Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما مغزى تحذير ترمب والبنتاغون من تدخل الجيش في الانتخابات؟

مخاوف 10 وزراء دفاع ليست افتراضية وتصرفات الرئيس خطيرة

منذ عام 1789، ظلت الانتخابات والانتقال السلمي للسلطة الناتج عنها هي السمات المميزة للديمقراطية الأميركية من دون انقطاع حتى في أوقات الصراع الحزبي والحروب والأوبئة والكساد الاقتصادي، لكن يبدو أن الرئيس دونالد ترمب يريد أن يكون هذا العام استثناءً. 

وبعد ما فشلت جميع الدعاوى القضائية في إثبات ادعاءاته بتزوير الانتخابات لصالح جو بايدن، وتكشفت محاولاته لقلب نتيجة الانتخابات مع مسؤولي ولاية جورجيا، ودفعه أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب إلى تحدي فوز بايدن خلال جلسة التصديق على أصوات المجمع الانتخابي، الأربعاء، في الكونغرس ودعوته أنصاره إلى الاحتشاد بكثافة في واشنطن، قد لا يتبقى لدى ترمب من أوراق سوى الاستعانة بالجيش لحل النزاع الانتخابي، وهي مخاوف يعتبرها البعض مبالغاً فيها، إلا أن عشرة وزراء دفاع سابقين من الحزبين يأخذون هذا الاحتمال مأخذ الجد، وأصدروا تحذيراً شديد اللهجة لقادة البنتاغون. فما مغزى هذا التحذير، وهل من مخاطر حقيقية تواجه الولايات المتحدة بما يدفع ترمب للاستعانة بالجيش  تحت أي سبب لتأجيل تسليم السلطة؟

لا دور للجيش

لطالما كرر كبار القادة العسكريين في وزارة الدفاع الأميركية، بمن فيهم مارك ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة، أن لا دور للجيش في تحديد نتيجة الانتخابات. كما أشار خبراء في العلاقات العسكرية المدنية إلى أن الجنرالات والأدميرالات في البنتاغون يقفون بقوة إلى جانب القانون ولن يخالفوا الدستور إذا طلبت منهم السلطة السياسية التدخل بشكل ما في الانتخابات.  

وعلى الرغم من الأنباء المقلقة التي نقلتها شبكة "سي بي إس" بأن مراقبي الحركة الجوية في نيويورك سمعوا رسالة صوتية رقمية تتحدث عن استهداف مبنى الكابيتول في واشنطن بطائرات انتقاماً لقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في يوم التصديق النهائي على بايدن رئيساً، فإن التوترات الدولية وحين تكون الولايات المتحدة عرضة لأفعال عدائية من خصوم يسعون إلى الاستفادة من مواقف داخلية، لم تمنع انتقال السلطة في مراحل تاريخية مختلفة. ومع ذلك، فإن مشاعر القلق كانت كفيلة بتوقيع رسالة استثنائية من عشرة وزراء دفاع سابقين ينتمون للحزبين الجمهوري والديمقراطي تحذر من عواقب تدخل الجيش.

تحذير استثنائي

على الرغم من أن ديك تشيني، نائب الرئيس جورج دبليو بوش ووزير الدفاع في عهد بوش الأب، مُعاد لليبراليين فإنه بادر بقيادة التحرك الأخير من الحزبين ضد الرئيس ترمب، حيث كان صاحب فكرة جمع توقيع وزراء الدفاع العشرة الأحياء على رسالة مفتوحة استثنائية نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" قبل يومين، وحذروا فيها من أن أي جهود تستهدف إشراك القوات المسلحة الأميركية في حل النزاعات المتعلقة بالانتخابات، سوف تأخذ الولايات المتحدة إلى منطقة خطيرة وغير قانونية وغير دستورية. 

وذهب الوزراء، في رسالتهم التحذيرية الفريدة من نوعها في التاريخ الحديث، إلى مستوى أشبه بالتهديد الصريح حين اعتبروا أن المسؤولين المدنيين والعسكريين الذين يصدرون أو ينفذون أوامر من هذا القبيل سوف يتعرضون للمساءلة، بما في ذلك احتمال مواجهة عقوبات جنائية عن العواقب الوخيمة لأعمالهم على الجمهورية الأميركية. 

عناصر القلق

اعتبرت الرسالة التي جذبت انتباه الأوساط السياسية والعسكرية على حد سواء في العاصمة واشنطن، هي قمة موجة القلق بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن معارضة ترمب الانتقال السلمي للسلطة إلى بايدن، الذي من المقرر أن يؤدي اليمين الدستورية بعد أقل من أسبوعين.

