الغاز مدخلا لعلاقة استراتيجية بين روسيا وإقليم كردستان العراق

تصدير بشكل تجاري منافس قبل العام 2025

حقل طق طق النفطي في إقليم كردستان (رويترز)

خرجت جُملة التصريحات الأخيرة المُتبادلة بين المسؤولين السياسيين في إقليم كُردستان العراق ونُظرائهم الروس، بأن الجانبين سيؤسسان علاقة استراتيجية بينهُما، على قاعدة تشييد مشروع اقتصادي ضخم لاستخراج وتصدير غاز إقليم كُردستان العراق، قائم على ثلاثة أسس. يذهب أولاً لتأمين حاجات الإقليم الداخلية من الغاز الطبيعي في أقرب وقت، وإتمام بناء خط تصدير الغاز الإقليمي - الدولي من الإقليم إلى الخارج عبر تُركيا قبل العام 2020، وتصدير غاز الإقليم بشكل تجاري كبير منافس قبل العام 2025، تُقدره روسيا بحوالي 3 مليار متر مُكعب من الغاز سنوياً، تُصدر إلى جانب خط التصدير الروسي التُركي الرئيسي، الذي تتوقع أن تصل طاقته إلى 20 مليار متر مكعب سنوياً.

تظهر المساعي الروسية في علاقتها الاقتصادية النفطية الخاصة مع إقليم كُردستان العراق وكأنها مُصرة على تجاوز ثلاث عقبات رئيسية كانت، وما تزال إلى حدٍ بعيد، تُعيق توسع القِطاع النفطي وتطوره في إقليم كُردستان العراق، لكن روسيا لا تُظهر اعتباراً لتلك المُعوقات، وتدخل في مشاريع استراتيجية مع الإقليم في هذا القطاع. 

روسيا تتجاوز العقبات

فالإقليم ما يزال يعيش تنازعاً ضخماً مع الحكومة المركزية بشأن أحقية أي من الطرفين لاستخراج وتصدير النفط والغاز الذي في الإقليم. إذ ثمة تفسيران مُختلفان من قِبل الطرفين للمادة 112 من الدستور العراقي، التي تنص على أن استخراج نفط العراق وتصديره من اختصاص الحكومة المركزية، وحكومات الأقاليم والمُحافظات. وهو ملف ما زال محل تنازع بين الطرفين، وتؤجل المحكمة الدستورية العراقية بتَّه من وقت لآخر، لأنها تُدرك بأن المسألة ليست محض قانونية، بل تتجاوزه لأن يكون صراعاً سياسياً، وحتى عسكرياً، بين الإقليم والحكومة المركزية.

لكن روسيا تتعاون مع الإقليم حسب تفسيره الذاتي لتلك المادة، من دون اعتبار لضغوط الحكومة المركزية العراقية. فروسيا تعرف بأن سطوتها ونفوذها السياسي والعسكري قادر على حماية الاستثمارات والمصالح الروسية في الإقليم، أياً كانت النتيجة المُستقبلية للتنازع القانوني السياسي الحالي بين الطرفين بشأن الملف النفطي والغازي.

الأمر الآخر يتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تطال الإقليم مُنذ العام 2014، والتي قربته من مستوى الإفلاس وعدم القُدرة على دفع رواتب مئات الآلاف من موظفيه العامين، وهو وضع لم يكن فيه الإقليم قادراً على تطوير مشاريعه النفطية، التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة للغاية، وغير آمنة تماماً للحصول على موارد مناسبة منها بأقرب وقت. لم توقف وتُخفض روسيا طوال هذا الوقت من حجم استثماراتها النفطية في الإقليم، إذ انفقت شركة روسنفت شبه الحكومية الروسية قُرابة 400 مليون دولار لتطوير خمسة مناطق لاستخراج الغاز من الإقليم، واقرضت روسيا إقليم كُردستان العراق 1.2 مليار دولار، كشراء مُسبق لنفط الإقليم المُستقبلي، كما أن الشركة ذاتها اشترت 60% من خط أنابيب التصدير الكُردية عبر تُركيا.  

