Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اقتحام الكونغرس يعيد إلى الأذهان قصف يلتسين لمبنى البرلمان بالدبابات

تعجّل الغرب إدانة ما فعله أنصار ترمب يذكّر بترحيبه بتجاوزات الرئيس الروسي الأسبق

فيلاتوف مع يلتسن (غيتي)

مع أولى لحظات بثّ مشاهد اقتحام أنصار الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب لمبنى الكونغرس الأميركي، مساء السادس من يناير (كانون ثاني) الحالي، تداعت الذكريات لتعيد إلى الأذهان ما شهدناه من أحداث مشابهة سبق وعصفت بأمن العاصمة الروسية، وزلزلت كيان الكرملين، وأطاحت بوقار النظام والرئيس الأسبق بوريس يلتسين. كانت البداية في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) 1993، حين اندفعت الجماهير إلى مبنى السوفيات الأعلى لروسيا الاتحادية (البرلمان)، لتزيح ما أقامه يلتسين حول "رمز الديمقراطية" من عوازل أمنية وأسلاك شائكة، كانت الشركات الغربية أمدته بها خصيصاً لهذه المناسبة، لتدخل مبنى البرلمان تأييداً ودعماً لقياداته وأعضائه ممن واصل يلتسين حصارهم لما يقارب الأسبوعين.

إعادة العلم السوفياتي الأحمر

ومن شرفة هذا البرلمان، أعلن عدد من قيادات المعارضة اليسارية دعوة الجماهير إلى التحرك للاستيلاء على الكرملين مقر الحكم، ومبنى بلدية العاصمة واستوديوهات التلفزيون الروسي في "أوستانكينو". وكان من هؤلاء الجنرال ألبرت ماكاشوف ومعه ألكسندر روتسكوي نائب الرئيس يلتسين، الذي كان البرلمان أعلنه قائماً بأعمال الرئيس بعد قراره تنحية يلتسين عن منصبه. وفيما نجحت الجماهير في اقتحام مبنى البلدية وإنزال العلم الروسي بألوانه الثلاثة، وإعادة العلم السوفياتي الأحمر ذي المنجل والمطرقة إلى مكانه السابق، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، توجهت إلى مبنى التلفزيون الروسي في أطراف العاصمة في محاولة لاقتحامه، وهو ما حالت دونها في حينه قوات الأمن الخاص التي سارع يلتسين بالدفع بها إلى هناك، بينما أقيمت المتاريس عند بوابات الكرملين، التي سرعان ما أعادوا إليها البوابات الخشبية الضخمة التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

ونذكر أن المعارك نشبت محدودة أثناء البداية في أعقاب تظاهرات عارمة طافت بالشوارع الرئيسة للعاصمة في الثالث من أكتوبر، تندد بيلتسن ونظام حكمه، قبل توجهها نحو مقر البرلمان لرفع الحصار المفروض حوله منذ إعلانه عدم دستورية قرارات الرئيس يلتسين بشأن حله في 21 سبتمبر (أيلول) 1993. ولم يكد أعضاء البرلمان يفيقون من مفاجأة فك الحصار مساء الثالث من أكتوبر، حتى انطلقت "الأبواق" الإعلامية الموالية للنظام القائم تندد بتصرفاتهم، وتدعو "الديمقراطيين" من أنصار الرئيس الأسبق بوريس يلتسين إلى النزول للشارع دفاعاً عن "الديمقراطية"، فيما تدعم هذه الحملة القائم بأعمال رئيس الحكومة الروسية آنذاك، يجور جايدار، مما كان يهدد بنشوب حرب أهلية. ونذكر أنه بينما كان أعضاء مجلس السوفيات الأعلى يلملمون شتات أفكارهم استعداداً لليوم التالي، رافضين مبارحة المبنى والانصراف إلى مساكنهم، تعالت الهمهمات بين أوساط الصحافيين عن الأسباب التي تدعو طاقم قناة تليفزيون "سي.أن.أن" إلى تعجل مغادرة المبنى في وقت متأخر من مساء الثالث من أكتوبر، "وهم الذين ظلوا إلى جوارنا معشر الصحافيين المحليين والأجانب طوال أيام الحصار".

