Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أدوية مفقودة في لبنان وحليب الأطفال عملة نادرة

انعدام الثقة والتخزين والتهريب تزيد حدة الأزمة

الطلب على الأدوية زاد بأكثر من الضعفين خلال الأشهر القليلة الماضية. (اندبندنت عربية)

أزمة جديدة بدأت تشتد في وجه اللبنانيين الرازحين تحت هول انهيار سعر الصرف، ومعه قدرتهم الشرائية والتفشي الكبير لفيروس كورونا والانكماش الاقتصادي، تمثلت في انقطاع كمّ كبير من الأدوية الأساسية، كما الأدوية التي تساعد في التعافي من كورونا، ولعل المستجد الأبرز في هذه الأزمة انقطاع حليب الأطفال لمن هم فوق عمر السنة بأنواعه كافة.

شحّ الأدوية وعدم توافرها بدأ بعد إعلان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أن الاحتياط بالعملات الأجنبية لا يكفي أكثر من ثلاثة أشهر، وأن دعم المواد الأساسية ومنها الأدوية سيتوقف، مما قد يرفع تلقائياً الأسعار أكثر من خمسة أضعاف.

الإعلان أثار حالاً من الذعر بين المواطنين الذين لجأوا إلى تخزين الأدوية خوفاً من تضخم أسعارها، كما بدأ التجار بخفض تسليماتهم وتخزينها بهدف بيعها لاحقاً بأسعار أعلى وتحقيق أرباح قياسية.

ولكن، خمسة أشهر مضت، تحركت خلالها الوزارة لتفقد مخازن الأدوية والتأكد من عدم التخزين، كما وصلت شحنات عدة. وطمأن حاكم مصرف لبنان أن الدعم مستمر حتى إشعار آخر، وإنما شح الأدوية استمر، لا بل تفاقم مع تفاقم كورونا، فأدوية أساسية كالأسبرين والباراسيتامول مفقودة، كما أدوية الكورتيزون، وكلها ترتبط بشكل أو بآخر بعلاج كورونا.

وإذا كان الطلب وفقدان أدوية علاج كورونا مفهوماً، فمن غير المفهوم فقدان حليب الأطفال، إذ أصبح من الصعب على الأهل إيجاد حتى علبة واحدة من أي نوع من أنواع الحليب، علماً بأن البعض منها مخصص لأمراض معوية يعانيها الأطفال خلال مراحل أعمارهم الأولى.

هلع وتضاعف للطلب يقابله عرض خجول

يوضح نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة، أن الطلب على الأدوية زاد بأكثر من الضعفين خلال الأشهر القليلة الماضية، فحال الذعر لدى المواطنين مستمرة على الرغم من كل التطمينات، بينما الاستيراد البطيء نوعاً ما، لا يكفي لتلبية الحاجات غير الاعتيادية والمستجدة للمواطنين. وبحسب جبارة، فعناصر الأزمة التي بدأت منذ أربعة أشهر لم تتغير، فرفع الدعم من عدمه ما زال غير واضح، والضبابية تخيّم على هذا الملف، وما يزيد حال الخوف لدى المواطنين هو فقدان الرؤيا في ما خص القطاع الصحي والعاملين فيه. ويبيّن جبارة بالأرقام أنه بمجرد أن يتحرك 10 في المئة من المواطنين لتخزين الأدوية فسيتضاعف الطلب، أي يزيد بنسبة 100 في المئة وليس 10 في المئة. ومثال على ذلك ما يحصل في أدوية أساسية، ففي موضوع الـ "سولبادين" مثلاً، تبيّن الأرقام أن استهلاك السوق تاريخياً كان يتحرك حول 100 ألف علبة شهرياً، بينما تم بيع 400 ألف علبة أمّنها المستورد خلال ثلاثة أسابيع.

أما في ما خص حليب الأطفال، فلم يستبعد جبارة أن يكون التخزين أيضاً سبب النقص الحاصل، فالحليب غير المتوفر هو للأطفال الذين تزيد أعمارهم عن العام الواحد، وهو عموماً من السلع غير المدعومة بالكامل، وإنما يتم استيرادها بحسب سعر المنصة (3900 ليرة للدولار يؤمنها مصرف لبنان). ويرد جبارة سبب التأخير إلى تأثيرات كورونا على سلاسل الإمدادات عموماً، والتأخير في فتح الاعتمادات نظراً للضغط الحاصل على مصرف لبنان، كما التهافت للتخزين والشراء وبطء تسلم كميات جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والهجمة على الحليب تتبع الهجمة على الدواء في ظل مخاوف متصاعدة لدى المواطنين من انقطاع كل ما هو أساس، وسط مزيد من التردي للأوضاع المعيشية التي يعيشها لبنان والتأزم السياسي.

