Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين "جاز" طوني موريسون وحفلة راي تشارلز الباريسية

من التعبير عن روح أمة بأسرها إلى احتضان الغضب الجزائري

راي تشارلز مغنياً في إحدى حفلاته (غيتي)

في واحدة من أجمل رواياتها، كتبتها مباشرة بعد فوزها بجائزة نوبل الأدبية تحت عنوان "جاز"، تتساءل الكاتبة الأميركية الأفريقية الأصول طوني موريسون عما جعل مواطنيها من أفارقة أميركا يتحمّلون شظف العيش والبؤس والتمييز العنصري طوال قرون من السنين وهم راضون عن عيشهم، بل يشعرون بتفوق ما على مضطهديهم. وتكون الإجابة في الرواية، تلك الكلمة السحرية التي جعلتها عنواناً لها، بعدما كانت طوال ذلك الزمن واحدة من مآثر هؤلاء القوم: جاز.

لغة الموسيقى الغاضبة

أجل، كانت موسيقى الجاز التي ارتبطت بهم وسيلتهم ليس فقط للتعبير عن أنفسهم، بل كذلك للمقاومة في وجه كل اضطهاد يتعرضون له، ويا لهول كل ما كانوا يتعرضون له من اضطهاد. بل أهم من ذلك أن انتشار موسيقى الجاز منذ بدايات القرن العشرين على الأقل وسيطرتها على الأفئدة جميعاً بصرف النظر عن الأعراق والأجناس انطلاقاً من نيو أورليينز وصولاً إلى هوليوود حيث راحت السينما من دون أن تكون سينما أفارقة أميركيين بشكل خاص تتبناها، محققة من ثمَّ انتشاراً في العالم أجمع، لتتخذ تلك الموسيقى شكل إبداع حقيقي مستقل. هذا الانتشار أشعر كل أميركي من أصول أفريقية بأنه يملك تراثاً خاصاً به، يفرض من خلاله حضوره على العالم.

والحقيقة، أن المغني الأميركي الكبير راي تشارلز لم يختبر هذا الشعور فقط ذات مرة حين زار فرنسا، وغنَّى فيها في كثير من الحفلات، بل إنه قد أتيح له أن يعايش الحدود القصوى من ذلك الشعور، خصوصاً إثر حفلته الباريسية التي ستصبح واحدة من أشهرها، وسيقول دائماً إنه لا يمكنه نسيانها بأي حال من الأحوال، وليس لأسباب فنية بشكل خاص. بل تحديداً لأسباب سياسية وتاريخية تتقارب إلى حد كبير مع تلك الوقائع التي سوف تجعل منها طوني موريسون عماد روايتها البديعة "جاز".

الخريف الجزائري في باريس

في خريف عام 1961، أقام راي تشارلز واحدة من أولى حفلاته في فرنسا، بل ربما كانت أيضاً أول حفلة له خارج القارة الأميركية. ولقد تطابق تاريخ الحفلة، كما أشارت صحيفة "لوموند" في ملف كرَّسته لراي تشارلز عند وفاته في مارس (آذار) 2004، مع التظاهرات الضخمة التي جرت في باريس يومها، وشارك فيها عشرات ألوف الجزائريين بدعوة من جبهة التحرير الوطنية للمطالبة باستقلال الجزائر.

وهي التظاهرة التي قمعتها قوات الأمن الفرنسية بعنف ما أدّى إلى سقوط ما بين 30 و220 قتيلاً، بحسب المصادر المتناقضة، وكذلك اعتقال مئات المتظاهرين الذين أودعوا في قصر الرياضة (باب فرساي) أي المكان نفسه الذي أقيمت فيه حفلة راي تشارلز بعد أربعة أيام.

 

 

ويومها، كما تقول "لوموند" أوحى ذلك التزامن للصحافية كاترين بيار بمقال جاء فيه: "كانت مصادفة غريبة تلك التي جعلت قصر الرياضة يشهد حفلة راي تشارلز، ذلك الضرير الأسود الذي يعبر في شكل مؤثر عن الألم الإنساني، بعد أيام قليلة من مأساة الجزائريين المعتقلين الذين جرى إخلاؤهم بسرعة، ليوضعوا في ملحقات تابعة للجيش. وكان مدهشاً أيضاً منظر قوات الأمن المرعبة التي نشرت عند كل مداخل القصر، وقد كلفت قمع التظاهرات السياسية، أكثر مما كلفت إسكات حماسة الجمهور للحفلة الغنائية.

