Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عاش يا كابتن" يصالح  الجمهور العريض مع السينما التسجيلية

المخرجة مي زايد تصور تمارين فتيات يرفعن الأثقال في ساحات حي شعبي بالإسكندرية

عصمت منصور بطلة الفيلم التسجيلي المصري (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - الخدمة الإعلامية في مهرجان القاهرة السينمائي)

وصفت المخرجة المصرية الراحلة عطيات الأبنودي، في حوار صحافي معها، تجربتها مع السينما التسجيلية بمحاولة "وصف مصر بالكاميرا". وهي عبارة شاعرية، لكن أيضاً حقيقية يمكننا استعادتها ونحن نشاهد الفيلم التسجيلي "عاش يا كابتن". وهو الفيلم الذي يُذكرنا أيضاً بالبدايات الذهبية لهذا النوع من السينما في مصر، مع صدور "الجريدة السينمائية"، التي لم تكن سوى توثيق لمشاهد الحياة اليومية من دون تدخل من مُخرج العمل ومصوره في سير هذه المشاهد أو الأحداث. الفيلم من إخراج (وإنتاج) مي زايد، ومونتاج سارة عبد الله، وتصوير محمد الحديدي، وتصميم صوت سمير نبيل، وموسيقى ماريان منترب. وقد عرض في عدة مهرجانات دولية، وحصل على جوائز من بينها؛ جائزة اليمامة الذهبية لأفضل فيلم في المسابقة الألمانية بمهرجان "دوك لايبتزغ"، ومن مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الماضية حصل على ثلاث جوائز هي "جائزة الهرم البرونزي لأفضل عمل أول أو ثان، وجائزة يوسف شريف رزق الله (الجمهور)، وجائزة إيزيس لأفضل فيلم مصري يبرز دور المرأة".

يركز "عاش يا كابتن" على موضوع، لا يعرف عنه الجمهور العادي ما يكفي من معلومات، وأبطاله أو بالأحرى بطلاته لسن نجمات في وسائل الإعلام، هن رافعات الأثقال المراهقات والشابات، ومدربهن الخفيف الظل "كابتن رمضان". تسجل الكاميرا هنا ما يشبه يومياتهن في التدريب وسط الشارع، في المساحات العامة، من حي شعبي في مدينة الإسكندرية، بإمكانيات بسيطة جداً، يسعى لتوفيرها لهن كابتن رمضان. لا تنتمي الفتيات إلى اسم ناد كبير، ولا يحصلن على أي دعم من الدولة، لا من أجل الالتزام في التدريب الشاق بالطبع، ولا في الإنفاق على النظام الغذائي الواجب اتباعه. إنهن ينتمين فقط إلى الكابتن رمضان، الذي يُعلن عن عمله باعتباره "مصنع الأبطال"، ويفخر كثيراً بأن ابنته التي دربها بنفسه "نهلة رمضان"، قد حصلت على المركز الأول في بطولة العام لرفع الأثقال بكندا عام 2003.

يولي الكابتن رمضان، وبالتالي الفيلم، اهتماماً خاصاً بإحدى الفتيات، وهي "زبيبة"، كما يدعوها الكابتن رمضان، واسمها الحقيقي "أسماء رمضان"، يلمس المُدرب عند زبيبة شيئاً مختلفاً، بطولة ما، ويلمس الفيلم، وبالتالي المشاهدون، في حكايتها نوعاً من الدراما المُفرحة المُؤلمة، التي تحمل لحظات إنسانية نمر بها جميعاً. يعرض الفيلم هذه المشاهد، أو بمعنى أصح ينساب معها، بحيث يصبح المتفرج كأنه أحد الجالسين وسط التدريب، أو أحد أفراد الجمهور الذي يحضر مسابقات رفع الأثقال التي تُشارك الفتيات بها. بقوة السينما التسجيلية، يُصبح "عاش يا كابتن" طرفاً ثالثاً في هذه اللعبة، التي وإن كانت ستُثير الضحك أحياناً، بفضل الإيفيهات التي يطلقها كابتن رمضان، وتعاطيه الساخر مع نجاح فتياته ومع إخفاقاتهن، فإنها ستُثير كذلك قلقنا، في مشاهد الاختبارات الحقيقية لشهور من التدريب، أمام المحكمين الدوليين.

"موضة قديمة"

في كل ذلك، لا يُخاطب أحد الكاميرا خطاباً مباشراً، بل يبدو أن أحداً لا يعبأ بوجودها. وباستثناء تدخلات محدودة قليلة للموسيقى في الفيلم، يحمل شريط الصوت بصمات الحياة اليومية، من بذاءات الصبيان الذين يتحرشون بالبنات أثناء التدريب، وردود الكابتن رمضان عليهم، أو صوت السيارات والقطارات والباعة الجائلين، أو الأغنيات التي تمر عفواً على آذان البطلات، وأناتهن أثناء التدريب، وتشجيع الزميلات لهن. طوال الفيلم، نشاهد إخلاصاً نادراً من الكابتن رمضان لقضيته، التي في جوهرها هي قضية المساواة بين النساء والرجال، ويقول إن التفريق بينهما "موضة قديمة وبطلت". ولا يتوقف عن محاولة إقناع عائلات المُراهقات، بل وحتى شيوخ الجوامع القريبة، عن أهمية ما تقوم به أولئك الفتيات. وفي مشهد آخر يقول كابتن رمضان، إنه حتى الرقص ليس حكراً على النساء بدليل أن "تحية كاريوكا كان يدربها راجل"، ليعلمنا ببساطة شديدة كيف يمكن للإنسان أن يعيش ما يؤمن به، بدلاً من أن يتكلم عنه.

