Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العالم يحتفي بـ262 عاما من التأمين على الحياة

تأسست أول شركة في أميركا ووثائق أعضاء الإنسان أبرز غرائبه

المقر الرئيس لشركة التأمين الصينية في العاصمة بكين (غيتي)

من "خليها على الله"، و"قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" شرقاً إلى الإقبال على الفكرة وتعميمها لتطاول مناحي الحياة المختلفة غرباً، ومنها إلى التحريم والتكريه، ثم الجدال من أجل التحليل، وأخيراً إلى الانتشار والتوسع إلى درجة التشبع، تحتفل شركات التأمين على الحياة في أرجاء المعمورة اليوم 11 يناير (كانون الثاني) بذكرى خروجها إلى الحياة وفرض نفسها منظومة اقتصادية واجتماعية في شتى أنحاء الأرض.

11 يناير 1759 هو اليوم الذي شهد تأسيس أول شركة تأمين على الحياة في الولايات المتحدة الأميركية على يد كهنة في فيلادلفيا؛ حيث حملت الشركة اسم "مؤسسة إغاثة الأرامل الفقيرات والمعاقات وأبناء كهنة الكنائس المشيخية". وظلت الشركة قائمة حتى عام 1988 حين تغير اسمها إلى "صندوق كهنة المشيخية" قبل أن تستحوذ عليها شركة Nationwide Mutual Insurance Company  في عام 2002.

اقتناص براءة الفكرة

وإذا كانت أميركا نجحت في اقتناص براءة فكرة التأمين لنفسها، فإن التاريخ يشير إلى أن بريطانيا شهدت تأسيس عدد من شركات التأمين المخصصة ضد الحريق. وكان ذلك في أعقاب حريق لندن الكبير عام 1666. وبعدها بسنوات كثيرة، وفيما يعرف بـ"عصر الفقاعة" ظهر العديد من شركات التأمين، لكن أغلبها كان قائماً على الاحتيال والرغبة في الربح السريع عبر بيع أوراق الشركة المالية للعملاء. يشار إلى أن "الفقاعة الاقتصادية" تحدث حين يزيد الطلب على سلعة أو منتج، فيزيد سعرها بشكل مبالغ فيه ويؤدي إلى زيادة المضاربة عليها.

قانون حمورابي

وإمعاناً في الإبحار في التاريخ، فإن فكرة التأمين قديمة قدم الإنسان. فالرغبة في حماية الأفراد من الأخطار رغبة فطرية. وبموجب "قانون حمورابي" الذي يعود إلى 1750 ق.م، كان التجار في بلاد بابل والصين يضعون بضائعهم على سفن مختلفة، لا سيما تلك التي تبحر في بحور هادرة غادرة. وكان التاجر يسدد مبلغاً إضافياً من المال، إضافة إلى كلفة الشحن بموجب هذه الطريقة، فإن تعرضت شحنته للسرقة يحصل على ما سدده كاملاً. وكان هذا هو الشكل الأول الموثق من أشكال التأمين.

ويُحسب للإغريق والرومان أنهم أول من وضع المعالم الأولى لفكرة التأمين على الحياة والتأمين الصح، من خلال أشكال مختلفة من العمل الخيري الموجه لأسر المتوفين.

حماية النفس

الرغبة الفطرية في حماية النفس والممتلكات تحولت عبر التاريخ  إلى مهنة وعمل وعمود اقتصادي متين، لا سيما أن المسألة لم تعد مجرد وثيقة للتأمين على الحياة والممتلكات والصحة والتعليم، بل تحولت إلى مصدر للتمويل طويل الأجل الخاص والعام.

وبحسب "ستاتيستا"، (الشركة الألمانية المتخصصة في بيانات التسويق)، وصل حجم أقساط التأمين العالمية إلى ما يزيد على ستة تريليونات دولار أميركي عام 2019، وهو ما يفوق قيمة الناتج المحلي الإجمالي لأغلب دول الأرض، باستثناء الصين والولايات المتحدة الأميركية. وقد شهدت الأعوام الأخيرة من العقد الثاني من الألفية الثالثة تغيراً كبيراً في توجهات التأمين بالعالم.

