Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم أعاد الإيطالي سيرجيو ليوني اختراع رعاة البقر وأفلامهم

"ثلاثية الدولار" تحدّت الأميركيين ببطل من عندهم لا اسم له

كلينت إيستوود في مشهد من فيلم "من أجل حفنة من الدولارات" (غيتي)

في سنوات الستين من القرن المنصرم، راح يبدو وكأن سينما رعاة البقر التي شكلت واحداً من أهم وأنجح إنتاجات السينما الأميركية في عصرها الذهبي قد انتهى أمرها. كانت قد تبقت بالفعل أفلام تنتمي إلى النوع الذي تنتجه في هوليوود بين الحين والآخر وتحقق نجاحات متفاوتة. ولكن النوع نفسه كان قد أضحى جزءاً من الماضي أما ما تبقى منه فراح يغلب عليه التسيّس بشكل كان يقال معه إن السينما فقدت براءتها القديمة ولم يعد في حاضرها مكان لتلك الأفلام التي كانت تحمل في أيام العز تواقيع جون فورد أو باد بوتيشر أو ويليام ويلمان، لتجعل البطولة لنجوم كانت الجماهير العريضة تعتقدهم رعاة بقر عن حق وحقيق. ولكن فجأة في أواسط سنوات الستين استعادت تلك السينما التي يفترض أنها "أميركية بامتياز" مكانها ومكانتها ولكن من حيث لم يكن أحد يتوقع.

على الطريقة الإيطالية

كان ذلك خاصة بفضل ثلاثة أفلام... إيطالية، وتحمل كمخرج وكاتب اسماً إيطالياً صرفاً سرعان ما صار يعتبر، بتلك الأفلام وبحفنة غيرها من أفلام أخرى أتت غير منخرطة تماماً في النوع، واحداً من كبار سينمائيي العالم. حملت الثلاثية اسماً عاماً سيطلق عليها لاحقاً هو "ثلاثية الدولار" تيمناً بكون العملة الأميركية تشغل مكاناً في عنوان أولها ("من أجل حفنة من الدولارات") وثانيها ("من أجل بضعة دولارات أخرى") وجزءاً أساسياً من موضوع ثالثها ("القبيح والطيّب والشرير"). كذلك عرفت الثلاثية في بعض المناطق بـ"ثلاثية الرجل الذي لا اسم له" انطلاقاً من فرضية تقول إن الشخصية المحورية في الأفلام الثلاثة لا اسم لها. وهي فرضية خاطئة لأن لذلك البطل اسماً محدداً قد يناديه به الآخرون... أما بالنسبة إلى مهنته فهو في المرات الثلاث قاتل محترف لكنه لا يقتل سوى الأشرار لتخليص الطيبين والأبرياء من شرهم. وذلك بالتحديد على غرار ما يفعل يوجيمبو بطل واحد من أنجح أفلام الياباني آكيرا كوروساوا حمل عنوان الفيلم اسمه، وربحت شركته دعوى قضائية، إذ اتهمت صاحب الثلاثية الإيطالية بالسرقة، ما اضطر هذه إلى إضافة اسمي كوروساوا وشريكه ككاتبين للفيلم إلى لائحة أسماء المؤلفين.

لكن المبدع الحقيقي واحد

مهما يكن من أمر سرعان ما بات معروفاً أن "ثلاثية الدولار" كانطلاقة لنوع سينمائي هي من بنات أفكار سيرجيو ليوني المخرج الذي لن يتاح له أن يحقق بعد تلك الثلاثية سوى ثلاثة أفلام أخرى تشكل "ثلاثية ثانية" آخرها تحفته "حدث ذات مرة في أميركا".

أما بطولة "ثلاثية الدولار" فكانت لممثل أميركي وسيم وشاب قصد إيطاليا في حينه لأنه عجز عن أن يحقق في هوليوود طموحاته السينمائية، لكنه إذ عاد إلى وطنه لاحقاً عاد مكللاً بمجد شعبي كبير ولكن بسمعة "فاشية" انبنت على دوره في الثلاثية، ولكن كذلك على لعبه في هوليوود دور المفتش هاري "القذر" ليصبح بعد ذلك، كممثل ثم كمخرج وأحياناً الاثنين معاً، واحداً من أكثر السينمائيين إنسانية في تاريخ الفن السابع: كلينت إيستوود.

 

أسطورتان وعبقري موسيقي

يمكن القول في نهاية الأمر إن أفلام الدولارات تلك قد خلقت في ذلك الحين أسطورتين سينمائيتين كبيرتين ستصبحان ثلاثاً إن نحن أضفنا إليهما إنيو موريكوني وموسيقاه التي ستصبح معْلماً هائلاً من معالم الموسيقى السينمائية في تاريخها. والحقيقة أن أحداً، ومنذ المشاهد الأولى للفيلم الأول "من أجل حفنة من الدولارات" بل منذ الإطلالة الأولى لكلينت إيستوود بصمته الفصيح ونظراته القاسية، لم يجرؤ على الاستهانة بتلك الأفلام وقوتها إلى درجة أنها ستصنف تباعاً بعد سنوات، في الترتيب 97، 88، و98 بين أعظم أفلام رعاة البقر في التاريخ، حتى ولو سُميت بـ"سباغيتي ويسترن"، وأصر عدد من غلاة النقاد الأميركيين على التقليل من شأنها. فالحقيقة أن استيلاء ليوني الإيطالي على تلك السينما الأيقونية الأميركية تبدّى كاملاً وأعاد الحياة إلى النوع كما أشرنا.

