Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التنمر يترك ندوبا في النفس وقد يصل إلى القضاء

قد يعترف جيل كامل بأنه تعرض لذلك من دون أن يسمع بهذا المصطلح وكانت كلمة "مسخرة" هي الرائجة أو ما يوازيها

التنمر ليس نفسياً فحسب بل يتعدى ذلك إلى الجسدي (بيكساباي)

"لا أريد الذهاب إلى المدرسة، أريد أن أموت"، جملة جعلت والدة مريم تنطلق مباشرة بابنتها، البالغة من العمر 9 أعوام، إلى المعالجة النفسية.

لم تشأ مريم التي وضعت نظارة طبية، واختارتها حمراء الإطار أن تفصح في بادئ الأمر التنمر الذي كانت تتعرض له من زملائها في الصف.

أخفت مريم نظاراتها عن زملائها كي لا تتعرض لمزيد من التنمر بسبب بطء نموها وقصر قامتها. أما لماذا فكرت في الموت، فتخبر والدتها أن الطفلة شعرت أنها لا تستطيع تحسين وضعها بما يتعلق بجسمها الصغير، ولا تقدر أن تقرأ من دون نظرات. ويبدو أنها ضاقت ذرعاً من أوصاف "زمكة" و"إم سكعكع" و"قزمة". وتقول والدتها، إنها أصبحت مرتاحة جداً في الدراسة عن بُعد.

التنمر مصطلح جديد

قصة مريم التي تخضع لعلاج نفسي قد توقظ فيمن يقرأها ألفاظاً شتى سمعها، استخدمها، أو وُصف بها أيام المدرسة.

قد يعترف جيل كامل بأنه تنمر أو تعرض للتنمر من دون أن يسمع بهذا المصطلح. كانت كلمة "مسخرة" هي الرائجة أو كلمات توازيها.

قصص ترويها سيدات تلخص جروح التنمر في حياتهن.

تقول مها إنها لطالما "مُسحت الأرض بمشاعري وأنا أسمع زملائي يسمونني إم شفاتير بسبب حجم شفاهي، وقبل أن يروج تكبير الشفاه. حتى أمي كانت تقول شفاتيرك بيكنسوا الأرض، وكنت أزمّ شفتي وأعضهما آملة أن يتوقف الاستهزاء بي، ولم أكن قد سمعت عبارة تنمر".

وتخبر أنها تربي ولديها على مراعاة مشاعر كل مختلف في الشكل أو في السلوك وحتى الوقوف جانبه إذا ما تعرض لأي مضايقة.

الاسم سبب للتنمر

وتروي نجوى أنها تعرضت للتنمر في كل مراحل حياتها، وكانت تنزعج وتُستفز دوماً. ففي الصغر كانت في تونس، وكان زملاؤها ينادونها "زَزْوة" أي ركوة القهوة. وعندما عادت إلى لبنان كانت تتكلم الفرنسية بطلاقة، وكان ينزعج منها زملاؤها معتبرين أنها تتباهى، فأصبحت تغيّر لهجتها، ولم تعد تشارك، وتراجعت ولم يعد لديها أصدقاء.

تقول إن أهلها لم يقفوا إلى جانبها، وكانوا يطلبون منها تجاهل الأمر. لكنها فعلت عكس أهلها، فعندما شكا ابنها تنمر زملائه على اسم عائلته، ووصلت إلى أذيته الجسدية لأنه يستفز بسرعة، حاولت نجوى أن تتفاهم مع المدرسة، ولما لم تلقَ التجاوب المطلوب نقلته إلى مدرسة أخرى. وتتابع وضعه مع اختصاصي نفسي.

الشخصية القوية

تقول مايا، إن البؤبؤ يخرج من عين ابنتها، وهي من أصعب الحالات، وإن الطفلة خضعت لثلاث عمليات جراحية. ولكن مايا ربت ابنتها على أن تكون قوية الشخصية وتدافع عن نفسها. ولطالما علمتها أن تنظر في المرآة وتقول إنها خلقة الله الجميلة. وفي صف الأول تنمر طفل عليها وقال لها "حولة". شكت مايا للمدرسة مباشرة خوفاً من أن يؤثر على نفسية ابنتها وتتراجع في الدرس، فتحدثت المعلمة إلى الصبي المتنمر واعتذر بدوره من الفتاة.

رنا لم يتنمر عليها زملاؤها، إنما معلمة الرياضيات التي كانت تضربها، فبدأت تتراجع في المدرسة في المواد العلمية من الصف السادس وحتى الصف الأخير في المرحلة المتوسطة، إلى أن توقفت هذه المعلمة عن تدريسها، على الرغم من أنها كانت من الأوائل. وتعتبر أنها يوماً ما ستقول للمعلمة كم أذتها.

