Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليس بتويتر وحده يمكن اختصار إرث ترمب

ولايته أحدثت تغييرات حقيقية في حياة الأميركيين

ربما أكثر ما سيذكره الناس عن الرئيس دونالد ترمب، استخدامه تويتر منبراً لإذكاء الجدل أو لتخويف الخصوم. لكن الصخب الذي أحدثته تغريداته، غالباً ما صرف الانتباه عن التغييرات السياسية الكبرى التي قام بها خلال فترته الرئاسية على مدى أربع سنوات.
كان التركيز، خلال رئاسة ترمب المتقلبة، ينصب في الغالب على ما يقوله لا على ما يفعله، وهو ينتقل من أزمة من صنع يديه إلى أخرى. لكن مراجعة لسياساته تظهر أن ترمب كان له تأثير حقيقي على حياة الناس في مجالات الطاقة والبيئة والهجرة والقضاء والأعمال والاقتصاد والتجارة والسياسة الخارجية وغير ذلك من المجالات.

الصين
سلطت إدارة ترمب الضوء على صعود الصين، وساعدت في صياغة رؤية أميركية غير حزبية تنطوي على عداء متزايد تجاه ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وجه ترمب ضربات لبكين على جبهات عدة، سواء بفرض سلسلة من التعريفات الجمركية بمليارات الدولارات على الواردات الصينية، أو فرض عقوبات على كبار المسؤولين، ومعاقبة كبرى الشركات الصينية مثل هواوي و (زد.تي.إي) وتيك توك والمؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات.
لكن بعض الحلفاء أثاروا تساؤلات عن فاعلية هذه الإجراءات، وعبروا عن أملهم في أن يبادر الرئيس جو بايدن، الذي وعد بأن يكون صارماً بالقدر نفسه مع الصين، بالتنسيق معهم بشكل أفضل لكبح جماح بكين.
وتصاعدت حدة التوتر على نحو خاص العام الماضي، عندما كرر ترمب إلقاء اللوم على الصين في تفشي فيروس كورونا الذي ظهر لأول مرة في مدينة ووهان.
وتحتدم الخلافات بين القوتين العالميتين حول طائفة من القضايا الأخرى مثل هونغ كونغ وتايوان وبحر الصين الجنوبي.
ولم يقدم بايدن أي مؤشرات على خططه تجاه الإجراءات التي اتخذها ترمب، وسيكون من الصعب عليه الفكاك من الكثير منها في ظل المشاعر الطاغية المناهضة للصين من جانب الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأمريكي.

الاقتصاد
مر الاقتصاد الأميركي أثناء ولاية ترمب بمرحلتين مختلفتين تماماً: ما قبل كوفيد-19 وما بعده.
قبل أن يضرب وباء كورونا الولايات المتحدة في مارس (آذار) 2020، وصلت البطالة إلى أدنى مستوى في 50 عاماً، وزادت أجور أصحاب الوظائف الأقل دخلاً وضاقت الفجوة بين العاطلين البيض والسود.
دفع قانون الضرائب الذي وقعه أواخر عام 2017 النمو الاقتصادي فوق ثلاثة في المئة، وهو ما وعد به أثناء حملته الانتخابية، لفترة وجيزة.
كان من الممكن أن تكون الأمور أفضل، لكن حرب تعريفات جمركية مع الصين لثمانية عشر شهراً كلفت الشركات الأميركية مليارات الدولارات، ما أثر سلباً على النمو والوظائف. وانتهت الحرب أوائل عام 2020 بعجز تجاري مع الصين أكبر مما كان عليه الحال عندما بدأت.
وساعد قيام الاحتياطي الاتحادي بخفض الفائدة ثلاث مرات في عام 2019 في تخفيف الآثار. وتحمل دافعو الضرائب نحو 50 مليار دولار في صورة دعم للمزارعين الأميركيين في عام 2020 وحده لتعويض خسارة المبيعات للصين.
وفي ظل الجائحة وإخفاق الإدارة في السيطرة عليها فإن الاقتصاد الأميركي يواجه خطر المعاناة من آثار طويلة المدى، بعد أن يترك ترمب منصبه. فقد فقد نحو 21 مليوناً وظائفهم على الفور، وما زال نحو تسعة ملايين منهم لم يستعيدوها بعد. وتعرض ملايين آخرون لخفض أجورهم أو ساعات عملهم أو خرجوا من سوق العمل تماماً.
وفي الوقت نفسه قفز الدين الأميركي بنحو 7.8 تريليون دولار إلى 27 تريليون دولار مع تراجع عائدات الضرائب على الشركات وزيادة الإنفاق لاحتواء آثار الحرب التجارية وجائحة كورونا.