صحيح أن اسم سيرجيو ليوني ارتبط أساساً بفيلم "من أجل حفنة من الدولارات"، الذي يعتبر واحداً من أكبر النجاحات في تاريخ السينما غير الأميركية، والذي ألقى الضوء كاشفاً على ذلك الممثل الذي كان له شأن كبير بعد ذلك: كلينت ايستوود، ولكن سوف يكون من الظلم لسيرجيو ليوني، الراحل عن عالمنا في عام 1989، أن تقتصر قيمته على كونه محقق أفلام رعاة البقر الإيطالية التي عرفت باسم "سباغيتي ويسترن". فالحال أنه بعد صدمة النجاحات الأولى التي حققتها أفلامه الإيطالية الأساسية مثل "من أجل حفنة من الدولارات" و"من أجل دولارات أكثر" و"القبيح والطيب والشرير"، وبعد أن بدأت الأوساط السينمائية تعتاد على أساليب ليوني وجنونه السينمائي، راحت تكتشف أن أفلامه تحمل من الأبعاد والتجديد الأسلوبي ما لا يمكن أن يكون قد خطر في البال أول الأمر.

حدث ذات مرة...

وعلى هذا النحو، في الوقت الذي كان فيه سيرجيو ليوني يختتم حياته وحياته المهنية بثلاثيته: "حدث ذات مرة"، كان النقاد الجادون قد بدأوا يهتمون به، وكانت الكتب التحليلية قد بدأت تظهر متحدثة عنه، وكان البعض قد بدأ يستعد لتصنيفه في خانة كبار مبدعي الفن السينمائي. وإزاء ذلك كله كان سيرجيو ليوني يبتسم بكل هدوء ويقول: "أنا لا أنكر على النقاد مقاطعتهم لي أولاً، ولا عودتهم إلي بعد ذلك، فهذا هو شأنهم وهذا هو عملهم، أما أنا فحسبي أن أنجح اليوم في ما أنا مقدم عليه، إذ إنني بعد أن جعلت الغرب الأميركي يغزو إيطاليا بأفلامي الأولى، أود اليوم أن أرى إيطاليا، ممثلة في شخصي المتواضع، تغزو القارة الأميركية فارضة عليها حضوراً سينمائياً جديداً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة نظر في الذهنية الأميركية

وبالفعل تمكن ليوني من تحقيق غايته هذه، في الأفلام الثلاثة الأخيرة التي حققها، وصور معظم مشاهدها في القارة الأميركية: "حدث ذات مرة في الغرب"، "حدث ذات مرة في الثورة" و"حدث ذات مرة في أميركا". وهو في ثلاثيته الأميركية هذه أعاد النظر، خارج إطار أسلوبه الجديد الدينامي والساخر، في تاريخ الذهنية الأميركية نفسه، وفي القيم التي طغت دائماً على هذا النوع من السينما الملحمية الأميركية، من مفهوم الغرب نفسه ونقائه في الفيلم الأول، حيث تصدى للفكرة التي لطالما صنعها الأميركيون لغربهم ورضوا بها مزهوين، إلى مفهوم الخيانة والثورة في الفيلم الثاني، حيث لم يكن من البريء أن ينقل إلى قلب الثورة من أميركا اللاتينية واحداً من ثوار إيرلندا سنكتشف إنه خان الثورة من حيث لم يكن يتوقع، وأنه إنما أتى إلى هنا لكي ينتقم من نفسه أولاً. أما في الفيلم الثالث "حدث ذات مرة في أميركا"، الذي يعتبر أحد أجمل أفلامه، بل واحداً من أجمل الأفلام في تاريخ السينما، فإنه عاد إلى مفاهيم مثل الصداقة والخيانة، ولكن هذه المرة في عمل ملحمي يرسم تاريخاً معيناً لأميركا يمتد خلال الثلث الأول من هذا القرن، ويضيع فيه متفرجه- أسلوبياً- بين الذاكرة والحلم والواقع الراهن، بحيث يختلط كل زمن بالزمن الآخر في لعبة كان ليوني يرى أنها يجب أن تكون الجوهر الحقيقي للفن.

لقد وصل ليوني في فيلمه الأخير هذا (وكان الأخير لأنه رحل بعد إنجازه في وقت كان يستعد لتحقيق فيلم عن ملحمة صمود ستالينغراد خلال الحرب العالمية الثانية) إلى ذروة في لغته السينمائية وفي تمكنه من فنه، أجبرت نقاده ودارسيه على إعادة النظر في أفلامه الأولى - تلك التي كانت تعامل بازدراء، من قبل بعضهم- فاكتشفوا أنها جميعاً تحمل بذور عبقرية سينمائية استثنائية، وإن ليوني عرف على الدوام كيف يخفي حتى في أكثر المشاهد والحركات عادية، ملامح فكرية وتفكيراً في الفن وغايته، وفي زمن السينما لا يزال بحاجة لأن يدرس بتعمق حتى اليوم.

المزيد من ثقافة