Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصري إبراهيم عبد المجيد يروي أزمات الهوية المعذبة

رواية "العابرة" تطرح إشكالية المسكوت عنه بعدما تخطاه زمن العولمة

لا شك في أن قضية العبور الجنسي قضية معولمة  (غيتي)

لا تنسَ وأنت تقرأ رواية إبراهيم عبد المجيد "العابرة" (منشورات المتوسط - 2020) أن تحرص على ورقة وقلم بيدك لتدوّن أسماء الأغاني والأفلام التي يوردها الراوي، أو توردها إحدى شخصيات الرواية، لتسمعها أو تتابعها في اللحظة التي تنتابك فيها الرغبة في أن ترمّم ما فاتك من جدارية تاريخ العالم الحديث. لا شكّ في أن هذه المفردات المشار إليها من "يا رايحين الغوريّة"، و"الحلوة دي قامت تعجن"، و"يا ناس أنا متّ في حبي"، إلى "صانعة الدانتيلّا"، و"رجل وامرأة"، و"بورسالينو"، و"سحر البرجوازية الخفي"... والذي أشار إليه أصحاب نظرية أدبية الأدب بـ"ما تحت الأدبي في النص" إنما هي بنى دالّة، تعوّض عن جزء كبير من العلاقات السردية، إذ تلخّص أحداثاً بعينها وتواريخ وشخصيات مؤثرة صنعت انعطافات ثقافية اجتماعية. وذلك سواء في البنية الاجتماعية التي ينتمي إليها النص أو في بنى أخرى. ننتقل من هنا إلى أزقّة حي الحسين وإلى مقهى الفيشاوي، تحديداً برفقة لمياء التي تحوّلت إلى حمزة وحبيبها السابق إحسان، إذ يأتي المغني بعوده على عادة المغنين الجوالين في الحسين: "سأغني لسيد درويش. أغاني من أيام ثورة 1919. الأيام دي مرّ عليها مئة عام. من يعرف ربما تعود ونستطيع إخراج الإنجليز من البلاد... من لم يقرأ عن ثورة 1919، يقرأ عنها هذه الأيام، فهي ذكرى مرور مئة عام عليها ليعرف كيف ضاعت مصر بعد انقلاب الجيش 1952. أجل انقلاب ولا أحد يقول لي ثورة...".

يضيع الأفراد في الزمن بين الإنجليز وثورة يوليو، فثورة يناير وحكم الإخوان، ثم حكم العسكر ويعيش معظم الشخصيات في حالة من الذهان، الذي يظهره عبد المجيد شكلاً من أشكال العجيب، يلجأ إليه العقل كآلية للتعايش مع حالة الديستوبيا العامة. وتلك الديستوبيا ذاتها تواجَه أحياناً بحالة "سينيكية" عميقة من الهجاء والإنكار، فالإرهابي الذي يفجّر نفسه في ميدان العتبة، يعيدنا بصورة تهكمية وعجائبية إلى زمن السادات، وهذه العودة فضلاً عن جماليّاتها، تساعد المتلقي على التأويل، يقول سائق التاكسي: "ها هي عربة مصلحة الاستعلامات ماشية تنادي على الناس. سامعين ما تقوله؟ أيها الشعب إذا كان السادات قد مات، فكلنا أنور السادات. والناس ولا هي هنا هايصة في الشوارع رغم حظر التجوال، وبعد بكرة العيد الكبير، وكله محضّر الذبيحة بتاعته يا عم".

ملف ساخن

يفتح إبراهيم عبد المجيد في "العابرة"، ملفّاً من الملفات المسكوت عنها عربياً، وهو لا يزال ملفّاً ساخناً حتى في ما نسمّيه بـ"العالم المتقدم"، إنه ملف المتحوّلين جنسياً، الذي لا يرتبط بمفهوم الـ"تابو" فحسب، بل بكلّ من السياسي والثقافي والديني والطبي. وهو ملفّ يمكن لأيّ جسم سلطوي الاتّجار به وتسييسه، فالهويات الجنسية مشبعة بعلاقات السلطة كغيرها من الهويات. ذلك أن عدم التعيين الجنسي بالنسبة إلى المجتمعات المستقرة والمقسّمة على أساس المتن والهامش، هو انحراف كغيره من الانحرافات، مثل هوية الأقلّيات والمثليين والمنفيين والمجانين والمصابين بالأمراض المعدية، والنساء حتى وقت قريب، لذا كان يمكن لهؤلاء المتحوّلين لو أفصحوا عن وجودهم قبل قرون عدة أن يُلقى بهم في سفينة الحمقى التي نبّه إليها فوكو. ليس ما يحضّنا على التفكير النقدي في هذا النص هو انتماء إشكاليته إلى المسكوت عنه فحسب، ذلك أن عالم ما بعد الحداثة هو عالم هبوط التابو إلى العادي. لكن المثير للبحث هو الإمكانية الفنية المتفوقة التي أبداها إبراهيم عبد المجيد في تحويل هذه الإشكالية إلى ثيمة روائية، استطاعت أن تبني من حولها حياة بحسٍّ واقعي وخيالي وتاريخي، أي باكتمال ثالوث الحسّ الذي أشار إليه إميل زولا.