تغير المناخ
اعتاد ترمب رفض الإجماع العلمي على أن الصناعة سبب في ارتفاع درجة حرارة الأرض وعبّر عن امتعاضه وخيبة أمله تجاه وكالات علمية اتحادية، منها وكالة حماية البيئة ووزارة الداخلية، وتدخل في عمل لجانها العلمية الاستشارية. كما تفاخر بسحب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس الدولية الخاصة بالتغير المناخي.
وقدم نفسه كصديق للوقود الأحفوري، وتودد لعمال مناجم الفحم ومديري شركات النفط على السواء، وأوفى بوعوده فيما يتعلق بخفض التكاليف لشركات الطاقة بإلغاء أكثر من قانون يتصل بالمناخ والبيئة.
وبينما أشادت شركات النفط والغاز بخفض ضرائب الشركات، إلا أنها تذمرت من الحرب التجارية التي أشعل ترمب فتيلها مع الصين مما يعطل سلسلة التوريد ويعرض للخطر الطلب على صادرات الغاز الطبيعي الأميركية.
تم الطعن بنجاح في المحاكم الأميركية على كثير من جهود ترمب لرفع القيود استناداً إلى أخطاء بيروقراطية في الإجراءات.
وفتح ترمب مساحات شاسعة من الأراضي العامة لأغراض التنقيب والتعدين، بما في ذلك مزاد في الآونة الأخيرة لبيع حقوق التنقيب عن النفط في محمية الحياة البرية الوطنية بالقطب الشمالي والذي جذب قليل من المزايدين.
ومن المتوقع أن يبدأ بايدن، في الأسابيع الأولى من رئاسته في إلغاء بعض من أهم القرارات التي اتخذها ترمب في هذا المجال مثل العودة للانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ، وإصدار أمر لكل وكالة حكومية اتحادية بتحديد الشخص المسؤول عن مكافحة التغير المناخي.

السياسة الخارجية
لو كان ترمب الفائز في انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، لكان أصدقاء الولايات المتحدة وحلفاؤها يستعدون حالياً لأربع سنوات أخرى لم ير العالم لها مثيلاً. وعلى الرغم من أن هزيمته الانتخابية حرمته من فرصة تنفيذ أجندته "أميركا أولاً" لمرة ثانية، إلا أن من المتوقع أن تستمر تداعياتها. قلب ترمب رأساً على عقب بعض مبادئ السياسة الخارجية الأميركية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بالتشكيك في حلف شمال الأطلسي وإثارة نفور الشركاء الأوروبيين والتقارب مع الحكام المستبدين.
ودفعه ازدراؤه للسياسة المتعددة الأطراف للانسحاب من الاتفاقيات والهيئات الدولية مثل الاتفاق النووي مع إيران ومنظمة الصحة العالمية. وتسبب تعامله مع الحلفاء في أن يجد بايدن نفسه أمام أصدقاء مصدومين وتحديات باستعادة وضع الولايات المتحدة كنصير للديمقراطية.
أوفى ترمب جزئياً بوعوده التي قطعها أثناء حملته الانتخابية بإعادة القوات إلى أرض الوطن من "حروب لا تنتهي"، لكن قوات بقيت بعد خفض عددها في أفغانستان والعراق وسوريا. وعلى الرغم من التواصل التاريخي لترمب مع كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية، إلا أنه لم يحرز تقدماً في إقناعه بالتخلي عن أسلحته النووية.
وأدى نهجه الصارم تجاه إيران إلى إصابة اقتصادها بالشلل، لكنه لم يفلح في إرغامها على العودة إلى طاولة التفاوض. ويرى مساعدو بايدن في تراكم عقوبات اللحظات الأخيرة التي تفرضها الإدارة الجمهورية محاولة لتكبيل أيديهم.
وعلى الرغم من فشله في إنجاز وعده بتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أنه توسط في إبرام اتفاقات علاقات سياسية بين إسرائيل وأربع دول عربية.

