Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تبدأ الولايات المتحدة مرحلة من العنف السياسي مع تنصيب بايدن؟

قلق أميركي من أن تكون نهاية عهد دونالد ترمب شرارة بدء فصل مظلم في تاريخ البلاد

في الوقت الذي تطلق فيه السلطات الأمنية الأميركية تحذيرات حول احتمال وقوع المزيد من أعمال العنف المتطرفة في أعقاب اقتحام مبنى الكابيتول، وإصرار الرئيس دونالد ترمب على أن توجيه اتهامات بهدف عزله لن يؤدي سوى إلى تحفيز أنصاره على ارتكاب المزيد من العنف، تتزايد مخاوف الأميركيين من جميع الأطياف السياسية من اضطرابات جديدة، ويخشون ألا يكون يوم تنصيب جو بايدن رئيساً جديداً للولايات المتحدة بعد أسبوع واحد، نهاية فقط لعهد ترمب، ولكن بداية فصل مظلم جديد في التاريخ الأميركي. 

فلماذا لا يزال شبح العنف السياسي ماثلاً في بلد يمتلك أقوى أجهزة أمنية، ولا يعاني من اقتصاد متهاو، ويمتلك مؤسسات ديمقراطية قوية ونظام عدالة متيناً، ويخلو تاريخه الحديث من مظاهر العنف السياسي؟

نُذر الخطر

تكشف استطلاعات للرأي أجريت خلال الأيام التي أعقبت اقتحام الكونغرس أن ثلث من صوتوا في الانتخابات لصالح الرئيس ترمب، يتعاطفون مع مقتحمي مبنى الكابيتول، كما أنهم لا يعتقدون أن أعمال الشغب التي اندلعت خارجه وداخله كانت حادثة فردية بل قد تتكرر، بخاصة أن دعوات الانتقام العنيف تتواصل في الانتشار حتى الآن على مواقع الإنترنت المحافظة مثل "نيوزماكس" وتطبيقات الوسائط الاجتماعية المتطرفة مثل "جاب" و"بارلر"، الذي عُلق استخدامه من خدمة "أمازون" وغيرها من شركات استضافة خدمة النت، بعد أن قام مستخدموه بتمجيد أعمال الشغب في الكابيتول التي أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

ولا يزال السبب الرئيس وراء كل ذلك يعود إلى أن كثيراً من ناخبي ترمب لديهم اعتقاد راسخ بنظرية المؤامرة واسعة الانتشار، وأن الانتخابات سُرقت منه. كما يشعرون بأن الطريق تضيق من حولهم، فبعد ما خسروا الانتخابات فشلت الدعاوى القضائية. والآن يتزايد الخناق أكثر عبر التضييق على مواقع التواصل الاجتماعي التي يفضلونها للتعبير عن آرائهم ونواياهم، ولم يتبق أمام المتشددين منهم إلا عرقلة تسلم بايدن السلطة.

تهديد بالعودة

ويبدو أن مؤشرات مخيفة تضخمت مثل كرة الثلج عقب اقتحام مبنى الكابيتول، فقد تعهد بعض المهاجمين بالعودة إلى واشنطن في الأيام السابقة على تنصيب بايدن رئيساً للبلاد، الأربعاء المقبل، لكن برفقة أسلحتهم هذه المرة وبأعداد لا يضاهيها أي جيش، وفق ما كتب أحدهم في "بارلر"، الذي يمتلئ بأحاديث وتعليقات المتطرفين اليمينيين.

ولم تكن هذه التهديدات سوى واحدة من عشرات التعليقات التي تتحدث عن مسيرات مُسلحة في يوم التنصيب لمنع بايدن من دخول البيت الأبيض، بحسب رصد مجموعة "أليثيا"، التي تتعقب التهديدات والمعلومات المضللة عبر الإنترنت. 

وعلى الرغم من تعبئة 15 ألفاً من قوات الحرس الوطني لحماية واشنطن تحسباً لأي أعمال شغب أو عنف، ما زال من غير الواضح مدى خطورة هذه التهديدات، لكن التصميم المستمر لمعظم أنصار الرئيس على مكافحة ما يعتبرونه انتخابات غير عادلة جعل بعض أعضاء الكونغرس يتساءلون عما إذا كان هذا التمرد سوف يستمر، وكيف يمكنهم إيقافه.

قلق متزايد 

ووفقاً لتصريحات عدد من أعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، فإنهم يشعرون بالقلق الآن أكثر من أي وقت مضى، لأنهم لم يتوقعوا حجم الحشد الكبير الذي تجمع خارج مبنى الكابيتول أو لم يتنبأوا بأن الرئيس سوف يُحرض الغوغاء على المسير إلى الكونغرس.

ولم يعد حدوث مزيد من العنف مجرد احتمال، فقد كان أحد الأسباب التي أدت إلى تعليق موقع "تويتر" حساب الرئيس ترمب بشكل دائم، بعد ما رصد خططاً لاحتجاجات مُسلحة في المستقبل بدأت تنتشر بالفعل على المنصة وخارجها، بما في ذلك الاستعداد لهجوم جديد على الكابيتول ومباني الهيئات التشريعية في الولايات الأميركية الخمسين 17 يناير (كانون الثاني) الحالي. كما أن تأكيد ترمب بأنه لن يحضر حفل التنصيب، قد يكون بمثابة تشجيع لمن يعتزمون القيام بأعمال عنف. 

العنف السياسي 

ولكن لماذا تتأهب أقوى دولة في العالم لعنف محلي داخلي على الرغم من أن العوامل الأساسية التي تفجر العنف في دول أخرى تبدو غائبة عنها؟

يتفق غالبية المتخصصين في دراسات العنف السياسي والصراع المدني على أن العنف المنظم يحدث غالباً حين لا تملك الدولة كثيراً من القوة لمنعه، وعندما يكون اقتصاد البلاد متهاوياً لدرجة تنذر بالخطر، وحينما تكون المؤسسات الديمقراطية ضعيفة، وأيضاً حيث يكون هناك تاريخ من العنف المنظم. 