عزوف تُركي

كذلك فأن روسيا تُلاقي العزوف التُركي عن ملف استخراج وتصدير غاز إقليم كُردستان العراق. فتركيا التي وقعت مع الإقليم عام 2013 اتفاقاً استراتيجياً لاستخراج وتصدير نفط الإقليم لمُدة 50 عاماً عبر أنبوب نفطي مُمتد من الإقليم إلى ميناء جيهان التُركي، ليست مُتشجعة لأن تفعل الأمر نفسه بالنسبة لقِطاع الغاز الطبيعي. فتركيا تحسست عام 2017 من مساعي إقليم كُردستان الى الاستقلال عن العراق، وهو ما اعتبرته مساً بأمنها القومي الداخلي. وقد فسرت تُركيا ذلك المسعى الكُردي بأن جانباً منه يعود إلى ما حققه الإقليم من نمو وفوائض مالية جراء تصدير الإقليم لنفطه بشكلٍ مُستقل عن الحكومة المركزية عن طريق تُركيا، وهي لا تُريد أن يتكرر الأمر نفسه ويتضاعف في ملف الغاز الطبيعي.

كذلك فأن تُركيا صارت تؤمِّن حاجاتها الكاملة من الغاز الطبيعي عبر ما يُصدر إليها من إيران، التي تبيعه لتُركيا بأسعار تفاضلية، لتجاوز ما يطالها من عقوبات أمريكية، فتركيا هي الطرف الأكثر تعاوناً مع الطرف الإيراني لتأمين حاجته من العُمولات الصعبة. في ظلال ذلك، رأيت روسيا نفسها الطرف المناسب لتشغَل مكانة تُركيا في ملف غاز الإقليم، وأجبرت تُركيا على القبول بتشييد خط تصدير غاز الإقليم عبر تُركيا.

الغاز في سبيل النفوذ

مُنذ أوائل السبعينات، كان للعراق علاقات اقتصادية وسياسية مُميزة مع الاتحاد السوفياتي ومن ثُم روسيا فيما بعد. فالعراق كان من أهم موردي الأسلحة الروسية، وهذه الأخيرة كانت تدعم العراق سياسياً وتستفيد من قطاعه النفطي. إلا أن الحكومة المركزية العراقية عام 2003 ألغت جميع العقود السابقة التي بين العراق وروسيا، حيث كان ذلك بمثابة القطع التام لأي نفوذ روسي ضمن العراق. لم تعد روسي إلى السوق العراقية إلا في العام 2012، حينما دخلت شركتا لوك أويل وغازبروم الروسيتان إلى سوق النفط العراقية، بالضبط عبر سوق نفط إقليم كُردستان العراق.

اعتباراً من ذلك الوقت ساهم عاملان في تعزيز النفوذ النفطي الروسي في الإقليم. إذ من جهة انسحبت الشركات النفطية العالمية من الإقليم بشكل نسبي، مثل شيفرون وإكسون موبيل، فهذه الشركات كانت تتخوف من الاضطراب الأمني الهائل الذي كان يُحيط بالإقليم، جراء الضغوط الإقليمية عليه وتنامي نفوذ التنظيمات الإرهابية مثل داعش. كذلك فأنها كانت تتحسب لحجم علاقاتها واستثماراتها الهائلة مع الحكومة المركزية العراقية، ولم تكن ترغب بأن تخسر تلك العلاقة لصالح استثمارات أقل في إقليم كُردستان العراق. هذه القضايا التي لم تكن تشغل الشركات النفطية الروسية.

الأمر الآخر كان يتعلق بتطور العلاقات السياسية بين روسيا وإقليم كُردستان العراق. فمنذ انسحاب القوات الأمريكية من العراق، صارت حكومة الإقليم تشعر بأن الولايات المُتحدة والدول الأوربية أنما تميل الى دعم الحكومة المركزية على حِساب ومصالح إقليم كُردستان العراق، وذلك لحِفظ الاستقرار في العراق، وهو أمر دأبت هذه الدول عليه حتى لحظة أجراء الإقليم استفتاء الاستقلال.

لأجل ذلك، فأن ساسة الإقليم سعوا لخلق نوع من توازن النفوذ مع هذه الدول، عبر خلق نفوذ للجانب الروسي في إقليم كُردستان. بدورها لاقت روسيا تلك المخاوف، ولم تقف بحزم في وجه التطلعات الكُردية سياسياً، وكانت السياسة الخارجية الروسية تسعى على الدوام وتقول "نحترم التطلعات القومية للأكراد في إقليم كُردستان". تملك روسيا شبكة من المصالح ضمن إقليم كُردستان العراق، تبدأ من توسيع مناطق نفوذ شركاتها النفطية العملاقة، وتمر بملف مد النفوذ الروسي إلى مُختلف مناطق الشرق الأوسط، ولا تنتهي بملفي "حماية الأقليات" المسيحية في مختلف مناطق الشرق الأوسط، وهي جميعاً قضايا تفتح الأبواب بينها وبين إقليم كُردستان العراق.