الهجرة
أنهى ترمب رئاسته كما بدأها. بتركيز كل طاقاته على الهجرة.
في أحد آخر أيامه في الرئاسة، وقف أمام جزء من سياج حدودي بطول 724 كيلومتراً في تكساس وهو يقول "لقد أنجزناه".
يُعد السياج الحديدي الذي يتراوح ارتفاعه بين 6 و10 أمتار، أبرز مثال على ما قام به لإعادة صياغة نظام الهجرة الأميركي. وضع عراقيل بيروقراطية أمام المهاجرين الساعين لدخول الولايات المتحد أو الإقامة بها. وجرى الطعن بالكثير من تلك الإجراءات في المحاكم وتم وقف بعضها بأوامر قضائية.
فرض ترمب حظراً على السفر من دول عدة ذات أغلبية مسلمة، وفي وقت لاحق تم توسيع نطاق الحظر. وقلص بشدة برنامج الهجرة الأميركي وأرغم عشرات الآلاف من طالبي اللجوء على البقاء في المكسيك انتظاراً لجلسات المحاكم الأميركية.
تسببت سياسة "عدم التسامح" التي انتهجها عام 2018 للتصدي لعمليات عبور الحدود بشكل غير قانوني، في فصل آلاف الأطفال عن آبائهم عند الحدود الأميركية المكسيكية. وتخلى فيما بعد عن هذه السياسة لكن نشطاء لم يتمكنوا حتى الآن من الوصول إلى آباء نحو 600 طفل.
ويعتزم بايدن إرسال تشريع للكونغرس يحدد "خريطة طريق واضحة للحصول على الجنسية" لنحو 11 مليون شخص يعيشون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. كما قال إنه سيلغي حظر السفر وينهي البرنامج الذي يفرض على طالب اللجوء الانتظار في المكسيك، ويسعى للم شمل الأطفال الذين فصلوا عن آبائهم.

تعيينات قضائية
لم يكن ترمب سعيداً عندما أصدر قضاة، عيّنهم بنفسه، أحكاماً ضد جهوده لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020 لكن ما قام به لإعادة تشكيل القضاء في اتجاه محافظ يبقى أحد أكبر ملامح إرثه.
وأثناء سنواته الأربع في الرئاسة عين ثلاثة قضاة في المحكمة العليا، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ قيام الرئيس ريتشارد نيكسون بتعيين أربع قضاة في ولايته الأولى. وتطغى على المحكمة الآن أغلبية محافظة بنسبة ستة إلى ثلاثة قضاة.
ويمكن لترمب توجيه الشكر لزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي جعل من التعيينات القضائية أولوية، الأمر الذي أتاح له تعيين ليس فقط قضاة المحكمة العليا، نيل غورساتش، وبريت كافانو، وآمي كوني باريت، بل أيضا عشرات من القضاة في محاكم أدنى درجة.
وعيّن ترمب 54 قاضياً في محاكم الاستئناف أي أقل بقاض واحد مما عينهم سلفه باراك أوباما خلال ثماني سنوات وهو ما يقرب من ثلث العدد الإجمالي للقضاة.
كما عيّن 174 من قضاة المحاكم الجزئية، وهي أدنى درجة في سلم القضاء الاتحادي، ما يمثل ربع العدد الإجمالي للقضاة الذين يعملون الآن في هذه المحاكم.
ويمكن لبايدن أن يقوم بجولة من التعيينات القضائية لكن الفرص محدودة لوجود عدد قليل من الأماكن الشاغرة. وربما ينتهز الفرصة لتعيين خلف للقاضي الليبرالي ستيفن براير في المحكمة العليا إذا اختار القاضي البالغ من العمر 82 عاماً التقاعد.

