Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نساء "عطر الشوك" يواجهن السلطة الذكورية والتواطؤ المجتمعي

رنا الصيفي تخوض عالم السرد بعد تجربة في حقل الترجمة الروائية

الروائية والمترجمة رنا الصيفي (اندبندنت عربية)

موقع المرأة في المجتمع الأبوي هو السؤال الذي تطرحه الكاتبة والمترجمة رنا الصيفي في "عطر الشوك"، روايتها الأولى (نوفل- هاشيت /أنطوان) بعد عدد كبير من الروايات التي ترجمتها إلى العربية. وهو سؤال قديم طالما طرحته الرواية العربية في إطار مقاربة المسألة النسوية. غير أن الجديد في طرحه، هذه المرة، هو أن معظم النساء في الرواية ينتمين إلى الطبقة الوسطى، ويرتبطن بأزواج من الطبقة نفسها. ومع هذا، يكون على النساء: الخضوع للعقل الذكوري، والتموضع في مجتمع بطريركي، والامتثال لعاداته وتقاليده، والانخراط في منظومة القيم التي تحكمه. ويكون للرجال اليد العليا في الإخضاع والتقرير وحراسة الهيكل.

المؤشرات الروائية التي تحدد هذا الانتماء الطبقي لشخوص الرواية كثيرة. تتمظهر، أولاً، في المهن التي تزاولها الشخوص، زوجاتٍ وأزواجاً، فنجد بينها: الطيار الماهر، الجراح الشهير، المستثمر الناجح، الأستاذة الجامعية، الصحافية النشيطة، صاحبة الصالون النسائي، المصرفية اللامعة، الخريجة الجامعية، وغيرها. وتتمظهر، ثانياً، في الأمكنة الروائية التي تدور فيها الأحداث، وتتراوح بين: الفندق الفخم، والمطعم الفاخر، والقصر المنيف، والشاليه الجبلي، وغيرها.  

ثنائيات زوجية

تدور الأحداث بين عامي 2015 و2017، في فضاء روائي مديني، وتشترك فيها مجموعة من الثنائيات الزوجية، سواء من موقع الفاعل فيها أو المنفعل بها. وهذه الثنائيات هي: ورد/ فريد، لميا/ عمر، سمية/ أيمن، آية/ مجد، غزل/ أدهم، فدا/ أشرف، بشرى/ وديع، وورد/ غدي. وثمة تفاوت في ما بينها، في مساحة الحضور النصي، فتستأثر ثنائية ورد/ فريد بالمساحة الأكبر، وتشغل ثنائية آية/ مجد المساحة الأصغر. وهي تنخرط في شبكة علائقية مركبة؛ يتحرك فيها السرد بين طرفي الثنائية الواحدة، من جهة أولى، وبين أطراف من ثنائيات عدة، من جهة ثانية، وبين الثنائيات المختلفة، من جهة ثالثة. والنسيج الروائي هو حصيلة هذا التحرك المتعدد. على أن موقعية المرأة في الرواية تتحدد، بشكل أساسي، من خلال الثنائية التي تشكل هي أحد طرفيها، مع الإشارة إلى أن هذه الموقعية تختلف من ثنائية إلى أخرى باختلاف طبيعة العلاقة التي تربطها بالطرف الآخر/ الرجل. فما هي الصورة التي ترسمها الكاتبة للمرأة في "عطر الشوك"؟ واستطراداً، ما هي صورة الرجل؟

لا ترسم رنا الصيفي صورة واحدة للمرأة في روايتها بل صوراً متعددة يجمع بين معظمها تموقعها بين مطرقة الرجل وسندان المجتمع؛ تتمظهر المطرقة في العقل الذكوري والذهنية الشرقية والنظرة القيمومية. ويتمظهر السندان في الثقافة الأبوية والتفكيرالبطريركي ومنظومة القيم الاجتماعية.

الشخصية المحورية

وفي الوقائع الروائية، تُعرِض ورد في مطلع شبابها الغض عن نداء القلب، فلا تمنح زميلها غدي فرصة التعبير عن مشاعره نحوها. وتتبع عقلها، فترتبط بفريد العامل في الخطوط الجوية البريطانية، بعد أن تعرفت إليه، ذات سفرة عمل فرنسية. فترى فيه الزوج المثالي والأب النموذجي، ويرى فيها المرأة الجميلة والأم. غير أن نقصاً معيناً تعيشه ورد، يتمثل في عدم قدرة الزوج على الإنجاب الطبيعي، وفي برودته الجنسية، وفي عدم إيلائها الاهتمام اللازم، على رغم إغراقه إياها بالهدايا وحرصه على تلبية طلباتها. وفي محاولة منها للتعويض عن هذا النقص المتعدد، تلجأ ورد إلى التلقيح الاصطناعي، وتهرب فكرياً من البرودة الجنسية وقلة الاهتمام العاطفي إلى غدي، الحبيب الأول، الذي أوصدت دونه قلبها ولم تمنحه فرصة الحب، الأمر الذي تندم عليه بعد فوات الأوان.

