Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معضلة دستورية تواجه "عزل" ترمب بعد ترك منصبه

لا جواب واضحاً لكن السوابق التاريخية قد تحسم الجدل

لن تبدأ محاكمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مجلس الشيوخ بتهمة التحريض على التمرد والعنف ضد الكونغرس، إلا بعد أن يترك منصبه ويصبح الرئيس المنتخب جو بايدن رئيساً، يوم الأربعاء المقبل 20 يناير (كانون الثاني) الجاري. وبينما يحتفظ مجلس الشيوخ بالسلطة الدستورية لإجراء محاكمة ترمب، تفجر الخلاف في شأن دستورية هذه المحاكمة بين رجال القانون وفقهاء الدستور، بل بين عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، في شأن نقطة جوهرية، هي: هل تجوز محاكمة تحت عنوان "العزل" لرئيس سابق بعد أن يترك منصبه؟

يثير تسلسل الإجراءات بدءاً من توجيه الاتهام في مجلس النواب ضد الرئيس ترمب بالتحريض على التمرد قبل مغادرته منصبه، ثم محاكمة عزله وإدانته في مجلس الشيوخ بعد أيام أو أسابيع من تولي بايدن سُدة الحكم، تساؤلات عما إذا كانت نصوص الدستور الأميركي تسمح بمحاكمة رئيس أو مسؤول عام فيدرالي في السلطة بقصد عزله من منصبه ولا تسمح بذلك إذا ما ترك هذا المنصب، أم أنها تسمح بتوجيه الاتهام والمحاكمة.

يشير الدستور إلى اتهام الرئيس ونائبه وكبار المسؤولين في المناصب الفيدرالية في ستة مواضع ومحاكمتهم، لكنه لا يجيب بوضوح عن هذا السؤال المحدد.

محاكمة غير دستورية

بعض فقهاء القانون، ومنهم مايكل لوتيج وهو قاض سابق في محكمة الاستئناف الفيدرالية، يرى أنه بمجرد انتهاء ولاية ترمب، يفقد الكونغرس سلطته الدستورية لمواصلة إجراءات العزل والإدانة ضده، حتى لو كان مجلس النواب قد وافق على مواد الاتهام مثلما حدث الأربعاء الماضي. وبالتالي، لا يحق لمجلس الشيوخ إدانة الرئيس السابق ونزع أهليته من تقلد مناصب فيدرالية عامة في المستقبل بموجب الدستور.

يعود السبب في ذلك، بحسب رأي هؤلاء، إلى أن ترمب لن يكون أثناء محاكمته شاغلاً منصبه الرئاسي، ويجب ألا يخضع بعد 20 يناير للإدانة التي تستوجب العزل من قبل مجلس الشيوخ وفقاً لبنود العزل في الدستور. بمعنى آخر، فإن السلطة الوحيدة المخولة لمجلس الشيوخ بموجب الدستور هي إدانة أو عدم إدانة رئيس حالي وليس رئيساً سابقاً. الأمر الذي يتواءم مع الغرض من بنود ونص الإقالة في الدستور الذي يؤكد هذا الفهم البديهي والفطرة السليمة.

وانضم السيناتور الجمهوري توم كوتون وعدد آخر من أنصار ترمب إلى قائمة المعترضين على المحاكمة استناداً إلى هذا المنطق، إذ اعتبروا أن الدستور لا يدعو إلى إقالة مواطنين عاديين من مناصبهم لأن مفهوم الإقالة الدستوري يفترض في حد ذاته محاكمة وإدانة وعزل الرئيس الذي كان وقت توجيه الاتهام إليه شاغلاً منصبه، على اعتبار أن هذا هو الغرض من سلطة إقالة رئيس أو أي مسؤول مدني فيدرالي آخر من منصبه، قبل أن يتمكن من إلحاق مزيد من الضرر في الأمة عبر استمراره في المنصب.

نصوص العزل في الدستور

تنص المادة الثانية من الدستور في القسم الرابع على أنه يجب عزل الرئيس ونائب الرئيس وجميع المسؤولين المدنيين في الولايات المتحدة من مناصبهم بعد إدانتهم بتهم الخيانة والرشوة أو الجرائم الخطيرة الأخرى والمخالفات والجنح.

