Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يُغرق بريكست قطاع صيد الأسماك الاسكتلندي؟

قد تكون ضربته دائمة أو مميتة لنشاط اقتصادي يفترض إنه الأكثر استفادة من مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي

سفن صيد متوقفة في أحد المرافئ الاسكتلندية (رويترز)

أخرج بريكست في الواقع الأساطيل الاسكتلندية من البحر. إذ علقت صادرات كثيرة من الأسماك والمحاريات إلى الاتحاد الأوروبي هذا العام في الترانزيت، ثم تلفت. وتشير تقارير لمجموعات في ذلك القطاع إلى انخفاض الصادرات باتجاه القارة بمقدار النصف، وانهيار أسعار غلة الأساطيل، وتوقف كثير من القوارب عن العمل. وهبّت جماعات الضغط إلى العمل، محذّرة من اقتراب مؤسسات من حافة الانهيار، ومطالبة الحكومة البريطانية باتخاذ إجراءات. وفي الأسبوع الجاري، سُئِل بوريس جونسون عن تلك الفوضى، فأصر على أنها "مؤقتة". وكذلك وصف وزير الغذاء والبيئة جورج يوستيس هذه الصعوبات الخميس بأنها "مجرد مشاكل بسيطة". وزعم أيضاً أن "البضائع ستتدفق فور اعتياد الناس على إجراء المعاملات".

لكن هل الأمر صحيح؟ هل يكون ذلك بمثابة ضربة دائمة، بل ربما مميتة، لقطاع وُصِف بأكثر القطاعات استفادة من بريكست وأعطاه الوزراء في مفاوضات الاتفاق التجاري الأولوية على قطاعات أخرى كثيرة؟

أولاً، من الأهمية بمكان إيضاح طبيعة المشكلة.

إذ تُبَاع أغلبية الأسماك التي تصطاد في اسكتلندا داخل أسواق الاتحاد الأوروبي. وتباع أيضاً أنواع كالكولي والمغريم وكذلك محاريات كالإسقلوب وجراد البحر، أساساً إلى أسواق الاتحاد الأوروبي ومطاعمه. ولكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 ديسمبر (كانون الأول) جعل المملكة المتحدة بلداً ثالثاً في ما يتصل بالسوق المشتركة والاتحاد الجمركي الأوروبيين.

ويُرتب ذلك فوراً على أي مصدّر للمنتجات الحيوانية إلى الاتحاد الأوروبي، وضمنهم مصدّري الأسماك والمأكولات البحرية، ضرورة إجراء كمية كبيرة (وجديدة تماماً) من المعاملات. بالنسبة إلى الأسماك، تتراوح هذه المعاملات بين شهادات الصيد وشهادات الصحة التصديرية (مع توقيع أطباء بيطريين على كل شحنة) وإعلانات السلامة والأمن. وينطوي تصدير الأسماك إلى الاتحاد الأوروبي الآن على عملية تتألف من أكثر من 12 خطوة بيروقراطية مرهقة، وفق الدليل الذي توفره الحكومة نفسها. ولم تكن مؤسسات كثيرة تصدر المأكولات البحرية، مستعدة لمتطلبات بيروقراطية كهذه، تُعرَف أيضاً بالحواجز غير الجمركية.

واستطراداً، ملأت المؤسسات النماذج في شكل غير صحيح أو غير مكتمل، ونتيجة لذلك مُنِع دخول كثير من الشحنات إلى الاتحاد الأوروبي. ورفضت أنظمة كمبيوتر حدودية وُضِعت حديثاً على جانبي القناة الإنجليزية، بعضاً من تلك الشحنات. وتُلحِق هذه التأخيرات الضرر في شكل خاص بقطاع كقطاع المأكولات البحرية لأن الصادارت يجب أن تكون طازجة، وفي الأغلب حية وفق ما يحصل مع المحاريات، فتفسد بسرعة، ما يجعلها من دون قيمة.

وتالياً، انتشر تأثير هذه التأخيرات في الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.

فقد توقفت بعض شركات الخدمات اللوجستية الضخمة التي تنقل السلع عبر الحدود، مؤقتاً عن استلام المأكولات البحرية في شاحناتها من بعض الموردين الاسكتلنديين الأصغر حجماً لأن كل شحنة مهددة بالوقف الكامل في حال كان جزء من المعاملات الخاصة بها غير سليم. ونتيجة لذلك، رأت هذه الشركات أن من الأسلم لها عدم نقل شحنات، لمجرد إمكانية أن تكون إشكالية. ومن جهة اخرى، تُفرغ بعض القوارب الاسكتلندية غلتها في الدنمارك كي تتجنب المشاكل الجديدة الخاصة بالتصدير من المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن ذلك يهدد قطاع معالجة الأسماك الاسكتلندي الذي يوظف نحو ثمانية آلاف شخص (أكثر بـ60 في المئة من مجموع العاملين في شكل مباشر في صيد الأسماك).

وتوقف آخرون ببساطة عن صيد الأسماك، لأن لا مبرر للصيد مع استحالة بيع الغلة.