وإذ تلتقي بغدي صدفةً في حفلة ميلاد صديقتها لميا بعد ثمانية عشر عاماً من لقائهما الأخير، ويبدي اهتماماً خاصاً بها، ويعترف لها بأنه يعشق الأرض التي تمشي عليها، تتلقى صدمتها الأولى، تلك الليلة، حتى إذا ما عادت إلى بيتها، تجد فريد بانتظارها يعترف بخيانته المستمرة لها، قبل أن تعلم ذلك من صديقتها لميا التي ضبطته في باريس بالجرم المشهود، فتكون صدمتها الثانية القاضية على العلاقة بينهما، وتخرجه من حياتها. وحين تقرر تصحيح الخطأ الذي ارتكبته، في الماضي، بعدم الإصغاء إلى نداء قلبها، يتدخل القدر ليخطف غدي منها، ويتركها وحيدة على رصيف الانهيار.

الشخصيات المكملة

وإذا كانت ورد الشخصية المحورية في الرواية تذهب ضحية الإعراض عن نداء القلب، والخيانة الزوجية، والمظاهر الخادعة، والقدر القاسي، فإن صديقاتها المتمحورات حولها ضحايا من أنواع أخرى، ولكل ضحيةٍ جلادٌ واحدٌ أو أكثر؛ ولعل الضحية الأكثر مظلومية، في هذا السياق، هي فدا التي يقع عليها ظلم زوجٍ جاهل، مُثْقَل بِعُقَدِه النفسية، فأشرف الذي شهد خيانة أمه وتسلطها على أبيه طفلاً ينطوي على كرهٍ عارمٍ للمرأة، يعبر عنه بالتعنيف الدوري، الجسدي واللفظي والمعنوي، لفدا، حتى إذا ما اكتشفت ورد ذلك، تمد يد المساعدة لصديقتها، فتخرجها من منزله، وتستأجر لها منزلاً بديلاً، وتكلف محامية تطليقها منه، وتستصدر حكماً بعدم تعرضه لها، وبإخضاعه للعلاج النفسي. وبذلك، تذهب فدا ضحية زوجٍ متسلط معقد نفسياً، وأم خاضعة لأحكام المجتمع البطريركي التي ترى في طلاق المرأة من زوجها عاراً كبيراً.

 

الضحية الثالثة في الرواية هي سمية الأستاذة الجامعية التي لم تشفع لها شهادة الدكتوراه لدى زوجها الجراح الشهير المسكون بالعقل الذكوري، فلا يتورع عن انتقادها، وممارسة الوصاية على تفكيرها وتعبيرها، والحط من قدرها، وتبلغ به ذكوريته حد إذلالها وتعنيفها لفظياً وجسدياً، ما يجعل كيلها يطفح، فتقرر طلاقه، وتطلب منه عدم العودة إلى البيت. وبذلك، تقع سمية ضحية ازدواجية الزوج بين المستوى العلمي والسلوك اليومي. بينما تقع غزل، الضحية الرابعة، تحت وطأة زوجٍ يزاوج بين الثقافة المتواضعة والسلوك الغريب والشكل الكاريكاتوري، فأدهم يأكل بطريقة مقرفة، ويقفز كرشه أمامه حين يمشي كبطريق، ويمارس الجنس كمهمة ملزمة، ما يُغرق حياة الزوجين في روتين قاتل ومساءات متشابهة وتكلف جنسي، ويجعل الزوجة تلجأ إلى استخدام الأدوات الجنسية خفيةً عنه إشباعاً لحاجاتها الطبيعية. وبذلك، تسقط ضحية الصورة النمطية التي يرسمها المجتمع للمرأة على حساب رغباتها وحياتها الخاصة. 