وفي مادته الأولى في القسم الثالث، ينص على أنه لا يجوز أن يمتد الحكم في قضايا المساءلة إلى أبعد من الإقالة ونزع الأهلية لشغل أي منصب يتعلق بالشرف أو الثقة أو تحقيق الربح في الولايات المتحدة.

دور المحكمة العليا

لكن، إذا طعن الرئيس السابق أمام محكمة فيدرالية في دستورية محاكمة الكونغرس التي تستهدف إدانته باعتبارها غير دستورية، فمن المؤكد أن الكونغرس سيستند إلى سوابق تاريخية حدثت قبل أكثر من مئة وخمسين عاماً، وهي قضية من المحتمل أن تشق طريقها إلى المحكمة العليا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وربما تكون لدى المحكمة العليا وحدها الإجابة عما إذا كان في إمكان الكونغرس محاكمة وإدانة رئيس ترك منصبه قبل بدء إجراءات المحاكمة.

غير أن فقهاء آخرين في القانون الدستوري يرون أنه يمكن للكونغرس محاكمة وإدانة رئيس أو مسؤول سابق، إذ يشير لورانس ترايب أستاذ القانون بجامعة هارفارد إلى أن الأحكام الخاصة بالإقالة ونزع الأهلية الوظيفية من كبار المسؤولين كانت تثير بعض الخلاف حول اللغة المستخدمة في الدستور. وهو ما حدث خلال محاكمة القاضي ويست همفريز في العام 1862، والذي دانه مجلس الشيوخ ومنعه من تقلد أي منصب يتعلق بالشرف والثقة، كما ينص الدستور.

وتكرر ذلك عبر تحقيق برلماني في سلوك القاضي هاليستد ريتر الذي جرت محاكمته وإدانته من مجلس الشيوخ في العام 1936، واتفقت المحكمة الوحيدة التي عالجت القضية آنذاك مع مجلس الشيوخ في أن محاكمة العزل يمكن أن تستمر حتى بعد أن يغادر المسؤول منصبه.

أسباب منطقية

من المنطقي، أن أي مسؤول سابق لن يتم عزله طالما ترك منصبه حتى بعد إدانته بأغلبية ثلثي الأصوات في مجلس الشيوخ، لكن ذلك لا يؤثر في منع المسؤول السابق من تولي أي منصب يتعلق بالشرف والثقة بشكل دائم بعد إدانته، وهو أمر يتطلب التصويت في المجلس بشكل منفصل بالأغلبية البسيطة أي أكثر من نصف أعضاء مجلس الشيوخ.

ويؤكد المؤيدون لدستورية محاكمة الرئيس أو المسؤول بعد مغادرته منصبه أن استخلاص نتيجة مغايرة من شأنه أن يؤدي إلى محو سلطة من نص الدستور، بمعنى أنه إذا أصبح المسؤول الخاضع للمساءلة محصناً من المحاكمة والإدانة عند ترك منصبه، فإن أي مسؤول يقترب مجلس الشيوخ من إدانته، يمكن أن يستقيل من منصبه قبل لحظات من صدور حكم الإدانة، بالتالي يتجنب بسهولة منعه من تولي أية مناصب مستقبلية كما ينص الدستور.

لهذا، يرى هؤلاء أن التجارب التاريخية والفهم الأصلي لمقاصد الدستور وممارسات الكونغرس السابقة، تعزز اليقين بأن نهاية حكم ترمب لن تمنع محاكمته في مجلس الشيوخ.

الأصل التاريخي

علاوة على ذلك، يشير أنصار محاكمة المسؤولين بعد ترك المنصب، إلى أن سلطة الإقالة نبعت في الأصل من السلطة التي تمتع بها البرلمان البريطاني، وحينما وضع الآباء المؤسسون الدستور الأميركي، برزت إجراءات العزل التي استخدمها البريطانيون في مفهوم واضعي الدستور الأميركيين، إذ وردت إشارات متكررة حول محاكمة البرلمان الإنجليزي لوارين هاستينغز حاكم الهند السابق خلال المؤتمر الدستوري في فيلادلفيا، حيث استكملت بعد تركه منصبه.