ويبيّن جبارة أن الشركات المستوردة تتسلم الشحنات كل شهر والبعض الآخر كل شهرين، وإذا تم بيع المخزون خلال 15 يوماً فلا إمكان لتسليم المزيد قبل وصول الشحنات الجديدة.

كما يعاني المستوردون من انعدام الرؤيا، فلم يعد بالإمكان تقدير الطلب لتلبية حاجات السوق، والطلب المستجد أفرغ المخزونات في وقت يتخوف المستوردون من تراجع كبير للطلب على الأدوية إذا تم رفع الدعم عنها أو رفع أسعارها.

تخزين وتهريب وتخبط في إدارة الأزمة

ويؤكد الصيدلي إيلي بو يونس أن عدداً من الأدوية يختفي من رفوف الصيدليات لأيام فقط، قبل أن يتم تسلم كميات جديدة من المستوردين، فالطلب كبير خصوصاً على الأدوية المرتبطة بعلاج كورونا مع ارتفاع أعداد المصابين بشكل كبير، وتوجه لتخزين الأدوية من قبل غير المرضى تحسباً لانقطاعها أو حاجاتهم المستقبلية لها. ويوضح بو يونس أنه ونظراً للتهافت الكبير الذي تشهده الصيدليات منذ أشهر، وُضعت آلية لترشيد البيع وتأمين الدواء للجميع بالتعاون مع الصيادلة.

فعلى المستورد أن يقيّم الطلب بالنظر إلى البيانات السابقة، أي الأعوام الماضية، ويلجأ إلى تسليم السوق كميات مماثلة، كما بادرت وزارة الصحة إلى الطلب من الصيادلة تسليم كميات محددة إلى المواطنين، أي عدم بيع كميات من الدواء تكفي لأكثر من شهر واحد لكل مريض.

وبينما يرى بو يونس أن التطبيق صعب كون المواطن باستطاعته شراء الكميات نفسها من صيدليات عدة، إلا أن الترشيد أسهم بالتخفيف من الضغط للحفاظ على المخزون وأموال الدعم، ولا يستبعد بو يونس تهريب بعض الأدوية بخاصة تلك التي بقيت أسعارها عند مستويات غير منطقية من حيث تدني السعر، مقارنة مع الأسعار في الدول المجاورة، فبعض الأدوية الأساسية مثل "الأسبيرين" و"الباراسيتامول" أسعارها لا تتعدى 3 آلاف ليرة لبنانية، أي ربع دولار (بحسب سعر السوق السوداء)، في وقت يبلغ سعرها أربعة دولارات في الدول المجاورة، مما يسهم بتهريبها ولو بكميات غير ضخمة.

وكانت الجمارك ضبطت خلال الأسابيع الماضية محاولات عدة لتهريب بعض الأدوية عبر المطار، تبيّن أنه تم شراؤها من الصيدليات، بينما التهريب على الحدود لا يخفى على أحد، ومن غير الممكن معرفة حجمه. ويتابع الصيدلي بو يونس أنه إذا كان حجم الاستيراد سنوياً مستقراً عند 1.1 مليار دولار تقريباً، في وقت ارتفع حجم الإنتاج الداخلي من سبعة إلى 11 في المئة، فلا بدّ من أن يكون هناك بعض التسرب يضاف إلى التخزين، مؤكداً أنه لا حاجة للخوف، فالمستوردون لأدوية الأمراض المزمنة يلبون حاجات المرضى ولو ببطء.

وضع غير مستقر

وعن الحلول، يرى أن انقطاع الأدوية في وضع غير مستقر صحياً، كما في لبنان، سيستمر، وأنه يجب العمل على وضع خطة شاملة لبطاقات صحية للمواطنين تباع على أساسها الأدوية في مشروع يتطلب كثيراً من الوقت، والحل السريع يكمن، بحسب بو يونس، في أن تسارع الحكومة إلى إعلان حال طوارئ صحية، وحجز مبالغ لدعم الدواء تلبي حاجات العام 2021 بأكمله، ما من شأنه أن يشكل عاملاً مطمئناً للمواطنين يعيد الثقة إلى القطاع الصحي، كما من الضرورة إعادة النظر في تسعيرة بعض الأدوية التي تباع من دون وصفة طبية، وأسعارها رخيصة جداً، مما يشجع على التخزين والتهريب، وإلا سيستمر شح الأدوية وقد يتفاقم.