لقد تمكّن صاحب "العابرة" من التمثيل السردي لهذه الإشكالية الفردية عبر شبكة من العلاقات السلطوية وأدواتها: الأخلاق العرفية والممارسات الأمنية لأجهزة الشرطة وأنظمة التعليم من خلال بطلته لمياء التي تحوّلت إلى حمزة، ومرورها بشبكة العلاقات السلطوية: العائلة والمدرسة والجامعة ووسائل النقل التي تمثّل المجتمع، والأصدقاء وزنزانة التوقيف وقاعة المحكمة... إن شبكة العلاقات تلك بتحوّلاتها هي ما يشير إليه إمبرتو إيكو بـ"قدرة الروائي"، "على بناء الحياة بوصفها محكيّاً". ولا شك في أن هذا البناء ليس قضية لغوية، بل قضية بنيوية تمنح المعنى، وتحوّل النص من شكل بسيط للمحكي إلى شكل أعقد، يظهر عبره تحكّم السلطة، بالقدر ذاته الذي يظهر فيه تفكيك تلك  السلطة بالمعرفة التي تمتلكها لمياء وإحسان، وزملاؤهما في الجامعة، وجيل شباب ما بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، وأبناء عالم ما بعد الحداثة، الذي بامتلاكه المعرفة وأدواتها يستطيع أن يفكّك أية سلطة مستبدة تفرض نفسها.

قضية العولمة

لا شك في أن قضية العبور الجنسي قضية معولمة، وقد صار حق التعبير عنها مسألة عابرة للحدود الوطنية، إذ تروّج السلطات الوطنية في المجتمعات المحافظة غالباً، وكذلك المؤسسات الدينية، أنها من مفاسد هيمنة المؤسسات المتعددة الجنسيات ومنظمات المجتمع المدني المشوبة بتهم التآمر على استقرار البلاد. وعلى هذا الأساس، تتعامل السلطة وأدواتها وأفراد المجتمع في غالبيتهم مع المتحوّلين جنسياً بتمييز مؤذٍ، يقدّمه نص "العابرة" برؤية ناقدة موجعة حيناً، وتهكّمية حيناً آخر. لكن لا بد من القول إنه لا يوجد مجال كالفن يمكنه تمثيل عذابات الهوية وتبئير القلق الإنساني للفرد المتحوّل نفسه، وطرح قضيته بوجهها الإنساني، لا بوصفها قضية سياسية.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد نشأت الرواية لتعبّر عن اغتراب الفرد عن الجماعة التي يعيش بينها، وكلما تعمّق هذا الاغتراب، اقتربت الرواية من جوهر نظريتها. تمثّل لمياء/ حمزة حالة اغتراب ثنائي، يصنع منه بطلاً إشكالياً ونموذجاً جمالياً درامياً، إذ يواجه إشكاليته مع المجتمع نتيجة عدم التعيين الجنسي، مثلما يواجه إشكاليته مع ذاته نتيجة علاقته المضطربة مع جسده، ومن ثم مع ذاته، ومع قواه العقلية. لعلّ هذا الاغتراب المضاعف الذي صاغ جوهر هذه الشخصية: لمياء/ حمزة، هو المقترب الأكثر ملامسة لجوهر الفن الروائي. فحين استطاعت لمياء العبور من جنس إلى آخر لتنفي عنها تلك الهوية الإشكالية (الترانس جندر)، لم تسقط الرواية في مأزق زوال الإشكالية، فالبطل الإشكالي عليه أن يبقى إشكالياً حتى النهاية، لذلك تستمرّ مواجهة حمزة مع المجتمع ببنيته الإدارية ولغته ووثائقه واستبداده الذي يجعله يستثمر أية هوية من الهويات إثنية، أو دينية، أو جندرية لإحكام سلطته. هكذا يقدّم عبد المجيد بالسرد والوصف والمونولوغ عذابات الاغتراب الجسدي، النفسي والاجتماعي، وعذابات الرغبة الجسدية المزدوجة والارتياب بشكل الجسد واضطراب الهرمونات والرؤى المستقبلية والأحلام.

وإذا كان الراوي قد جنّبنا عذابات المشرط ودماء الجراحة، فإننا ننغمس في القلق النفسي والشعور بالإثم وآلام المواجهة مع الذات ومع العائلة والمجتمع، لقد نجح حقّاً في أن يجعلنا شركاء في هذا القلق العميق. وهكذا يدور الحوار بين لمياء البنت المعذّبة بهويتها الجنسية قبل التحوّل، والشجاعة مع أمها: " لن أحكي لكِ شيئاً. أجل، لأنه لا فائدة في ما أقول. قُلته كثيراً ولا فائدة معك لن تعرفي ما أعانية إلا حين أنتحر. نظرت أمها إليها نظرة طويلة غير مصدقة، لكن لمياء استمرت تتحدث: كم من السنين حدثتك بمشاعري الغريبة. تتهميني أني شاذة وأني من كثرة ما أشاهد من أفلام بورنو على الإنترنت أتصور ذلك. أقسمت لكِ أكثر من مرة أني لا أشاهد أيّ أفلام من هذا النوع. يا ماما أرجوكِ ساعديني. أنا مش عارفة أنا بنت ولا ولد. وقفت أمها تنظر إليها... وتفلت عليها وخرجت". هكذا تتحوّل لمياء في ذاكرتنا إلى رمز، فالعذاب، كما يقول غرامشي، يثبت الرمز في ما يراد له أن يؤسطر، ولو قلّ العذاب لنقصت حالة النبوّة في الرمز وانعدمت، وهذا هو العذاب الذي استقرّ في مصر كما يعرض النص تحوّلاتها، وكما تناقشه البطلة المتحوّلة لمياء/ حمزة على صفحتها على تويتر.

المزيد من ثقافة