ولا تقتصر المشكلة أبداً على اسكتلندا. إذ يشير التجّار في "دورست" إلى صعوبات مماثلة في مجال التصدير، لكن اسكتلندا هي أكبر مركز لصيد الأسماك في المملكة المتحدة. وتعتبر المأكولات البحرية ثاني أكبر صادرات اسكتلندا بعد الويسكي. ويدعو القطاع هناك إلى "فترة سماح" تمتد إلى ستة أشهر بهدف السماح للمؤسسات بالتعود على المتطلبات البيروقراطية الجديدة وتدريب البائعين على كيفية التعامل مع النظام.

وتبرز مشكلة تتأتى من أن تعاون الاتحاد الأوروبي مطلوب في هذا الصدد، حتى لو رغبت حكومة المملكة المتحدة في منح هذا الحق. وفي أعقاب بريكست، فقدت لندن نفوذها كله تقريباً في بروكسل. وقد يضغط المستهلكون الأوروبيون للمأكولات البحرية الاسكتلندية على حكوماتهم كي تساعد مؤقتاً في التخفيف من متطلبات الاستيراد. فمن المحتمل أن يرفع التعطل أسعار هذه المأكولات أو أن يجعل بعض الأنواع غير متوافرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم ذلك يشكك خبراء في النجاح. إذ يتساءل سام لاو من "مركز الإصلاح الأوروبي" عن "ماهية الحافز الذي قد يدفع الاتحاد الأوروبي الذي اضطر إلى التخلي عن حصة في صيد الأسماك في سبيل التوصل إلى اتفاق، إلى إفساح المجال أمام تخفيف العواقب المتوقعة في قطاع كان معادياً ظاهرياً لمصالح الكتلة [الأوروبية] طيلة المفاوضات؟"

وفي مسار متصل، ينبغي التشديد على أن محللي التجارة أبرزوا بصورة مكثفة هذه المشاكل الجديدة المتعلقة بالعراقيل الحدودية. وفي المقابل، رفضت حكومة المملكة المتحدة في المفاوضات طلب فترة زمنية تعطى للتطبيق المتطلبات التجارية الجديدة مرحلياً. وعشية عيد الميلاد، زعم بوريس جونسون في شكل خاطئ تماماً، أن الاتفاق الذي أبرمته حكومته من شأنه "ألا ينشئ حواجز غير جمركية" مع الاتحاد الأوروبي.

ولعل أي مؤسسة تعمل في مجال صيد الأسماك تسمع هذه الكلمات من رئيس الوزراء، كانت لتخلص إلى أنها لا تحتاج إلى الإعداد لمعاملات جديدة، أو أن تأخذ على محمل الجد نصيحة الحكومة في مجال الاستعداد. وكذلك حذر محللون من أن خطاب مؤيدي بريكست حول استعادة السيطرة الكاملة على مياه المملكة المتحدة، وتقديمه نيل حصص صيد وطنية أكبر بوصفه تعزيزاً كبيراً لقطاع صيد الأسماك البريطاني، كان مضللاً وربما خطراً في ضوء الاعتماد الكبير لدى الأساطيل البريطانية على البيع في الأسواق الأوروبية. وتمثّل الخطر دوماً في أن تفوق تكاليف الأعباء البيروقراطية للمبيعات الجديدة، الفوائد المترتبة على زيادة الحصص.

وفي ملمح متصل، يرى القطاع الاسكتلندي إمكانية لإنقاذ الموقف.

إذ ترى المديرة التنفيذية لـ"جمعية المأكولات البحرية الاسكتلندية"، دونا فورديتشي، إنه "بقليل من التسهيلات، من الممكن إصلاح النظام وإعادة إطلاقه، وستتمكن المؤسسات بعد ذلك من الاستمرار في التحرك". وكذلك ألمح رئيس الوزراء الأربعاء الماضي إلى تخصيص تعويض للصيادين المتضررين من الأزمة، يُضَاف إلى صندوق بـ100 مليون جنيه استرليني (136.5 مليون دولار) مخصص لتطوير صيد الأسماك بعد بريكست، وعد به (وزير شؤون مجلس الوزراء) مايكل غوف أخيراً.

وفي المقابل، حتى مع الدعم المالي في الأجل القريب، كلما طال أمد الفوضى، تعاظم خطر التبدّل الدائم في أنماط العرض والطلب في تجارة المأكولات البحرية مع الاتحاد الأوروبي، وكذلك الأضرار الدائمة التي لحقت بالمجتمعات المحلية لصيادي الأسماك في المملكة المتحدة بعد أن وعدها بريكست بـ"بحر من الفرص".

وفي ذلك الصدد، أشارت أليلي رينيسون من "معهد المديرين"، إلى إنه "بالنسبة إلى بعض المؤسسات، قد يكون التعطل المؤقت أمراً يمكن التحكم فيه، لكن في هذا القطاع وعلى هذا النطاق، تواجه الشركات خسارة أرزاقها بالكامل من دون مهلة كافية للتكيف. فمن يخسر عميلاً، تكون خسارته دائمة في حالات كثيرة".

وفي سياق متصل، ذكر زعيم الغالبية المحافظة في مجلس العموم البريطاني، جاكوب ريس-موغ، لدى سؤاله عن الأزمة الخميس الماضي، إن الحكومة "تعالج المسألة"، وأضاف ممازحاً، "المهم الآن أن الأسماك أصبحت بريطانية وهي أفضل وأسعد". ومن المستبعد أن يرى صيادو الأسماك الاسكتلنديون المهددون بفقدان سبل عيشهم، الجانب الطريف في تلك المسألة!

© The Independent