جبهات القتال جنوب طرابلس لا تزال تخفي أسرارها… والنيران الكثيفة والعشوائية تعيق تقدم المهاجمين

"اندبندنت عربية" على محاور "الجيش الوطني" في شرق العاصمة الليبية

لا تزال جبهات القتال حول العاصمة الليبية طرابلس تخفي أسرارها للأسبوع الثاني على بدء المعارك، من دون أن ترجح كفة أي من القوتين المتواجهتَين، "الجيش الوطني" بقيادة المشير خليفة حفتر أو قوات "حكومة الوفاق الوطني" التي يرأسها فائز السراج. وتستمر معارك الكر والفر في مناطق جنوب العاصمة.

وفي وقت يترقب الرأي العام المحلي، بروز طرف يتمكن من تحديد ملامح المرحلة المقبلة عسكرياً وسياسياً، يبدو أن معركة الجيش تختلف على الأرض بشكل كبير، فأحد قادتها الميدانيين يؤكد "أننا في معركة إعادة العاصمة إلى البلاد وتأمينها من أيدي مسلحين متطرّفين عابثين ولسنا هنا في حرب ضد أهلنا لنحسم في ساعات أو أيام".

وفي الاطار ذاته، أعتبر وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني إن الفوضى في ليبيا زادت من خطر وجود إرهابيين على متن قوارب المهاجرين المتجهين إلى إيطاليا، معلناً أن موانئ البلاد ستظل مغلقة.
أضاف سالفيني، وهو زعيم حزب الرابطة المناهض للهجرة أن "تسلل الإرهابيين الإسلاميين لم يعد خطراً وإنما أصبح مؤكداً".

أرتال عسكرية في ترهونة

ورُصدت في منطقة ترهونة وعلى مسافة أكثر من 70 كيلومتراً، عشرات الأرتال العسكرية التي كانت تتحضّر للتوجّه إلى جبهات القتال، وصولاً إلى مناطق "سوق الخميس" ثم "قصر بن غشير"، أولى الأحياء الشرقية للعاصمة، حيث يحتفظ "الجيش الوطني" بمواقع سيطر عليها، ويمدّ عبرها عناصره الذين تمكنوا من الوصول، عبر مسارب ترابية، إلى الحي الدبلوماسي في عين زاره، الواقعة على بُعد 15 كيلومتراً فقط من ميدان الشهداء في قلب العاصمة.

وبدا المرور عبر بوابات "الجيش الوطني" المنتشرة في جنوب شرقي العاصمة، صعباً بسبب التحفظ وسرية العملية العسكرية، إلا أن التنسيق مع بعض القادة سهل لمراسل "اندبندنت عربية" الكثير من تلك الصعوبات. كما أن الكوادر في تلك البوابات أبدت قدراً كبيراً من الدراية بالإجراءات الأمنية المنوطة بها، والمركّزة في أكثرها على تسهيل مرور الأسر النازحة من مناطق الاشتباك ومرافقة بعضها بعضاً أحياناً لتأمين وصولها إلى مناطق مجاورة، في ظل غلبة التكتم ورفض الإدلاء بتصريحات عن الأوضاع الأمنية والعسكرية في المنطقة.

حماسة معظم رجال "الجيش الوطني"، الذين قال بعضهم إن التدابير العسكرية التي تمر بها مشاركتهم في محاور القتال "تشبه البيروقراطية"، لم تمنع قادتهم في قصر بن غشير من متابعة أوامرهم والإشراف على التقدم باتجاه الحي الدبلوماسي داخل عين زاره صباح الثلثاء. وأكد أحد هؤلاء القادة أن "المعارك تسير بشكل جيد وأن طبيعة الأرض والأحياء السكنية تتطلب انسحاباً تحت كثافة نيران العدو"، لكنه لفت إلى أن "الانسحاب لا يعني فقدان تلك الأحياء".