تاريخياً، كان التأمين على الحياة يتربع على قائمة وثائق التأمين مستحوذاً على ما بين 55 و60 في المئة من السوق العالمية. لكن الوضع بدأ يتغير عام 2017 حين أفسح التأمين على الحياة المجال بشكل أكبر للتأمين على الممتلكات المادية مثل البيوت والسيارات وأماكن العمل والممتلكات التقنية والقدرات الرقمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشار إلى أن الرقمنة هي الاتجاه الرئيس الحالي في قطاع التأمين، فاتجاه العالم بشكل عام نحوها يتزايد يوماً بعد يوم، لا سيما في ظل كوفيد-19. ويشير الخبراء إلى أن مزيداً من الرقمنة يعني كلفة أقل، مع إمكانية استخدام "البيانات الضخمة" لتيسير إنشاء ملفات العملاء، وتقييم المخاطر وتحليل البيانات. لكن هذا يعرّض البيانات في الوقت نفسه لخطر الهجمات السيبرانية، وهو ما يعني المزيد من الإنفاق للتأمين الرقمي.

بلغة الأرقام، تتربع شركة "بيركشاير هاذاواي" ومقرها الولايات المتحدة الأميركية على عرش شركات التأمين في العالم، بإيراداتها السنوية التي زادت على 250 بليون دولار في عام 2019. وتليها في التصنيف شركة "بينغ آن الصينية ثم شركة "إي أكس إي" الفرنسية.

خصوصية عربية

عربياً، تركز أحاديث التأمين على الخصوصية، حيث اختلافات وخلافات واضحة في شأن التأمين على الحياة مقارنة ببقية العالم. الواقع يشير إلى أن قطاع التأمين على الحياة ينقصه التطوير والتحديث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. دراسة أجراها "البنك الدولي" تحت عنوان "قطاع التأمين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (2011) أظهرت أن قطاع التأمين عموماً، وعلى الحياة بوجه خاص، يعاني بطأ وأحياناً انعدام التطوير. وترجع الدراسة ذلك إلى عوامل عدة منها عدم وجود تأمين إجباري في المجالات الرئيسة، وغلبة الشركات المملوكة من الدولة في عدد من الدول وضعف النظام الرقابي والقواعد الضريبية غير المناسبة ونقص المهارات المهنية، إضافة إلى العوامل الثقافية.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن عوامل مثل نسبة الشباب المرتفعة في دول مثل مصر والأردن وتونس ولبنان، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية وتدني الأجور وارتفاع البطالة تؤثر سلباً في نسبة الإقبال على التأمين على الحياة.

فتاوى وتجديد

وعلى الرغم من التطور والحداثة والمواكبة والرقمنة، فإن الأرقام تشير إلى أن قطاع التأمين في الدول ذات الغالبية المسلمة أقل تطوراً من مثيله في الدول الأخرى. وهذا يعود، بحسب الدراسة، إلى أن هناك بين رجال الدين الإسلامي من يفتون بأن وثائق التأمين تتعارض وأحكام الشريعة. 

اللافت أنه بينما يحتفي العالم بمرور 262 عاماً على ظهور أول شكل حديث للتأمين، ما زالت فتاوى يتم تداولها تفيد بأن التأمين على الحياة والممتلكات حرام شرعاً "لما فيه من الغرر والربا". (الغرر هو عدم اليقين أو الخطر أو الفرصة أو المخاطرة ويندرج تحت بند بيع ما هو غير موجود في الفقه الإسلامي). لكن لأن في اختلافهم رحمة، فإن جهوداً دينية حديثة لتجديد الخطاب وتنقيحه وفتح باب الاجتهاد ليواكب الدين والمتدينون العصر الحديث. ويمكن الإشارة هنا إلى فتوى صادرة عن دار الإفتاء المصرية مفادها أنه لا مانع شرعاً من التأمين على الأشخاص، وأنه ليس في ذلك ما يخالف الشريعة الإسلامية. وجاء في الفتوى نفسها أن "التأمين أصبح ضرورة اجتماعية تحتمها ظروف الحياة للمحافظة على العمال بغرض تأمين حياتهم حالاً ومستقبلاً، وليس المقصود من التأمين الربح أو الكسب غير المشروع، وإنما هو التكافل والتضامن والتعاون في رفع ما يصيب الأفراد من أضرار الحوادث والكوارث".

