Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع في تونس؟

أجمع مراقبون على أن انعدام الاستقرار السياسي والحكومي أسهم في تدني أحوال البلاد

الوضع الاقتصادي والاجتماعي دفع عدداً من الشباب التونسي إلى الخروج ليلاً للاحتجاج (أ ف ب)

عجزت تونس منذ 2011، بحكوماتها المتعاقبة، عن رسم سياسات وتوجهات اقتصادية واضحة تحدد المنوال التنموي الذي يعالج النقائص، ويضع حلولاً للأزمة الاقتصادية والاجتماعية على مراحل، ووفق مخططات مدروسة، تستجيب لتطلعات الشعب وتتماشى مع تحديات المرحلة.

وعمّقت جائحة كورونا هذه الأزمة، لتعيش تونس أسوأ ركود اقتصادي منذ الاستقلال، شمل تسجيل أعلى نسبة انكماش غير مسبوقة وانخفاض الاستثمارات وعجز كبير في المالية العمومية.

الصورة القاتمة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي دفعت عدداً من الشباب التونسي إلى الخروج ليلاً للاحتجاج، والقيام بعمليات النهب والسرقة تعبيراً عن رفضهم هذا الواقع. وأسفرت المواجهات مع قوات الأمن في عدد من المناطق بالعاصمة والمحافظات الداخلية، عن إيقاف أكثر من ستمئة شاب، بينهم أطفال.

ولاستقراء أسباب تدهور الوضع الاقتصادي وعدم نجاح تونس في تحقيق نقلة اقتصادية واجتماعية بعد 2011، سألت "اندبندنت عربية" اقتصاديين ومحللين عمن يتحمل مسؤولية ما آلت إليه البلاد؟ وما السبيل للخروج من الأزمة؟

وعلى مدى عشر سنوات تداولت فيها إحدى عشرة حكومة على السلطة، وتشكّل خلالها أكثر من مئتين وسبعة وعشرين حزباً سياسياً، وتعاقبت فيها ثلاث مؤسسات تشريعية منتخبة، لم تهتدِ البلاد إلى منظومة تشريعية اقتصادية واجتماعية تقطع التهميش والفقر.

وأقرّ رئيس الحكومة هشام المشيشي، في كلمة مساء أمس، بصعوبة الوضع الاقتصادي في البلاد من جراء تفشي الجائحة وتراكم الصعوبات الاجتماعية عقوداً من الزمن. ودعا المواطنين إلى التزام القانون، وتعهد العمل على إيجاد حلول للشباب المهمش الباحث عن العمل.

طوفان من الإضرابات

من جانبه، يعزو أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية رضا قويعة، تدهور الأوضاع إلى "أسباب سياسية واجتماعية وأمنية"، موضحاً أن "المناخ الاجتماعي بعد 2011 لم يكن ملائماً للاستثمار وخلْق الثروة، إذ غرقت البلاد في طوفان من الإضرابات والاحتجاجات، وكلّف ذلك الدولة والمؤسسات ملايين الدولارات، بالتالي عزف المستثمرون الأجانب والتونسيون عن المغامرة بتوظيف أموالهم".

وتعكس خريطة الفقر في تونس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، إذ تبلغ نسبة الفقر على المستوى الوطني 15 في المئة، بينما تصل في بعض الجهات الداخلية إلى أكثر من أربعين في المئة، وارتفعت البطالة إلى 18 في المئة، بعدما كانت 15.2 في المئة.

ويشير قويعة إلى "فقدان مفهوم العمل لقيمته الأصيلة في القطاعين العام والخاص مقابل شطط النقابات وغلوّها في المطلبية"، مؤكداً أن "الوضع الأمني الناتج من هذه التحركات الاجتماعية، وتعطيل آلة الإنتاج أسهما في إعطاء صورة منفرة للمستثمرين، ولا شك أن الاستثمار يتطلب مناخاً اجتماعياً وأمنياً ملائماً، علاوة على البنية التحتية واليد العاملة".

انعدام الاستقرار السياسي

وحذر أستاذ الاقتصاد من أن "تونس تقف على حافة الهاوية"، شارحاً "تراجعت جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية. فعام 2020، لم يكن له مثيل في تاريخ البلاد، فنسبة النمو كانت في حدود 10.5 في المئة سلبي طيلة السنة. أضف إلى ذلك الإرث الثقيل الذي تعانيه البلاد إلى اليوم، وهو سوء توزيع الثروات".

