداد وتنظيم حملة دولية بقيادة منظمة يونسكو، التي اعتبرت وقتها أكبر حملة عالمية لإنقاذ الآثار على مستوى العالم، تطلب تنفيذها جهوداً ضخمة وكثيفة كان أبرزها، التأكيد على ضرورة إنشاء متاحف تستوعب ذلك الكم الهائل من المقتنيات الأثرية المتوقع اكتشافها خلال الحملة، وتوفير مراكز التخزين ووسائل الترميم اللازمة، إلى جانب إيجاد الحلول والمعالجة للمعالم الأثرية المعمارية التي ستتعرّض للفك وإعادة التركيب في مقرها الجديد في المتحف القومي في العاصمة الخرطوم.

ويؤكد بخيت، بالفعل بدأت يونسكو في الإعداد والتنظيم لذلك البرنامج الإنقاذي غير المسبوق تاريخياً، بتشكيل لجنة من الدول الأعضاء للمساعدة في تنظيم الحملة تحت رعاية المنظمة، ولجنة أخرى لتنظيم عمل الحملة برئاسة ملك السويد آنذك، غوستاف السادس.

كان أهم إنجاز ليونسكو في الإعداد، هو إطلاق مديرها العام نداء مارس (آذار) 1960 الشهير، الذي حث فيه على طلب المساعدة التقنية والمالية من أجل الحفاظ على الآثار النوبية من الدمار المؤكد المحدق بها.

ويضيف، "كان للنداء أثره الكبير بأن سارعت حوالى 40 بعثة أجنبية للعمل في السودان ومصر لإنقاذ المعالم الأثرية. وتعتبر هذه الحملة العالمية بحسب الهيئة العامة للآثار السودانية، نقطة تحوّل كبيرة في مسيرة العمل الأثري الإنقاذي في السودان وعلامة مميزة في تاريخ العمل الأثري الإنقاذي في العالم".

وتؤكد وثائق الهيئة العامة للآثار السودانية، كل الجهود التي بذلتها يونسكو وعدد من الجامعات الغربية، لإنقاذ أكبر قدر من تلك الآثار.

سلسلة من الحصون الدفاعية الأثرية المبنية من طوب لبن، تم توثيقها لتبقى محفوظة وموجودة فحسب في السجلات والمنشورات، إلى جانب مجموعة الكنائس والوحدات المعمارية الفريدة ونماذج جصية ورسوم جدارية ملونة، تم نقلها وعرضها داخل صالات المتاحف.

هذا فضلاً، عن المعابد في سمنة شرق وغرب، ومعبد عكشة الذي يؤرخ لرمسيس الثاني من الدولة الحديثة، والمقبرة الصخرية للأمير النوبي جحوحتب، ومعبد بوهين الذي يؤرخ للدولة الحديثة، وبقايا أعمدة غرانيت تعود للفترة المسيحية من كاثدرائية (فَرَص)، كل تلك المعابد تم تفكيكها وإعادة تركيبها في فناء متحف السودان القومي في الخرطوم.

ديار جديدة ووجدان قديم

على الرغم من كل تلك السنوات الطويلة بعد التهجير، لا يزال أهل وادي حلفا، بعد ما يقارب الـ60 عاماً، يذكرونها بالدموع واللوعة، يسكنهم الحنين الذي صبغ كل حياتهم بعد الرحيل، ووشّح معظم أغانيهم بشجن عميق محسوس، لوَّن كل حياتهم بالأشواق الدافئة الباكية. فبعد انتقالهم من قلب الصحراء النوبية إلى أواسط السودان في بيئة مدارية غريبة عليهم، نقلوا معهم بعض ثقافتهم وتراثهم، بتصاميم بوابتهم وزخارفها النوبية القديمة إلى الوطن الجديد، لعلها تعينهم على التأقلم. كما تبدّلت سبل كسب عيشهم، فبعدما كانوا أهل تجارة، شاء قدرهم الجديد أن يتحولوا إلى مزارعين ونجحوا في ذلك بشكل كبير.

يروي عباس الجاسر، أحد المعاصرين لفترة التهجير، كيف قاوم أهل منطقة وادي حلفا التهجير القسري، وسعوا لتوصيل صوت رفضهم إلى السلطات عبر التظاهرات المتواصلة، موضحاً أن المدينة استقبلت الرئيس السوداني حينذاك، الفريق إبراهيم عبود، لدى زيارته لها لتفقد ترتيبات التهجير، بتظاهرات عارمة رافضة، لكنه ومن خلال تشكيله اللجان من بعض أبناء المنطقة، تمكّن من إقناع الكثيرين، وبالفعل عملت تلك اللجان بجهد وصدر القرار الحكومي بالتهجير.

يتذكَّر الجاسر، "كانت نساء مدينة حلفا في استقبال وفد رسمي عند محطة القطار وهنّ يحملن أطباقاً على رؤسهنّ، ظنَّ المسؤولون أنها حلوى أو تمر مما تشتهر به المنطقة، لكنهم فوجئوا بالرمال المعبأة من وادي حلفا وقد انهالت عليهم منها تعبيراً عن  رفضهنّ التهجير.

يواصل، "مع ضغط الحنين، بدأ الكثيرون يفكرون في العودة مرة أخرى إلى أرض الجدود. وعلى الرغم من قساوة الظروف الطبيعية وضعف الخدمات، تنامت عمليات الهجرة العكسية تدريجاً، لتعود بودار جديدة للحياة هناك على ضفاف بحيرة السد، ممتهنين التجارة الحدودية وصيد الأسماك والزراعة، على أمل إعادتها إلى سيرتها الأولى كما يرددون".

وتعتبر مدينة وادي حلفا من المدن التاريخية التي يعود عهدها إلى الحضارة النوبية القديمة، وكانت تعج بآثار الحضارات النوبية الفرعونية والمسيحية والإسلامية، التي نشأت بين الشلالين الأول والثاني في موقع بوهين القديمة عاصمة الأسرة النوبية الثانية، على الضفة الشرقية لنهر النيل.

وجاء قرار تشييد السد منذ العام 1954 بناءً على رغبة الحكومة المصرية، للتوسع في مشاريع التنمية وزيادة الرقعة الزراعية وتوليد الطاقة الكهربائية، الذي يبعد بضعة أميال من خزان أسوان، وأدى تشييده إلى ارتفاع مستوى المياه لتغطي نحو 300 كلم، منها حوالى 180 ميلاً من الأراضي السودانية ومثلها من المصرية، مخلفاً بحيرة صناعية تمتد إلى مسافة 500 كلم على طول وادي النيل، من أسوان جنوب مصر وحتى منطقة دال في الشلال الثالث في السودان.