Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تخبط في إنشاء المستشفيات الميدانية لدرء استفحال الجائحة في لبنان

تجهيزات طبية وهبات مهملة وسط كلام عن خلافات حزبية حول الاستفادة منها

المستشفى الميداني في منطقة سير الضنية شمال لبنان (اندبندنت عربية)

مرضى يتلقون العلاج في سياراتهم، طواقم طبية منهكة، ومستشفيات ميدانية مع وقف التنفيذ. ثلاث صور تختصر الإنهاك الصحي اللبناني في مواجهة جائحة كورونا، وما يزيد الطين بِلة أنه بعد مضي سنة على تفشي الوباء بقيت التجهيزات في حدودها الدُنيا، ولم تستجب مؤسسات استشفائية عدة لنداءات تجهيز أقسام "ضغط سلبي" خاصة بمرضى "كوفيد– "19لرفع الطاقة الاستيعابية وتأمين وحدات العناية الطبية المركزة.

وفي مقابل هذا التخبط والإنهاك، يبرز السؤال عن عدم اتجاه الدولة نحو إنشاء وتجهيز مراكز طبية مركزية كبرى في المحافظات للحؤول من دون سقوط القطاع الصحي والطبي بالكامل.


أين المستشفيات الميدانية؟

خلال الأيام القليلة الماضية، تصاعد الحديث عن التأخير في تركيب المستشفيات الميدانية، ووجّهت الأسئلة لوزارة الصحة حول مصير تلك التي تم تركيبها في بيروت بعد انفجار المرفأ في 4 أغسطس (آب) الماضي، بعدما قدمت عدد من الدول إسهامات في هذا المجال.
ورد مستشار وزير الصحة، رضى الموسوي، على تلك التساؤلات بالقول إن "المستشفيات الميدانية التي تم تركيبها بعد انفجار مرفأ بيروت كانت ذات صبغة عسكرية". وميّز الموسوي بين مستشفى ميداني عادي، وآخر مخصص لمعالجة مرضى كورونا، مؤكداً أنها "ركزت على معالجة الكسور وتقطيب الجروح والإصابات الحربية. اليوم، يحتاج لبنان إلى وحدات عناية مركزة".
وبحسب موسوي فإن "المستشفى الميداني الوحيد الذي تضمن وحدة عناية فائقة هو المستشفى الإيطالي، وكان يشترط عدم استقبال مرضى كورونا لعدم إصابة كوادره. وكان طاقم المستشفى الإيطالي يجرى فحص كورونا للمرضى ويوجه المصابين إلى المراكز الطبية المحلية". وأضاف أن "جميع المستشفيات الميدانية رحلت، فيما استقبل لبنان في إطار الهبة القطرية مستشفيات جديدة بدأ تركيب أحدها في سير الضنية، ويتم العمل على مناطق أخرى".
في موازاة ذلك، وبعد أن تحدثت أوساط إعلامية عن خلاف جهات حزبية حول مكان تركيب المستشفى الميداني في جنوب البلاد، أشارت وزارة الصحة في بيان أن رئيس مجلس النواب نبيه بري طلب إقامته في بيروت داخل مستشفى رفيق الحريري الجامعي، أو في المدينة الرياضية على أن تديره كوادر جامعة البلمند.
 


بانتظار التجهيز

من جهة أخرى، أنهت الفرق الفنية تركيب المستشفى الميداني في الساحة المقابلة لمستشفى سير الحكومي في منطقة الضنية شمال لبنان، فيما يستمر العمل على إنشاء مستشفى آخر في طرابلس. وبعد إنجاز تركيب الأسرّة والهياكل في الضنية، ينتظر المستشفى التجهيز الموعود به من وزارة الصحة العامة، لتأمين التجهيزات الطبية والعلاجية.
وانطلق مدير مستشفى سير الضنية الحكومي، الدكتور بشار جمال، من النسب المرتفعة للفحوص المخبرية الإيجابية، والتي بلغ متوسطها 20 في المئة، ليقول إن "أعداد الإصابات في الضنية كبيرة جداً، وهناك حاجة في المنطقة إلى هكذا مستشفى لعدم التنقل بين مستشفيات الأقضية المجاورة بحثاً عن سرير". وأضاف جمال أن "المستشفى الذي تم تركيبه يستوعب 50 سريراً عادياً، وخمسة أسرة خاصة بمرضى كورونا، وهو يحل أزمة أهالي المنطقة ويخفف الضغط عن المستشفيات الأخرى". وكشف عن استعدادات لتجهيز وحدة عناية مركزة خاصة بمرضى كورونا داخل مستشفى سير الحكومي.