العلاقات العرقية
استخدم ترمب أقبح الكلمات ضد رياضيين جثوا على ركبهم احتجاجاً على الظلم العرقي، وضد نساء من السياسيات المسلمات السود اللواتي اختلفن معه وضد المهاجرين وطالبي اللجوء من غير البيض.
وقومية العرق الأبيض التي تفاقمت منذ نشأة الولايات المتحدة، ازدهرت تحت حكمه. وقفزت جرائم الكراهية وزادت الدعاية والتجنيد لحساب المنظمات المناهضة للأقليات بشكل كبير. يقول خبراء مكافحة الإرهاب إن ما شهده مبنى الكابيتول من أحداث شغب في السادس من يناير الحالي ربما يكون بداية مزيد من مخاطر العنف من جانب القوميين البيض.
استهدفت سياسة ترمب المسلمين على وجه التحديد. وقلل "حظر المسلمين" الذي فرض مبكراً من أعداد المسافرين من دول ذات أغلبية مسلمة، في حين أعيد توجيه برنامج محلي لتعقب المتطرفين، للتركيز فقط على مراقبة تهديدات الإسلاميين وتجاهل القوميين البيض.
في عام 2018 تم إلغاء التوجيهات التي تدعو الجامعات والكليات للنظر في العرق لتعزيز التنوع وتشجيع المدارس العامة على استخدام برامج تنافسية لعلاج عدم المساواة.
أدى الأمر التنفيذي الصادر في سبتمبر (أيلول) عام 2020 الذي يمنع الوكالات الاتحادية والمتعاقدين الحكوميين من تنظيم تدريب متنوع يتضمن "مفاهيم تقسيمية" إلى أن يوقف البعض أي تدريب يعتمد على العرق أو الجنس تماماً.
وكان الاستثناء الملحوظ في قانون الخطوة الأولى الصادر عام 2018، أول إصلاح قضائي كبير في نظام العدالة الجنائية خلال عقد. فقد خفض الحد الأدنى الإلزامي لأحكام السجن وسمح لبعض السجناء في جرائم اتحادية بالخروج المبكر من السجن لحسن السلوك.
وألقت وفاة جورج فلويد عام 2020 الضوء على تفاقم العلاقة بين أقسام الشرطة ببعض المدن وبين السكان. ولم يتمكن الكونغرس المنقسم من إصدار تشريع رداً على ذلك.

لوائح وقوانين
جاء ترمب إلى السلطة متعهداً بالقضاء على الروتين في الشركات الذي قال إنه يعوق النمو الاقتصادي ويضر بالوظائف.
ألغى الكونغرس بقيادة الجمهوريين وبتشجيع من إدارة ترمب سريعاً 16 لائحة تتعلق بالإقراض وإفصاح الشركات وخصوصية المستهلكين إلى جانب أمور أخرى، وخفف من الإجراءات التي تحكم عمل القطاع المصرفي التي اتخذت في أعقاب الأزمة المالية عام 2009 في انتصار تشريعي كبير. وجاءت معظم هذه الخطوات من جانب منظمين تابعين له اتخذوا مئات الإجراءات التحررية في مناحي عمل الحكومة كافة.
وبينما هاجمت جماعات من النشطاء والتقدميين الإجراءات التحررية التي اتخذها ترمب، لإضرارها بالمستهلكين أو زيادة المخاطر، إلا أن التغييرات نادراً ما كانت راديكالية، مثلما كان يخشى الكثيرون في البداية، وفي بعض الحالات حظيت حتى بدعم الديمقراطيين المتعاطفين مع فكرة أن الشركات الصغيرة سوف تستفيد منها. ومن جانبها فازت الشركات العملاقة في وول ستريت بانتصارات أقل بكثير مما كانت تريد، بل أنها في بعض الحالات وجدت نفسها في خلاف معه.
وعلى الرغم من النهج المؤيد لقطاع الأعمال الذي صبغ فترة حكمه، إلا أن وزارة العدل في إدارته قادت اتهامات ضد شركات التكنولوجيا العملاقة وفتحت تحقيقات لمكافحة الاحتكار ضد آبل وأمازون دوت كوم وفيسبوك وقامت بمقاضاة غوغل لاستغلال قوتها على الإنترنت لشل منافسيها.
وخفف فريق ترمب قوانين العمل وسمح للشركات الأميركية بإطلاق مزيد من مسببات التلوث، كما انتهج سياسة مرحبة بشكل أكبر بعمليات الاندماج والاستحواذ.
ويمكن إبطال التغييرات التنظيمية، إلى حد ما بسرعة كبيرة، من جانب إدارة بايدن. وفي ظل سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الشيوخ والنواب سيتم إبطال بعض الإجراءات التي اتخذها ترمب بموجب قانون مراجعة الكونغرس، بينما تقوم مجموعة من المنظمين الجدد بإعادة كتابة بعضها وعدم تنفيذ البعض الآخر.

المزيد من تقارير