الإرهاب والتأمين

كارثة الإرهاب التي ضربت دولاً عدة أنعشت قطاع التأمين. وبحسب "الاتحاد المصري للتأمين" فإنه على الرغم من تقلب موجات الإرهاب بين الزيادة والانحسار، فإن طبيعة الإرهاب المتغيرة تتطلب جاهزية مستمرة لدرء هذا الخطر الذي يصعب توقع متى وأين يضرب. ويشير الاتحاد إلى أن شركات التأمين بذلت جهوداً كبيرة في السنوات القليلة الماضية لتطوير وتقديم حلول جديدة ومبتكرة للأفراد والجهات التي تواجه المخاطر الإرهابية سريعة التطور. ويرى الاتحاد أن سوق تأمين الممتلكات ضد مخاطر الإرهاب سوق واعدة حتى في أوقات انحسار العمليات والجماعات الإرهابية، وذلك للطبيعة الديناميكية للإرهاب واحتمالات ظهوره في أي وقت وبأشكال مختلفة.

إرهاب كوفيد-19

شكل معاصر من أشكال الإرهاب، الذي وجد لدى القائمين على منظومة التأمين آذاناً صاغية وعقولاً مفكرة حيث المصلحة للجميع هو كوفيد-19. العديد من شركات التأمين يتبارى هذه الآونة في الترويج لمنتج تأميني جديد، سواء منفصل أو ضمن وثائق التأمين على الحياة التي باتت تشمل كوفيد19.

لكن في المقابل، قامت شركات أخرى باستبعاد الأوبئة بشكل عام أو الوباء الحالي على وجه الخصوص من التغطية بوثائق التأمين، خوفاً من تكبدها خسائر لا قبل لها بها، لا سيما في ضوء الانتشار الحالي الكبير للوباء. وكان محللون تأمينيون قد حذروا من أن الجائحة الحالية قد تعرّض شركات التأمين لخسائر كبرى لو لم تستبعد الجائحة.

عجائب التأمين وغرائبه

وبينما نحتفي بـ262 سنة من التأمين وقبلها مئات السنين من الجهود التأمينية الابتكارية، يجب الإشارة إلى غرائب وعجائب عالم التأمين. فهناك من يبحث ويجد وثائق تأمين للأصول المعنوية أو غير الملموسة مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية وحقوق التأليف والنشر وتطبيقات البرامج وغيرها. وهناك وثائق تأمين ضد إلغاء المناسبات، لحماية المؤمن عليه من الشرور المالية جراء إلغاء المهرجانات والفعاليات الرياضية والفنية الكبرى. وهناك التأمين ضد الخطف والفدية، لا سيما في الدول التي ينتشر فيها خطف رجال الأعمال وأسرهم لطلب الفدية. وهناك وثائق تأمين على الحيوانات الأليفة، وعلى ولادة توائم بدلاً من طفل واحد، والمواهب، وسرقة الهوية على الإنترنت، وفساد الطعام في البراد لانقطاع التيار أو عطب البراد نفسه.

ويشكل التأمين على أعضاء بعينها في جسم الإنسان موضوعاً دائماً ما يثير شهية الإعلام ومتابعة الناس. فمن التأمين على الأصابع المصنفة رقم أربعة ضمن الأفضل على العالم في العزف على الغيتار، وهي أصابع العازف البريطاني عضو فريق "رولينغ ستونز" كيت ريتشارد، إلى لسان غينارو بيليتشيا المتخصص في تذوق قهوة "كوستا"، إلى حنجرة العندليب عبد الحليم حافظ.

وكما هو متوقع، فإن أجزاء أخرى من الجسم تحظى بعناية فائقة لأنها تمثل رأس مال صاحبها أو صاحبتها. التأمين على الصدر منتشر بين فنانات وعارضات مثل العارضة هولي ماديسون والفنانات تينا تيرنر ودوللي بارتون ومادونا. وهناك التأمين على المؤخرات وأشهرهن كايلي مانوغ وجنيفر لوبيز. وهناك التأمين على السيقان وأشهرهن ماريا كاري وريانا. أما التأمين على الابتسامة فتتربع على القائمة الممثلتان جوليا روبرتس وأميركا فيرارا.