وتحدث مدير المستشفى الحكومي عن تنسيق مع وزارة الصحة للحصول على تجهيزات طبية وتأمين الكادر الطبي والتمريضي، وتدريبه للتعامل مع مرضى الجائحة.

إلى ذلك الحين، يبقى المستشفى الميداني مفتقراً إلى التمويل والتجهيزات البشرية واللوجستية لتشغيله، ويعاني تحت وطأة أزمة شح الدولار. وتوقع جمال التحرك السريع للاستجابة لمتطلبات تشغيل المستشفى الميداني، جازماً بأن العائق المادي ما زال يحول دون انطلاقته. وقال، "الأزمة سريعة ونحن نحارب ضد الزمن"، ولذلك فهناك مساع لتأمين متطلبات المستشفى في أقصى سرعة ضمن فترة تراوح بين أسبوعين وشهر، لينطلق ويستمر في العمل إلى حين محاصرة الوباء.

وأشار جمال إلى أن معالجة المرضى مبدئياً ستكون على نفقة وزارة الصحة اللبنانية، من دون أن ينفي احتمال تغطية بعض المنظمات الدولية لجزء من النفقات، متطلعاً إلى الحصول على حصة من أجهزة العناية المركزة التي وصلت إلى لبنان.
وكانت وزارة الصحة ردت في بيان على ما أُثير من وجود أجهزة تنفس محجورة في المدينة الرياضية ولم يتم توزيعها على المراكز الطبية التي تعاني شح التجهيزات الطبية، فميّزت بين الأجهزة الموجودة في المدينة الرياضية، وهي أجهزة تنفسية محمولة تُستخدم لنقل المرضى من مكان إلى آخر، وتعمل لمدة محدودة لا تتعدى الساعتين، وبين الأجهزة الخاصة بمرضى كورونا الذين يعانون أوضاعاً حرجة.

وأشارت الوزارة إلى وضع الأجهزة في عهدة الجيش لتشكل جزءاً من المستشفيات الميدانية التي بدأ تركيبها، وتستخدم في نقل المرضى.    

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


على شفير السقوط

وأدى فيض المشاهد الصادرة من داخل غرف الطوارئ والعزل إلى خوف جدي على القطاع الاستشفائي في لبنان، الذي طالما اعتُبر الوجهة العلاجية الأولى لمرضى الشرق. ففي لبنان 844 وحدة عناية مركزة موزعة على كل المناطق، وبلغت وحدات بيروت مرحلة الإشغال التام. وبحسب بيانات اللجنة الوطنية لمواجهة كورونا، ازداد الإشغال الأسبوعي الإضافي خلال الأيام الماضية 156 سريراً ، و71 سريراً في ما سبقها. ويشكل هذا الرقم ارتفاعاً حاداً عن الفترة التي سبقت عيدَي الميلاد ورأس السنة، حيث كان الإشغال الأسبوعي الإضافي يراوح بين 20 و  30سريراً، ما فاقم أعباء المستشفيات.
وفي موازاة الإشغال السريع لأسرّة العناية الفائقة، يزداد الخوف على حياة المرضى الجدد.