رياضة "رفع الأثقال" في الوعي الجمعي، مع أن الأصح أن نقول "اللاوعي الجمعي"، بسبب الجهل بالتفاصيل، ترتبط بالعضلات البارزة، بالذكورة المُبالغ فيها، وهي فكرة أخرى يساعدنا الفيلم على التخلص منها. عندما تمارس "زبيبة" هذه اللعبة فإنها تمارسها بكل رقتها وهشاشتها الإنسانية، تبكي عندما تخفق في رفع ثقل كانت في السابق قد تجاوزته، لا تثق بنفسها، وتصاب بالحزن عندما تُخيب أمل الكابتن "رمضان" فيها. وهو أيضاً يستاء منها أحياناً، ويصرخ عليها "لا ليكي طعم ولا لون"، أو"لما أموت هتعرفي قيمتي".

زبيبة والكابتن

قد تعتبر العلاقة التي تنسج بين زبيبة وكابتن رمضان هي العمود الفقري للفيلم، طوال أربع سنوات صُوّرت خلالها مادة الفيلم، مرت العلاقة بكل شيء. من المودة والتشجيع بلا حساب، إلى غضب الكابتن على زبيبة، بسبب  اهتزازها في التمرين، وحتى انقطاعها لفترة. ثم أيضاً هناك فصل استئناف هذه العلاقة، وسعي زبيبة إلى بذل قصارى جهدها في المسابقات. وبينما ننمي نحن أيضاً علاقتنا بزبيبة وزميلاتها من جهة، وبكابتن رمضان من جهة ثانية، بعمله الدؤوب، ومفاوضته في شراء معدات التدريب من بائعي الروبابكيا، وحضوره في المسابقات، يأتي خبر وفاته ليكون ضربة قاصمة، لزبيبة وزميلاتها، وبالمثل لنا أيضاً كمشاهدين وقد تعلقنا بالرجل، بشخصيته وأبوته.

وعلى الرغم من أن الفيلم، يتبع نهجاً واقعياً، وتكتفي مخرجته بالمراقبة والتوثيق من بعيد لما يحدث، فإن التعبير السينمائي في الفيلم، يتحقق بأسلوب خاص، ويصل إلى ذروته في مشهد وفاة كابتن رمضان. ذات يوم، ييمم الكابتن شطر مكان التدريب، بعد أن رحلت الفتيات، ويُغني لنفسه، قبل أن ينسحب إلى غرفته في منتصف الساحة، ويُطفئ النور لينام. تعرض الكاميرا بدايةً، الأماكن الخالية، وقد سادها الظلام، تتدخل الموسيقى بنغمة مربكة تبشر بحدث مخيف، ثم نعرف عن وفاته، من قصائد الرثاء التي تلقيها البنات، من البكاء الذي يجتاح الجميع، بمَن في ذلك المتفرجين في دار العرض.

ويصبح السؤال هل تتمكن زبيبة من تجاوز وفاة الكابتن رمضان، هي التي حصدت معه عدة بطولات منها بطولة أفريقيا؟

النجاح ليس خطاً مستقيماً

طوال الفيلم، تخطفنا زبيبة بصمتها الطويل، والتزامها بالتدريب حتى في أصعب الأوقات التي تشكك خلالها في موهبتها، وقدرتها على الاستمرار والنجاح. قد يكون من المناسب أن نعيد صياغة بيت الشعر الشهير لأحمد شوقي الذي يقول "على قدر الهوى يأتي العتاب..."، لنقول في حالة زبيبة "على قدر الموهبة، يأتي الشك". ذلك أن ارتفاع المعنويات، وتحقيق الأهداف، والفوز بالمسابقات، تعقبها دائماً في حالة زبيبة نوبات من الخوف والحيرة، والتعثر أمام تحديات أقل بكثير. لكن زبيبة تواصل، على الرغم من الخوف والحيرة، وهو درس كبير تُعلمه لنا البطلة زبيبة بطريقتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تُكمل زبيبة وزميلاتها التمرُّن مع مدرب جديد شاب، يذكرهن في كل لحظة بمدربهن البطل "كابتن رمضان". ولنتخيل كيف تنزل دموع البنت الحارة، وهي في منتصف التدريب، فيما تحاول رفع أسطوانات من الحديد الثقيل، الذي يستنفر كامل الجسد.

كان مشاهدة "عاش يا كابتن"، في عرضه الأخير في مهرجان القاهرة السينمائي الذي أقيم في ديسمبر (كانون أول) الماضي، تجربة مُمتعة، جميلة، ومؤلمة، تجربة لا تُنسى. لكنها من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء، تجربة تعيد التأكيد على سحر السينما التسجيلية وقدرتها غير المحدودة على وصف الواقع، وتحليله، وتفكيكه ثم تركيبه لبعثه من جديد. انجذب كثير من محبي الأفلام لمشاهدة "عاش يا كابتن"، ونفدت تذاكره في كل عرض أعلن عنه أثناء المهرجان، إضافة بالطبع إلى حصوله على جائزة "الجمهور" التي تنالها الأفلام بتصويت المُشاهدين. بلا شك سوف يحقق الفيلم أكثر، حين يعرض بالصالات بعد تخطي أزمة وباء كورونا العالمي، وتأثيرها على عروض الأفلام. وهذا ما يجعلنا نحلم، مثل المخرجة الراحلة عطيات الأبنودي، بالمزيد من الأفلام التي "تصف مصر". ولعل "عاش يا كابتن" يكون خطوة في طريق تطبيع الجمهور مع السينما التسجيلية، السينما التي تعبر عنهم من دون وسطاء.    

 

المزيد من ثقافة