موجات من القصف

ولم يكد يهل صباح الرابع من أكتوبر، حتى فاجأت الدبابات حبيسي وسكان مبنى السوفيات الأعلى على ضفاف نهر موسكو، بموجات من القصف المتوالي الذي استهدف في البداية الدورين السادس والسابع، وهما الطبقتان اللتان كانتا هدفين للقناصة الذين انتشروا على أسطح وردهات المباني المجاورة. وعقدت الدهشة الألسن إزاء أن "الزملاء" من "سي.أن.أن" كانوا أول من راحوا ينقلون ما يحدث بالصوت والصورة من مواقعهم الجديدة في الغرف التي استأجروها في فندق "أوكرانيا" المطل على الضفة الأخرى من نهر موسكو المواجهة لمبنى السوفيات الأعلى، وكان تفسيراً واضحاً لتعجلهم مبارحة مبنى البرلمان في الليلة السابقة. وكانت المرة الأولى في تاريخ البث التليفزيوني في موسكو التي تابع فيها العالم بأسره، ما كانت تنقله كاميرات التليفزيون الأميركي من قصف الدبابات لمبنى السوفيات الأعلى الذي اشتعلت النيران في أرجائه، وتعالت أعمدة الدخان عالية من طبقات أدواره العليا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الغريب في الأمر آنذاك الهدوء الذي استمتع به الرئيس بوريس يلتسين، على وقع ما كان يتلقاه من برقيات دعم وتأييد من جانب نظرائه في البلدان الغربية، تكريماً له على شجاعته في قصف "البرلمان مقر سلطة الشعب وأسمى رموز الديمقراطية"، الذي ثمة من اعتبره "آخر معاقل الشيوعية". أما الأكثر غرابة فهو ما تمثل لاحقاً في حرص السلطات الروسية على تسريب وقائع الليلة السابقة، وما شهدته من رفض امتثال القوات المسلحة وقائدها العام وزير الدفاع بافيل غراتشوف لتحمل مسؤولية تنفيذ أوامر الرئيس يلتسين بقصف البرلمان. ويحكي يلتسين في مذكراته أنه انتظر رد وزير الدفاع طويلاً على طلبه بهذا الشأن، مما دفعه إلى الانتقال بنفسه في وقت متأخر من الليل إلى مقر وزارة الدفاع المجاور للكرملين، لمتابعة اجتماع قيادات القوات المسلحة، وهو ما كان مفاجأة للحاضرين أسهمت إلى حد كبير في نجاحه بإقناعهم لتنفيذ أوامره.

اعتقال أعضاء البرلمان

ولم يمض من الزمن سوى سويعات محدودات من صباح الرابع من أكتوبر 1993 حتى فرغت الدبابات من مهمتها، ولتدهم قوات الأمن مبنى البرلمان وتباشر مهمتها في اعتقال قيادة البرلمان وأعضائه، ممن اقتادتهم إلى أتوبيس قديم متهالك، كان أُعد خصيصاً لنقلهم إلى "ليفورتوفو"، أحد أكبر سجون العاصمة. ولم ينج من هذه المذبحة سوى قلائل ممن سبق وانحازوا إلى معسكر الرئيس، وغيرهم ممن كانوا بالصدفة خارج المبنى.

ونذكر أن غضب الرئيس يلتسين لم يقتصر على رئيس السوفيات الأعلى روسلان حسب اللاتوف، ونائب رئيس الجمهورية ألكسندر روتسكوي، بل امتد ليشمل كل من عارضه وانحاز إلى البرلمان، وما جرى الإعلان عنه من "عدم مشروعية قراراته ومراسيمه". ومن هؤلاء رئيس المحكمة الدستورية فاليري زوركين الذي التقيناه في مقر سكنه على بعد بنايتين من مكتبنا الصحافي في العاصمة الروسية. وفي مسكنه المتواضع داخل إحدى الشقق السكنية في المبنى الذي كانت خصصته الدولة لأعضاء البرلمان من ممثلي الأقاليم، كان اللقاء الذي كشف فيه رئيس المحكمة الدستورية عما تعرض له من ضغوط خلال الأيام التي سبقت قصف البرلمان، للعودة عن قرار المحكمة بـ "عدم دستورية" مراسيم يلتسين حول حل البرلمان.