وبلغ القلق مداه بعد ظهور مزيد من الأدلة على استعداد ترمب لتحطيم قواعد السلوك الديمقراطي، حين نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تسجيلاً صوتياً مدته ساعة يطالب فيه الرئيس مراراً أكبر مسؤول انتخابي في جورجيا العثور على 11780 صوتاً لإلغاء فوز بايدن وقلب نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولاية. كما أعاد ترمب تغريد ادعاء عضو في مجلس الشيوخ بأنه لا يفعل ذلك لإفشال العملية الديمقراطية، ولكن لحمايتها. 

وعلاوة على ذلك، سعى ترمب مع يأسه المتزايد وبكل ما أوتي من قوة إلى إقناع زملائه الجمهوريين بضرورة رفض منح فوز بايدن بالانتخابات أي مشروعية، بل دعا أنصاره إلى الاحتشاد في احتجاج جامح في واشنطن، الأربعاء، حول مبنى الكونغرس خلال الجلسة المشتركة للتصديق النهائي على أصوات المجمع الانتخابي بفوز بايدن، وضغط على العديد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الجمهوريين للاعتراض من دون دليل، والادعاء خلال هذه الجلسة بأن فوز بايدن يعود إلى تزوير الانتخابات.

ولا يخفى أن تشيني نفسه ظل يشعر بالقلق تجاه ترمب منذ أن تولى السلطة في البيت الأبيض، لكنه ظل صامتاً كون ابنته، عضوة جمهورية في الكونغرس لكن يبدو أن مشاعر إخفاق انتابته في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عندما نشر ديفيد إغناتيوس، وهو كاتب عمود في صحيفة "واشنطن بوست" ذو علاقات قوية بشخصيات في السلطة، معلومات تقول إن المسؤولين الحكوميين كانوا قلقين جداً من أن ترمب قد يستغل الفوضى العامة لنشر القوات المسلحة ضد المعارضين، كما هدد بذلك في السابق خلال احتجاجات العدالة العرقية التي وقعت الصيف الماضي.

ليست مخاوف افتراضية 

لم تكن هذه المخاوف السائدة في واشنطن وبين وزراء الدفاع العشرة السابقين افتراضية بحتة، ففي 17 ديسمبر الماضي، قال مايكل فلين وهو أول مستشار للأمن القومي لترمب، الذي عفا عنه الرئيس بعد ما أقر بالذنب في اتصالاته بالروس، إن الرئيس الأميركي يمكن له إذا أراد أن يستخدم القدرات العسكرية للجيش ويعيد إجراء انتخابات في كل من الولايات المتأرجحة التي خسرها، وهو سيناريو أثاره ترمب نفسه لاحقاً خلال اجتماع مع فلين ومساعديه في البيت الأبيض، وفقاً لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز".

وحذر الكاتب المرموق في "واشنطن بوست" من أن كبار المسؤولين الموالين لترمب في البنتاغون، والذين عينهم بقرار سياسي بعد ما تم تطهير الوزارة من عدة قيادات في نوفمبر (تشرين الثاني) عقب إقالة مارك إسبر وزير الدفاع، قد يحشدون جهودهم لتمكينهم من أدوات السلطة والقوة، بما في ذلك السيطرة على وكالات الاستخبارات من أجل رفع السرية عن مواد حساسة معينة بغرض تحقيق مكاسب سياسية، بل إن بعضهم سأل بالفعل عن تفاصيل تتعلق بطرق وآليات تحريك قوات الجيش، وفقاً لما قاله مسؤول سابق. 

أداة قوية

وسرعان ما أقنع تشيني، روبرت غيتس وزير الدفاع في عهد الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، وكذلك أشتون كارتر الذي خدم في عهد أوباما، بتوقيع رسالة التحذير التي صاغها كل من إليوت كوهين، عميد كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة بواشنطن، وإريك إيدلمان الخبير في مركز التقييمات الاستراتيجية وشؤون الميزانية.

وانضم إليهما ويليام بيري الذي قاد البنتاغون في عهد بيل كلينتون، وقال إن ترمب يتخذ إجراءات يائسة من أجل الاستمرار في منصبه، معبراً عن قلقه من أن الرئيس الأميركي لديه أداة قوية تتمثل في الجيش، وقد يميل إلى استخدامها، ولهذا فإن البيان هو وسيلة للتأكد من أن كبار العسكريين متيقظين لهذا الخطر ولن يضطروا إلى اتخاذ بعض الإجراءات غير القانونية.