أما مي فلشدة ما كرهت جسمها في طفولتها، لأنها بلغت في عمر التاسعة وأصبحت النظرة لها أنها "جهلانة"، خجلت من جسمها وأنوثتها لدرجة عدم تقبلها جسمها الذي لم تتصالح معه حتى عمر الثلاثين.

الوزن هدف للتنمر

فاطمة كان لديها حبوب شباب كثيرة وكبيرة الحجم بسبب مشاكل هورمونية، مما قلل ثقتها بنفسها. وليزيد الطين بلة، كما تقول، كانت تضع النظارات، وكانت ممتلئة الجسم، "في الصف الخامس والسادس كان التنمر في المدرسة لا إرادياً، ويسألونني لماذا وجهك هكذا، ويخافون أن أعديهم وأن أقبلهم".

أما الوزن فكان موضوعاً للتنمر مرفقاً بالنصائح المزعجة، كما تذكر في عمر 13 عاماً "لماذا أنت سمينة؟ يجب أن تخسري وزناً لتجدي من يقبل بالزواج بك". تقول إن تعبير التنمر لم يكن رائجاً حينها، وإن والدتها دعمتها كل تلك الفترة. وعندما توازنت هرموناتها تغير شكلها فأصبحت 46 كلغ وعالجت حب الشباب، ولم تمر في الجامعة بما مرت به في المدرسة. وتقول إنه لمواجهة التنمر، لا بد من الثقة في النفس ومن الخيارات. وتنصح بالابتسام في وجه المتنمر لتحجيمه.

سالي تقول، إن درجة التنمر في المدرسة أفضت بها إلى محاولة الانتحار. كانت نحيلة ومريضة مع دبغات تحت العينين، فكانوا ينادونها "أفتار". كرهت سالي نفسها ورددت أمام مرآتها أنها بشعة. لكن والدها كان داعماً لها، وسجلها في الرياضة وعزف العود. وتعتبر أنها قطعت هذه المرحلة بسلام.

سهى تعرضت إلى حالات تنمر لا تُحصى، بحسب قولها، من الأشخاص المحيطين بسبب الوزن الذي كان سببه "إبر الكورتيزون" منذ عمر 8 إلى 14 عاماً. وبعدها توقف عمل الغدد والتهابات في الجسم زادت من وزنها.

بدأ الاكتئاب معها في عمر 16 عاماً، لكنها عادت وبدأت تبحث عن طريقة للخروج من أزمتها لتكون إيجابية، فبدأت تبتكر ستايلاً خاصاً بها يظهر أنوثتها وطاقتها، وانخرطت في العمل الاجتماعي، وفي دورات تدريبية وورش عمل، مما غيّر حياتها كلياً. وتقول إنها ما زالت تسمع كلاماً من سيدات يتساءلن كيف ستتزوج، ولماذا لا تخفف وزنها... ولكنها لم تعد تلقي بالاً، حتى أنها تجيب من يسألها "أنا أحبك كيفما كنت" حتى تسكته.

متنمرة ونادمة

في إطار آخر، تعترف ليال بندم أنها كانت "متنمرة وشريرة، ورئيسة عصابة في المدرسة. وأعتذر الآن من كل مَن تنمرت منهم. كنت آخذ أكياس التشيبس من الأولاد لأجمعها وأحضر مسرحية، ومَن لا يقبل أهدده بأنني بنت المديرة، فيرضخ".

تقول ليال إنه لم يحدث أن تنمر عليها أحد، بل كانت تتنمر على الجميع، ومن لا يعجبها تضربه أو ترسل أصحابها ليضربوه. وتشير إلى أن طفولتها لم تكن مستقرة، وأنها حُرمت من كثير من الأمور وكان والداها دائمي الخلاف، وتقول "ربما فشيت خلقي بالأولاد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التنمر عنف

تلفت رنا غنوي الاختصاصية في العمل الصحي والاجتماعي وفي العمل مع الأطفال إلى أن التنمر هو سلوك عدواني، أو سلوك بهدف الإيذاء بشكل متكرر بهدف الإضرار، وهو أحد أنواع العنف اللفظي والنفسي.

وتشير إلى أن كلمة تنمر نضجت في السنوات العشر الماضية. وفي لبنان بدأت تنتشر عام 2005 بعد تطوير القانون الرقم 422 "قانون حماية القاصرين من العنف". وتعتبر أنه ليس كل سخرية نسمعها تنمراً. فالتنمر هو عندما يكون الكلام جارحاً ومقصوداً ومتكرراً، والوتيرة والتكرار تجعله في خانة التنمر.