قال والرعشة تعتصر شفتيه، إن سيرغي فيلاتوف الذي انشق على قيادة مجلس السوفيات الأعلى وكان نائباً لرئيس المجلس، وانضم إلى فريق يلتسين في مقابل تعيينه رئيساً لديوان الكرملين، جاءه موفداً من الرئيس يطلب التراجع عن قرار عدم شرعية المرسوم الذي أصدره يلتسين، مقروناً بتهديد غير مباشر، باحتمالات تعرضه أو أي من أفراد أسرته لحادث مروري، أو لشيء ما من هذا القبيل.

استقرار نسبي

ونقل فيلاتوف وعد يلتسين بالإبقاء على صلاحياته في إطار عضوية المحكمة الدستورية، في حال موافقته على الاستقالة من منصب رئيس المحكمة. ورداً على سؤالي حول ما يمكن أن يكون عليه موقفه، قال إنه لا يستطيع اتخاذ موقف محدد في هذا الشأن، وإن كانت النتيجة تمثلت لاحقاً في استقالته من منصبه كرئيس للمحكمة الدستورية، مكتفياً بقبول عضويتها، حتى جاء الرئيس فلاديمير بوتين مطلع سنوات ولايته الأولى ليعيد الأمور إلى سابق نصابها، وليعود زوركين إلى منصبه السابق رئيساً للمحكمة الدستورية العليا في روسيا حتى اليوم، في إشارة إلى بدء كثير من الإصلاحات التي تحققت لاحقاً على صعيد استعادة الدولة وقارها وموقعها على خريطة السياسة العالمية.

وفي لقائنا مع سيرغي فيلاتوف في مكتبه بالكرملين بعد أيام من عودة الاستقرار النسبي في العاصمة، ورداً على سؤالنا حول هذه الواقعة، اكتفى رئيس ديوان الكرملين الأسبق بالصمت من دون أن يقطع برد، سلباً كان أو إيجاباً. لكن ألكسندر روتسكوي نائب الرئيس يلتسين أقر في لقائنا معه بمسكنه في قلب العاصمة، بعد الإفراج عنه بموجب قرار من مجلس الدوما في فبراير (شباط) 1994، بأن مثل هذه التهديدات لحقت كثيرين، وهو ما لم ينفه آخرون.

أوجه الشبه

غير أن أوجه الشبه التي سبق وأشرنا إلى احتمالات أن تكون تجمع بين شخصيتي يلتسين وترمب، يمكن أن تكون كثيرة ولا تقتصر على حجم الرجلين طولاً وعرضاً، فضلاً عن اشتراكهما في شعر الرأس الكثيف وتعمد الحدة في الحديث ومخاطبة الآخرين، وتصنع القدرة على إيذاء الخصم والغريم. ونذكر ما بدا عليه الرئيس الأسبق يلتسين من صلف وتسلّط في تعامله مع غريمه الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف في مقر السوفيات الأعلى لروسيا الاتحادية في أغسطس (آب) 1991، بعد عودته من مقر حصاره في منتجع "فوروس" بشبه جزيرة القرم، عقب فشل الانقلاب ضده من جانب رفاقه المحافظين. ويذكر المراقبون والملايين من مشاهدي التلفزيون وقائع الجلسة التي تعمّد فيها يلتسين إهانة غريمه غورباتشوف، حيث ظهر رافعاً إصبعه يشير إليه في تعالٍ من على منصة السوفيات الأعلى (البرلمان الروسي) بضرورة توقيعه على الوثيقة التي أرادها يلتسين تصديقاً على شرعية ما اتخذه في غياب غورباتشوف من قرارات ومراسيم، ومنها حظر نشاط "الحزب الشيوعي" السوفياتي، وهو ما أصاب الرئيس السوفياتي السابق بالحيرة والتردد، نظراً لأنه كان لا يزال الأمين العام لهذا الحزب، وإن لم يمتثل لتهديد يلتسين آنذاك.