لهذا لم يكن من المستغرب أن الكونغرس اعتبر على مدى التاريخ أن سلطة بت محاكمة وإقالة المسؤولين تمتد إلى ما بعد خروجهم من المنصب. وقد أثير هذا السؤال للمرة الأولى خلال محاولة عزل السناتور وليام بلونت عام 1797، إذ وافق أحد المدعين الرئيسيين في مجلس النواب مع محامي بلونت، على أن المسؤول المدني لا يمكنه الفكاك من المساءلة عبر تقديم استقالته، ووافق الرئيس جون آدامز على هذا الرأي، مُعلناً أنه ملتزم طوال حياته بالخضوع للمساءلة والمحاكمة من الكونغرس عن كل ما فعله خلال فترة توليه المنصب العام.

في مثال آخر، استقال وزير الحرب وليام بيلكناب عام 1876 قبل دقائق قليلة من توجيه اتهامات لعزله في مجلس النواب، ومع ذلك استمر في إحالة خمسة اتهامات على مجلس الشيوخ لمحاكمته، وصوت 37 عضواً مقابل 29 لمصلحة محاكمة الوزير وإدانته على الرغم من استقالته من المنصب.

مقاصد المحاكمة والإدانة

يعتبر كثيرون أن المقاصد الرئيسة من المحاكمة والإدانة ليست العقاب في حد ذاته، إنما منع المسؤولين الذين خانوا يمين الولاء للوطن والالتزام بالدستور من ارتكاب مزيد من الانتهاكات، بالتالي الحيلولة دون إلحاق أي ضرر في المستقبل.

وعلى الرغم من أن الحاجة إلى حماية الأمة تتحقق عبر إقالة الرئيس أو المسؤول الذي يشكل استمراره في السلطة خطراً، إلا أن تضمين سلطة منفصلة لنزع الأهلية يعتبر اعترافاً واضحاً بأن الإقالة وحدها قد لا تكون كافية. لهذا، نص الدستور صراحة على العلاج الإضافي بعد الأقالة أو الإدانة وهو منعه من تولي مناصب في المستقبل.

مبررات فلسفية

لا تعد إجراءات اتهام وإقالة وإدانة المسؤولين في مجلسي الشيوخ والنواب جنائية، لكن توصف بأنها شبه جنائية في القانون الأميركي. مع ذلك، تصبح المبررات الفلسفية في القانون الجنائي مهمة لفهم الأغراض التي تحققها إدانة الرئيس أو المسؤول.

وقد تكون الوظيفة النهائية للقانون الجنائي هي تبرير محاولة عزل رئيس منتهية ولايته، غير أن القانون الجنائي يهدف كما يقول الفيلسوف جويل فاينبرج، إلى توضيح حدود الخلاف الأخلاقي، عبر إدانة الأفعال غير الأخلاقية. ففي حين لا يحتاج المواطنون في مجتمع ديمقراطي إلى الاتفاق على الأخلاق السياسية، فإنه بوسعهم التعايش مع آراء خصومهم السياسيين بغض النظر عن الخطأ الذي يظن كل طرف أن الجانب الآخر يتبناه.

مع ذلك، عند مفاصل محددة، يتوافق المجتمع على أن نوعاً معيناً من الممارسات أو الأفعال لا تحظى بالاحترام السياسي. وهنا يصبح القانون الجنائي هو إحدى الوسائل التي يتم من خلالها التعبير عن الرفض المجتمعي لهذه الأفعال.

درس للرؤساء القادمين

لأن المتهم أو مرتكب الجريمة قد لا يشعر بالخجل من فعلته، فإن وظيفة القانون الجنائي هي أن يشعره بذلك. فالسجن ليس مجرد عقوبة غير مرحب بها، إنما عبارة عن تصريح رمزي بأن المجرم قد فعل شيئاً مشيناً يجب أن يخجل منه.

لهذا تعد محاكمة الرئيس ترمب مؤشراً إلى أن هناك حاجة إلى تحديد ما يجب على أي رئيس مقبل ألا يقوم به، كما أنه سيشكل الحدود الأخلاقية للرئاسة، ويبعث برسالة تحذير إلى رؤساء المستقبل الذين قد يميلون إلى السير على خطى ترمب.

المزيد من تقارير