وفي السياق، يبرز رأي الدكتور رئيس لجنة استقبال اللقاح في لبنان، عبدالرحمن البزري، الذي أكد في وقت سابق أن أية زيادة لعدد أسرّة العناية الفائقة لن يكون كافياً، في غياب الوعي المجتمعي واتخاذ الإجراءات الوقائية، مثل التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات والنظافة الشخصية.
من جهته، رفض عضو اللجنة الوطنية لمكافحة وباء كورونا البروفسور جاد مخباط، الحديث عن سقوط النظام الصحي في لبنان، وفضّل الإشارة إلى حال "إنهاك بفعل الضغط المتزايد، إلا أن القطاع الصحي ما زال صامداً لأنه متين". وتحدث مخباط عن "جملة عوامل أسهمت في الإرهاق، بدءاً بتعب الجسم البشري للقطاع الصحي، مروراً بنقص السيولة المادية وغياب الدولار، وعدم قدرة المستشفيات على تأمين المستلزمات الطبية والدوائية لإتمام عملها بطريقة صحيحة، ووصولاً إلى مغادرة عدد كبير من الأطباء القيّمين بالنسبة للبنان".
وأشار مخباط إلى أن "الجسم الطبي الحالي لا يزال قادراً على الاستمرار في أداء مهمته شرط الحصول على الدعم والمساعدة". وعلّق على اقتراح إنشاء مستشفيات مركزية في المحافظات بدلاً من الضغط على النظام الصحي القائم، لافتاً إلى أن "المستشفيات الميدانية غير مهيأة لاستقبال مرضى كورونا، لذلك يمكن استعمال النظامية منها لاستقبال مرضى الجائحة الذين يشكلون غالبية ساحقة من المرضى الحاليين، فيما يمكن تخصيص المستشفيات الميدانية الموهوبة لمعالجة المرضى العاديين".
وأمام حال الإشباع لدى المستشفيات، وعدم القدرة على استقبال المرضى العاديين، تبرز أيضاً مشكلة "تهرب بعض المرضى من الدخول إلى المؤسسات الطبية لعدم التقاط العدوى بكورونا"، وبالتالي يتخوف مخباط من عدم قدرة المرضى العاديين من الحصول على الاستشفاء، لأن هذا الأمر سيُفاقم عدد الوفيات العادية بسبب عدم تلقي العلاج، والتي لن يُعلن عنها لأنها ليست ضمن وفيات كورونا.


نحو حل سريع

مع بلوغ لبنان الخطوط الحمراء، يُطرح السؤال: هل من سبيل للحل؟ البرفسور مخباط يجيب بأن "أي حل لأزمة كورونا لا بد أن يبدأ من وقف انتقال الفيروس"، مطالباً بالتشدد بتطبيق الإقفال العام، مستهجناً عدم امتثال بعض المناطق للإغلاق، حيث بقي الناس بكثرة في الأسواق والطرقات.
من ناحية أخرى، شدد مخباط على "فرض التجهيز لاستقبال مرضى كورونا على المستشفيات الحكومية والخاصة لرفع قدرتها الاستيعابية على الرغم من التأخر في ذلك تسعة أشهر، وتكريس ثلثي أقسام العناية الفائقة لمرضى كورونا، وتأمين الأجهزة المساعدة في التنفس، وفريق تمريضي وطبي مجهز ومدرب".
وأمام التعثر يبقى الأمل مبنياً على وصول اللقاح إلى لبنان، فقد استغرب مخباط "التأخر في إقرار التشريع لمدة ثلاثة أشهر وترك الأمور إلى اللحظة الأخيرة، على الرغم من معرفة البيروقراطيين بوجود عقبة قانونية تواجه التعاقد مع فايزر يُفترض تذليلها". ودعا إلى اعتماد أكثر من لقاح لتأمين أوسع نطاق للتلقيح والمناعة، وفتح الباب أمام باقي اللقاحات المعتمدة، معتبراً أن "الحديث عن طفرة جينية خاصة بلبنان أمر يحتاج إلى بعض التدقيق وإجراء الدراسات لمقارنته بما جرى في بريطانيا والبرازيل".
في المحصلة، يزداد تأزم الواقع الصحي في لبنان، بينما ترتفع معدلات الفقر ويجد المواطن اللبناني نفسه بين خيارين، إما الموت فقراً أو بسبب التقاط عدوى كورونا، في وقت بدأ فيه الحديث عن قرض بقيمة 246 مليون دولار من البنك الدولي لتأمين الحد الأدنى لمظلة الأمان الاجتماعية.