وبحسب المعهد الوطني للإحصاء (مؤسسة عمومية)، بلغت نسبة النمو للثلاثية الأخيرة من 2020 ستة في المئة سلبي، وخسرت تونس أكثر من 160 ألف موطن شغل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2020 بسبب كورونا. كما شهدت المبادلات التجارية مع الخارج بالأسعار الجارية تراجعاً في الصادرات 11.7 في المئة، كما هبطت الواردات 18.7 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع، "انعدام الاستقرار السياسي، الذي تجلّى في حدة التجاذبات والصراعات بين رؤوس السلطة (الحكومة والرئاسة والبرلمان)، علاوة على عدم الاستقرار الحكومي أسهما في تآكل الرصيد الذي كانت تُباهي به تونس، وهو النسيج المتماسك من المؤسسات الصغرى والمتوسطة والثروات الاستخراجية من فوسفات وغاز ونفط، علاوة على تصدير المنتجات الفلاحية وبعض الصناعات الميكانيكية، بينما لم ترسم تونس التي عرفت تحوّلاً سياسياً في 2011، منوالاً بديلاً يراعي التغيرات الحاصلة، ويستجيب لحاجات المناطق الداخلية التي هُمّشت عقوداً من الزمن".

وفيما يتعلق بآفاق 2021، بدا قويعة متشائماً، "الوضع الأمني والاجتماعي لا يشجّع على تحسين الظرف الاقتصادي، من خلال تحفيز الاستثمار أو خلق الثروة".

التخطيط الاقتصادي الناجع

ويرى كثير من متابعي الشأن الاقتصادي والاجتماعي في تونس أن تدهور الوضع في البلاد يعود إلى افتقار العقل السياسي للطبقة التي تسلمت السلطة بعد 2011 إلى "أدوات تفكير حديثة" تقطع مع المنظومة الاقتصادية القديمة.

وفي افتتاح ندوة فكرية بعنوان "عشر سنوات للثورة أي آفاق لتجاوز الأزمة"، نظمها الاتحاد العام التونسي للشغل (منظمة نقابية) في الـ 13 من يناير (كانون الثاني) 2021 بالعاصمة، قال الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي "الوقت حان للتوجه إلى الكفاءات العلمية والفكرية، من أجل تصويب الخيارات التنموية المعتمدة"، محذراً من "تدهور التوازنات المالية الكبرى للدولة".

ويعتقد الباحث الاقتصادي منصف شيخ روحه، أن الحل يكمن في "التخطيط الاقتصادي الناجع، ووضع البرامج التنموية الملائمة للحاجات والجهات"، ملقياً بالمسؤولية على الطبقة السياسية التي أهدرت الوقت في الصراعات السياسية على حساب ملفات حيوية تهم التونسيين، على غرار الملف الاقتصادي والاجتماعي، قائلاً "هذا ما جناه السياسيون الذين حكموا تونس طيلة سنوات ما بعد 2011".

الاقتصاد الراهن لا يخلق الثروة

وبخصوص تنامي الاحتجاجات ليلاً، أقرّ شيخ روحه بمعاناة هؤلاء الشبان المحتجين، مؤكداً أن الاقتصاد التونسي في وضعه الراهن "عاجز عن خلق الثروة"، بالتالي "لا يمكنه أن يستوعب الطلبات المتزايدة على الشغل".

وتجدر الإشارة إلى أنه علاوة على ظاهرة الاحتجاجات الليلية التي شهدتها تونس طيلة ليالٍ متواصلة، شهد وسط العاصمة وعدد من المدن الأخرى يومي الاثنين والثلاثاء مسيرات احتجاجية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور، منددة بأداء الطبقة السياسية.

وقد تباينت مواقف الأحزاب من هذا الحراك الاجتماعي، بين مساند لمطالبه ومحمّل الحكومات المتعاقبة مسؤولية الفشل في الاستجابة لها، وبين من أقر بمشروعية المطالب الاجتماعية، بينما رفض الاحتجاجات الليلية واستهداف الممتلكات العامة والخاصة بالنهب والتخريب.

المزيد من العالم العربي