الضحية الخامسة في الرواية تقع تحت تأثير النظرة الاجتماعية للعقم، فتتطوع آية لتحمل عن زوجها مجد تهمة العقم، لأنه لا يجوز أن يُرمى بها الرجل في المجتمع الأبوي، ويكون عليها أن تعاني حكم المجتمع ولسان الحماة المنافقة التي تقول في غيابها ما لا تقول في حضورها. وبذلك، تحمل تهمة العقم عن زوجها، ويقع عليها صمت الزوج، وظلم المجتمع، ونفاق الحماة. فضلاً عن نشأتها في أسرة متزمتة ترى الاختلاط جريمة تُعاقب عليها الأنثى، فتحس بخيبة أن تكون أنثى مدانة في جميع الأحوال. أما بشرى، الضحية السادسة، فتقع ضحية انخراطها في علاقة مع وديع، الرجل المتزوج وصاحب سلسلة المطاعم الذي يحبها، لكنه حين يكون عليه الاختيار بين قلبه وعقله يختار الأخير، ويقرر عدم الانفصال عن أسرته، الأمر الذي يجعلها تؤثر الرحيل عنه. وحدها لميا، دون الصديقات جميعاً، ترفل في حب الزوج وحنانه، غير أنها تذهب ضحية الطبيعة التي تحرمها نعمة الأمومة.

وعلى الرغم من صورة الضحية المُطْلَقَة التي تتخذها المرأة في الرواية، فإن هذه الصورة تُصبح نسبية حين تكون الكلمة الأخيرة فيها للمرأة؛ فتتخذ  كل من ورد وفدا وسمية وبشرى قرار الانفصال عن الشريك، وتقرر كل من آية وغزل تحمله للحفاظ على الزواج، وترفل لميا في علاقة زوجية سعيدة.

صورة الرجل

أما الصورة التي ترسمها الكاتبة للرجل فهي غالباً صورة سلبية تستبطن منظوراً روائياً منحازاً للمرأة؛ فَتَصِمُ فريد بالخداع والخيانة الزوجية، وتنسب إلى أشرف الاختلال العاطفي والاضطراب السلوكي، وترمي أيمن بالازدواجية والذكورية، وتصف أدهم بالسطحية والغرابة، وتطبع مجد بالتواطؤ والأثرة، وتضفي على وديع الانتهازية والأنانية. ولا يسلم منها سوى عمر الذي يتفانى في حب زوجته والاحتفاء بها. وبذلك، وانسجاماً مع منظورها الروائي المنحاز، تظلم الكاتبة الرجل، وتَسِمُهُ بشتى الموبقات، وتمنح المرأة صك براءة مطلق.

وبمعزل عن الوقائع الروائية والمنظور المنحاز، وعلى الرغم من أن الرواية هي الأولى لصاحبتها، فإن الخطاب الروائي فيها يتسم بالرشاقة والبساطة، ويتوزع على خمسٍ وعشرين وحدة سردية متفاوتة، قصيرة أو متوسطة أو طويلة، يتراوح طول الواحدة منها بين صفحة واحدة، في الحد الأدنى، كما في الوحدة الخامسة والعشرين، واثنتي عشرة صفحة، في الحد الأقصى، كما في الوحدة الثانية والعشرين. وتنخرط في علاقات التجاور والتعاقب والتداخل، في مسار دائري، تتكرر فيه الوحدة الأولى حرفياً في الوحدة الرابعة والعشرين، ما قبل الأخيرة. وتُسند الكاتبة مهمة روي هذه الوحدات إلى راويين اثنين؛ راوٍ عليم يروي الوقائع المتعلقة بالشخوص بصيغة الغائب، جامعاً بين النمطين السردي والحواري، في ثلاثٍ وعشرين وحدة روائية، وراوٍ شريك مبهم لا ينتمي إلى أي من شخوص الرواية يروي وقائع متعلقة بالجماعة، في الوحدتين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، بصيغة المتكلم الجمع، في نمط كلامي يغلب عليه الوصف. وهاتان الوحدتان تضيئان الخلفية العامة لمسرح الأحداث، وتنبوان عن النسيج الروائي العام، بالتالي، وجودهما لا ينفع، وحذفهما لا يضر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجاور الكاتبة في خطابها بين السرد والحوار، وتجمع بين طلاوة الأول ورشاقة الثاني. وإذا كانت رشاقة الثاني ناجمة عن غلبة الجمل القصيرة على الحوار، فإن طلاوة الأول تنجم عن استخدام الجمل القصيرة والمتوسطة، من جهة، وعن كسر نمطية السرد بمقطع من الإنترنت، أو بمقتطفات فيسبوكية وإنستغرامية تشتمل على نكات وأقوال مأثورة، أو برسالة نصية، أو برسالة عادية، أو بخبر صحافي، أو بقصيدة، من جهة أخرى. غير أن كسرها بالتقنية الأخيرة لم يصب في السياق نفسه، فجاءت القصيدة في الوحدة السادسة عشرة مقحمة عليها، في الشكل والمضمون، فضلاً عن اختلال الوزن والقافية في غير بيتٍ منها، وكان الأولى بالكاتبة عدم الزج بها حيث لا تدعو الحاجة.

المزيد من ثقافة