ولهذا فإن الصدمة التي سادت في المجتمع الأميركي وبخاصة في أوساط النخبة كانت عميقة وهائلة، وربما أيضاً غير مبررة لغالبيتها، فالولايات المتحدة لديها أكبر اقتصاد في العالم، وبما يمثل ربع إجمالي الاقتصاد الدولي، الأمر الذي يضع كثيرين في حيرة من أمرهم، ذلك أن الأداء الاقتصادي الضعيف يُعد مؤشراً قوياً على العنف السياسي المنظم لأن الناس الذين يتخذونه سبيلاً للتعبير عن ضجرهم وغضبهم لا يكون لديهم ما يخسرونه، ولكن من اقتحموا مبنى الكابيتول كان لديهم كثير ليخسروه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولأن الرئيس ترمب كان يقدم نفسه في الانتخابات على أنه رجل القانون والنظام القادر على مواجهة المنفلتين والخارجين عنه، لم يتوقع الأميركيون ما شاهدوه على شاشات التلفزيون بينما يثقون جميعاً في قوة جهاز الأمن الداخلي في البلاد، وبأن الولايات المتحدة وغيرها من الدول الديمقراطية التي تتمتع بقدرات عسكرية متطورة تختلف عن الدول الأخرى التي تشهد عنفاً انتخابياً مميتاً. وذلك يرجع إلى قدرتها على التفاعل بسرعة وكفاءة وتنفيذ حكم القانون بشكل سريع، وقمع الجناة ومن يخططون للعنف والجماعات التابعة لهم.

ولعل أحد الأمثلة الواضحة على سرعة تعاطي السلطات الفيدرالية وبخاصة مكتب التحقيقات "أف بي آي" مع الأخطار الشبيهة، هو ما حدث قبل أشهر قليلة في ولاية ميشيغان، حين ألقت الأجهزة الأمنية القبض على ميليشيات مسلحة كانت تخطط لاختطاف حاكمة الولاية غريتشن ويتمار التي وجه إليها الرئيس ترمب انتقادات. 

ولأن العنف السياسي يحدث في الواقع عندما يرفض طرف في الحكم التخلي عن السلطة ويتهم الآخر بالتزوير، وهو ما حدث حرفياً عقب الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلا أن كثيراً من الأدلة تشير إلى عدم حدوث تزوير، بينما يتوفر لدى الولايات المتحدة طرق قانونية ومؤسساتية عديدة للتحقق من ذلك، وهو ما حدث بالفعل، حين سلكت معظم التحديات الانتخابية المسارات القانونية الرسمية. 

على نقيض ذلك، فإن البلدان التي تعاني فيها مؤسسات العدالة من الضعف لا تستطيع فيها الدولة مواجهة الخلافات والتحديات الانتخابية بطريقة سلمية عادلة. وفي هذه الحالة، قد يتولد مناخ من العنف ويوجه القادة السياسيون انتقادات لاذعة للمؤسسات السياسية.

كيف تولد العنف؟

ما حدث في الواقع، نتج عن اعتقاد المقتحمين وقطاع كبير من مؤيدي ترمب بأن تلك المؤسسات لم تتعامل بنزاهة وأمانة مع الاتهامات المزعومة بتزوير الانتخابات، وأن كل شيء فاسد ومزيف، وأن مؤامرات وقعت بالفعل ضد ترمب، وهو ما يكرره الرئيس نفسه في ضغطه على الجهات التنفيذية الرسمية في الولايات المختلفة، وكذلك على القضاة والمحاكم على اختلاف أنواعها. 

لكن مع إغلاق الباب أمام الخيارات القانونية، أصبح الوضع أكثر إشكالية. وهذا ما يفسر كيف أن البلاد لم تشهد أعمال عنف مرتبطة بالانتخابات على مدى شهرين كاملين، إلا مع حلول الخطوة الأخيرة للتصديق على انتخاب بايدن، وهي سابقة سيئة بالنظر إلى عدم وجود تاريخ حديث من العنف الانتخابي فيها.

وما أسهم بشكل كبير في وقوع كارثة اقتحام حصن الديمقراطية الأميركية، هو المعلومات الخطأ وحشد الناس بدافع وجود مؤامرة من دون دليل، وهو ما ينبغي معالجته بأن يؤمن الناس بما يشعرون أنه حقيقي. 

هل يتكرر؟

ولأن الحقيقة لا تزال غائبة عن ملايين الأميركيين الذين يتعرضون بشكل حصري لوسائل إعلام يمينية ومواقع إنترنت تلتمس العذر لخطاب الرئيس ترمب، يظل الخطر قائماً وتهديد العنف حاضراً، ذلك أنه بمجرد انخراط البعض في العنف السياسي يصبح من السهل تكراره.

وعلى الرغم من توقع البعض أن تتولد آثار سلبية طويلة المدى على اقتحام الكونغرس، إلا أنه من المرجح أن يساعد ذلك أيضاً في إظهار العواقب الوخيمة للتلاعب بالمؤسسات الديمقراطية بغرض تحقيق مكاسب سياسية، مثلما فعل ترمب. 

ولكن الأمر سوف يتوقف على كيفية تعاطي الدولة والسياسيين والأجهزة الأمنية مع تداعيات ما جرى، إذ ينبغي على السلطات الفيدرالية إظهار قدرتها على حماية الديمقراطية الأميركية التي تعد نموذجاً يحتذى لباقي دول العالم.

المزيد من تقارير