وتقول إنه "عندما يدير الطفل أو الشخص علاقته مع الآخرين بشكل يسبب لهم الأذى بشكل متكرر مع استخدام مصطلحات، أو سخرية من الشكل أو سلوك أو ممارسة ما، وتسبب للطفل الآخر انزعاجاً، مما يؤثر على صحته ونموه وسلامته، حينها يعتبر أن الطفل يتعرض للعنف النفسي وتحديداً التنمر".

وليسمى تنمراً، يجب أن يكون متعمداً ومتكرراً وليس مجرد سوء سلوك، مع اختلال في القوة بين الطفلين، أي استقواء طفل على طفل آخر غير قادر على إثبات نفسه أو الاعتراض.

أنواع التنمر

والتنمر، وفق غنوي، ليس نفسياً فحسب، بل يتعدى ذلك إلى الجسدي "كالسحسوح أو تكسير أغراضه". هو اعتداء وسوء معاملة متكرر.

أما التنمر النفسي، فيكون بالسخرية والتقليل من شأن الطفل، وبإطلاق ألقاب عليه. وتعطي غنوي مثلاً عن طفل لديه الصدفية (مرض جلدي) وينادونه "أبو إيد دجاجة". ما جعل الطفل يرفض الحضور إلى المدرسة.

وكذلك التنمر الاجتماعي، ويكون بإهمال الطفل وإذلاله. وهذا يكون عادة بوجود زوجة أب تهمش ابن زوجها وتهتم بأولاها (على الرغم من أن كثيرات من زوجات الآباء يكن أفضل من الأمهات البيولوجيات)، كما تقول.

وتضيف أنه في السنوات الخمس الماضية انتشر مفهوم "السايبر بوليينغ" أو "التنمر الإلكتروني"، مثل السخرية والاستغلال والتهديد عن طريق الإنترنت، ومن الصعب ضبطها، خصوصاً أن هوية الشخص لا تكون واضحة.

تأثير التنمر

تقول غنوي، إن الطفل يحتاج إلى الثقة في نفسه منذ لحظة ولادته. إذ يجب أن يشعر أن لوجوده معنى. في المدارس، تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للتنمر تتراجع علاماتهم لأنهم يفقدون التركيز.

ويركزون على فكرة الهروب من المتنمرين، أو على تغيير الصفة التي يُنعتون بها، أو الأمر الذي يتعرضون للتنمر بسببه. ويصبح تركيزهم على أداء الآخرين للتخفيف من وطأة ما يتعرضون له.

ومن تأثير التنمر أيضاً معاداة المجتمع، فلا يحب الطفل الخروج  خوفاً مما قد يتعرض له. مما يقلص قدرته على التفاعل والتواصل الإيجابي.

على المدى البعيد، ومع تكرار التنمر، قد يصل التأثير إلى الصحة النفسية للطفل أو القاصر. ما قد يدفعه إلى الانتحار.

وعلى الأهل، في رأي غنوي، الانتباه إلى ما يقوله الطفل، وأن يؤخذ على محمل الجد. وأن تكون طريقة التربية مرتكزة على الحق والواجب، فتعزز حصانة الطفل ومرونته ليعرف كيف يدافع عن نفسه. وتعتبر أن التنمر ثقافة سلبية مثلما الاحترام ثقافة إيجابية.

المتنمر إلى القضاء

وتعتقد غنوي أن الأطفال لا يولدون متنمرين. والمتنمر قد يكون تعرض للتنمر من قبل، أو واجه مشاكل في أسرته، فلا يحقق ذاته إلا من خلال إيذاء الآخرين تعويضاً عن العجز والضعف الذي يعيشه، فيستقوي على الأضعف في الخارج.

ويحتاج المنتمر القاصر، برأيها، إلى الدعم النفسي لفهم أسبابه ومساعدته، لأنه غير قادر على بناء علاقات صحيحة، إذ يتنمر من كل الأطفال، ولا يتواصل بشكل جيد.

وعن محاسبة المتنمر تقول غنوي، إن الأمور قد تصل أحياناً، في حال كان المتنمر راشداً، إلى القضاء، إذا ما سبب أذى للقاصر أثر على صحته ونموه وسلامته، ولم يفلح التدخل الاجتماعي المهني بردعه. فيذهب الأمر في مسار قضائي، وقد يُلزم قاضي الأحداث المتنمر بالعلاج النفسي بعد توصيات من الجمعية الملتزمة بالحماية، التي قد تطرح نفسها أو تقترح جمعيات أخرى مختصة وتكون الخدمة مجانية.