"على خط النار"

يتحفظ قادة المحاور عن الحديث عن طبيعة ما يجري داخل الحي الدبلوماسي والاستراحة الحمراء وسط عين زاره، لكن كاميرا "اندبندنت عربية" رافقت صباح الثلثاء عملية كر لأحد كتائب "الجيش الوطني" في أحد محاور المنطقة، تمكنت على أثره الكتيبة من تحقيق تقدم إلى أكثر من كيلومتر ونصف الكيلومتر، وسط إصرار على التوغل أكثر، بعد ورود تأكيدات بخلو المنطقة من السكان تماماً.

وروى أحد قادة الجيش أن "قوات حكومة الوفاق" تتخذ من المرافق الخدمية مواقع لتخزين الذخيرة أو تضع دبابة داخل ساحة مدرسة. وذكر أحد تقارير الاستطلاع الخاصة بـ "الجيش الوطني" أن الحكومة تصر على عدم إفراغ سجن الرويمي في عين زاره من نزلائه وهو أكبر سجون العاصمة ويضم ثلاث قطع من بينها قاطع كبير لاحتجاز مئات المهاجرين غير الشرعيين، ما يضع "الجيش" في حرج شديد لعلمه أن "قوات الوفاق" تتخذ من المهاجرين "دروعاً بشرية" تتحصن خلفهم.

"طريقة القتال"

ووصف أحد مقاتلي "الجيش الوطني" طريقة قتال "قوات الوفاق" في الجانب الآخر بأنه "يعتمد على كثافة النيران من دون تحديد هدف سوى التقدم أكثر، من دون تمكنهم من تطبيق خطط الحفاظ على مواقعهم". وأضاف "الفوضى تسيطر عليهم وبحسب المشاهدة هم غير متمكنين من استخدام الأسلحة التي يملكونها". وأسف عنصر "الجيش" لوصف مسلحي "حكومة الوفاق" بــ"العدو"، إلا أنه يعبر عن أسفه لــ"الزج بشباب مدني في المعارك". وقال "لدينا تعليمات صارمة بإجبارهم على الاستسلام أو أسرهم والتقليل من استخدام النيران ضدهم لتقليل الخسائر. في النهاية هم شباب مغرّر بهم".

طبيعة المعركة والمتقاتلين، وفق عناصر تلك الكتيبة المهاجِمة، فرضت على قادتها استخدام تكتيكات حربية محددة. وصرح أحد هؤلاء أنه "لو كنا نتعامل مع عدو حقيقي فمسرح القتال في مناطق الفضاء هنا يسهّل علينا العمل بتكتيك الاستنزاف، لكن عِلم القادة أنهم شباب مدنيون، يفرض علينا اللجوء إلى عمليات الحصار والتطويق، وقد نجحنا بشكل كبير في تجنيب مناطقنا دماءً ودماراً"، مشيراً إلى أن "تلك السبل العسكرية تسهّل على الجيش التمييز بين الشباب المغرّر بهم، وبين العناصر الإرهابية، سواء كانوا قياديين أو مقاتلين". وقال "كثير من الإرهابيين وقع في الأسر وهم دليل على مشاركة الإرهاب ضد الجيش".

وعن إعلان قوات الحكومة قصف طيرانها موقعاً عسكرياً في منطقة هون، تطابقت تأكيدات أدلت بها مصادر مأذونة مختلفة، أن "القصف كان عشوائياً ويهدف إلى الترهيب فقط، إذ استهدف مقراً خالياً كان مركزاً لمكافحة الهجرة غير الشرعية واستُخدِم كمقر للإيواء والاحتجاز، إلا أنه لم يخلف أي أضرار بشرية".

وارتفع عدد قتلى المعارك في طرابلس، وفق آخر إحصاءات منظمة الصحة العالمية الثلثاء، إلى 174 قتيلاً و756 جريحاً.

المزيد من العالم العربي