ماتيس وإسبر 

أما جيمس ماتيس الذي كان أول وزير دفاع للرئيس ترمب واستقال من منصبه بعد قرار منفرد من الرئيس بسحب القوات الأميركية من سوريا، ومارك إسبر، الذي أقيل قبل شهرين، كانا أكثر تردداً في التوقيع على البيان، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام أميركية، على اعتبار أن ماتيس، وهو جنرال سابق لا يزال خاضعاً للقانون الموحد للقضاء العسكري، الذي يحظر توجيه كلمات مهينة ضد الرئيس، بينما عبر إسبر عن خشيته من اتخاذ إجراءات انتقامية ضد المسؤولين المرتبطين به الذين ما زالوا يعملون في البنتاغون، لكنهما وقعا على البيان في النهاية نظراً للظروف الاستثنائية التي تمر بها الولايات المتحدة، وأن جميع وزراء الدفاع السابقين يتفقون على أن ترمب لا يمكن التنبؤ بتصرفاته ومن المحتمل أن يتخذ خطوات خطيرة للغاية، وذلك وفقاً لما نقلته وسائل إعلام أميركية عن أحد المشاركين في البيان التحذيري. 

وما ساعد على انضمام ماتيس وإسبر بعد ترددهما، أن الأول سبق له انتقاد تصرفات الرئيس ترمب في يونيو الماضي. كما أن إسبر شاهد تصرفات مقلقة صدرت من الذين عينهم ترمب، أخيراً، في البنتاغون.  

تقلب القرار في البنتاغون

وزاد اعتباران آخران من حجم التوجس لدى الوزراء العشرة السابقين، الأول هو القلق من التقلب الواضح في عملية صنع القرار في البنتاغون، إذ إن إقالة إسبر واستبداله بكريستوفر ميلر، وهو كولونيل متقاعد غير معروف في الجيش، جاء بعد تطهير المجالس الاستشارية الخارجية للوزارة من شخصيات تحظى بالاحترام والتقدير، واستبدالها بأعضاء حزبيين مثل كوري ليفاندوفسكي مدير حملة ترمب السابق، بينما تتزايد المخاوف من أن ميلر يفتقر إلى الخبرة والقدرة على المقاومة إذا كان اختياره مع آخرين في البنتاغون يستهدف خوض معارك انتخابية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحتى التحركات العسكرية بدت مضطربة وغير منتظمة، ففي 31 ديسمبر صدرت أوامر لحاملة الطائرات "يو إس إس نيميتز" بالعودة من الخليج العربي كبادرة تصالحية مع إيران، ولكن في 3 يناير (كانون الثاني) تم إبلاغ قيادتها بالبقاء. وهو ما اعتبره ويليام كوهين، الذي كان وزيراً للدفاع من 1997 إلى 2001، مؤشراً على رغبة الرئيس في توجيه نوع من الضربات ضد إيران حينما يتوفر سبب للهجوم. 

أما الاعتبار الثاني المثير للقلق، فيتعلق بانتقال السلطة داخل البنتاغون، حيث تحذر الرسالة المفتوحة لوزراء الدفاع السابقين من أن كريسوفر ميلر ورفاقه المدنيين في الوزارة ملزمون بالقسم والقانون والتجارب السابقة لتسهيل تسليم مسؤولي إدارة بايدن المقبلة مناصبهم في البنتاغون، والقيام بذلك بكل إخلاص. 

ولكن على أرض الواقع، تذمر بايدن في 28 من الشهر الماضي من أن فريقه الانتقالي واجه عراقيل وحواجز من القيادة السياسية للبنتاغون، حيث رفض مسؤولو ترمب في بعض الاجتماعات مشاركة المعلومات مع من سيخلفونهم من فريق بايدن، على الرغم مما أعلنه ميلر بأن وزارته قدمت أكثر مما طلب في البداية. 

الجنرالات والقيادات المدنية 

ويشير خبراء في العلاقات المدنية العسكرية إلى أن الجنرالات والأدميرالات في البنتاغون يقفون بقوة إلى جانب القانون، لكن المدنيين في الوزارة تصرفوا بطريقة خطيرة للغاية خلال الفترة الانتقالية، التي تشمل تقديم إحاطات دورية إلى الفريق الجديد. 

كما أن شعور كل وزير دفاع سابق على قيد الحياة بأنه مضطر للتحدث بصراحة يشير إلى شدة الأزمة السياسية الحالية، فبالرغم من أن الوزراء العشرة يحملون وجهات نظر متباينة تجاه القضايا المختلفة إلا أنهم جميعاً رجال دولة ناضجون وذوو خبرة، لكنهم ينظرون إلى رئيس الولايات المتحدة ويرون سلوكاً مقلقاً للغاية.

ويرى مراقبون أنه لا يوجد موقف يضاهي الموقف الحالي سوى طلب جيمس شليزنجر، وزير دفاع الرئيس ريتشارد نيكسون، من المسؤولين التحقق من أن أوامر الاستخدام النووي معه أو مع هنري كيسنجر، بسبب قلقه بشأن جنون العظمة لدى نيكسون.

المزيد من تقارير