استقطاب تاتيانا ابنة يلتسين

وكانت الفترات التالية لبوريس يلتسين شاهدة على كثير من "شطحاته" و"نوادره" التي كشف عنها لاحقاً ألكسندر كورجاكوف كبير حرسه الخاص في كتابه "غروب رئيس". وتعمد كورجاكوف الذي ظل مرافقاً له منذ صعود نجمه في ثمانينيات القرن الماضي، ويعرف كثيراً من هناته وسكناته منذ ذلك الحين، وحتى تاريخ إقالته من منصبه كشرط فرضه عليه أناتولي تشوبايس رئيس ديوان الكرملين، الذي عاد وترأس حملته الانتخابية في العام 1996، مع صحبه من كبار أساطين المال والأعمال. وكان هؤلاء ومن كانوا يسمون بأصحاب البنوك السبعة، ومنهم ستة من اليهود المرتبطين بالغرب وإسرائيل، قد اتفقوا على ضرورة فرض يلتسين رئيساً لفترة ولاية ثانية على الرغم من تدهور شعبيته حداً بلغت نسبتها فيه خمسة أو ستة في المئة مطلع عام 1996. ومن هؤلاء كان فلاديمير جوسينسكي رئيس المؤتمر اليهودي – الروسي، ونائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي وصاحب أكبر امبراطورية إعلامية في تاريخ روسيا الحديث. ونجح هؤلاء في استقطاب تاتيانا ابنة الرئيس يلتسين لتكون معهم كحلقة وصل مع الرئيس، وفريق الخبراء الأميركيين الذين وفدوا خصيصاً للإشراف على الحملة الانتخابية ليلتسين علانية من مقر إقامتهم في فندق "بريزدنت" الرئاسي التابع للكرملين، من دون أن يكلف أحد نفسه عناء إخفاء وجود مثل هذا الفريق الأميركي الذي ثمة من قال آنذاك إنه كان يضم ضباطاً من الاستخبارات المركزية الأميركية. ومع كل ذلك، لم يستطع يلتسين تجاوز منافسه الرئيس جينادي زيوجانوف من الجولة الأولى، بل وهناك من الشهود والوثائق ما يؤكد أن يلتسين لم يحقق الفوز في الجولة الثانية، إلا بعد تدخل الجهاز الإداري وارتكاب "جرائم التزوير السافرة" للانتخابات في عدد كبير من الدوائر الانتخابية للأقاليم، تحت إشراف مباشر من جانب فريق الخبراء الأميركيين. وتلك شهادة للتاريخ لا يزال شهودها أحياء يرزقون، ومنهم جينادي زيوجانوف منافسه الرئيس في انتخابات 1996، وأناتولي تشوبايس ومعظم أصحاب البنوك السبعة ممن يقيمون اليوم في إسرائيل، فضلاً عن المشاركين المباشرين في ارتكاب "جرائم التزوير" من الحكام السابقين لعدد من الأقاليم الروسية.

حملة التطهير

أما عن نوادر يلتسين التي طالما تندر وسخر منها الداخل قبل الخارج، فهي كثيرة وكشف عن بعضها ألكسندر كورجاكوف كبير حرسه، كما أشرنا عليه، انتقاماً لقرار طرده من منصبه في يوليو (تموز) 1996 في سياق إذعانه لطلب "رفاقه" الجدد من "الليبراليين - الديمقراطيين"، الذين جاؤوا به ستاراً لكل تجاوزاتهم السابقة واللاحقة التي ارتكبوها في تسعينيات القرن الماضي. وكان كثيرون من هؤلاء في صدارة ضحايا حملة التطهير التي قام بها الرئيس الحالي فلاديمير بوتين ف مطلع سنوات ولايته الأولى 2000 -2004. وذلك ما يمكن العودة إليه في تقرير آخر من موسكو.