هناك في قاعة كبرى حافظت على بقايا رائحة المواد المنظفة، تجمّع نحو ستة آلاف شخص أتوا جميعاً ليصفقوا لـ(العبقري) الذي كان يومها يغنّي في باريس للمرة الأولى. في بداية البرنامج عزفت الفرقة وحدها، وبدا واضحاً أن عزفها هناك لم يكن مختلفاً عن عزف سابق لها كنا تحدثنا عنه (في مهرجان أنتيب)، إذ بدا واضحاً من جديد أن كل فنان هنا، فنان متميز، بيد أن أياً منهم لم يبد متفرداً. بل بدا أن المجموعة كلها تفتقر إلى شيء من التجانس. أما راي تشارلز فإنه لم يخيب أملنا. سابقاً في جوان لوبان، عزف على البيانو. أما هنا فإنه عاد إلى آلته المعتادة، البيانو الكهربائي ذات الأداء الهارموني الذي بدا ملائماً تماماً لغناء يطبعه (الغوسبيل) بكل حمياه".

مقارنة "سياسية" بين مبدعين

لقد اكتشف الباريسيون يومها أن راي تشارلز، مثل لويس آرمسترونغ، الذي كان في ذلك الحين واحداً من كبار عازفي الجاز ومغنيه في العالم، وكانت شهرته تفوق شهرة تشارلز كثيراً، كان يعرف كيف يعبر بالمقدار نفسه من الكثافة عن الفرح وعن الحزن. فهو حينما يغني "البلوز" يصغي إليه الجمهور بهدوء وتفان. أما حينما ينشد، مصحوباً بفرقته "راتيلات" أغنيات مثل "أجل... حقاً" أو "اضرب في طريقك يا جاك"، فإن إيقاعاً قوياً يسيطر على المتفرجين فيروحون خابطين بأيديهم وأقدامهم تبعاً للإيقاع.

غير أن ما بدا يومها بالذات أنه يميز راي تشارلز عن آرمسترونغ، كان إحساسه السياسي القوي الذي كان يبدو بعيداً جداً عما يمكن لآرمسترونغ أن يحس به. ففي الصالة وعلى الرغم من أن تشارلز ضرير ولا يمكنه قراءة الصحف ولا حتى تلمس الأجواء التي كانت تخيّم على باريس في ظل العنف البوليسي الدموي الذي استشرى ضد الجزائريين، فإن رائحة المنظفات نفسها التي كانت السلطات قد استخدمتها بسرعة، لكي تخفي آثار الأحداث التي كان المكان قد شهدها قبل أيام قليلة، تلك الرائحة لفتت نظره فتساءل عن كنهها لتأتيه إجابات عديدة تفسر له ما حدث.

ومن المؤكد أن تلك الأخبار والتفسيرات قد لامست في داخله مشاعر قوية دفعته، حتى وإن لم يشأ التدخّل في سياسات البلد المضيف، إلى زيادة حدة التوتير في القاعة مركزاً على أغان تعبق بالغضب.

احتراماً للبلد المضيف

يومها، سيمضي راي تشارلز سهرته من دون تعليق، لكنه لاحقاً حين عاد إلى بلده لم يفته أن يتحدث طويلاً متسائلاً خصوصاً بشيء من الدهشة الساخرة عما جعل السلطات الاستعمارية الفرنسية تختار الصالة التي كانت ستقام فيها حفلته بعد أيام، لتحشر فيها قبل ذلك أعداداً كبيرة من شبان، جزائريين لكن فرنسيين أيضاً، كمعتقلين سياسيين، سائلاً بعد ذلك عن المكان الذي نقلتهم إليه تلك السلطات بعد انتهاء الحفلة؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مهما يكن من أمر، إذا كانت حساسية راي تشارلز ورهافة مشاعره قد تمكنتا من لفت نظره إلى أمر لم يكن أحد كما يبدو يريد قبل ذلك أن يحدثه عنه، فإن المشهد الذي لم يقيّض له أن يراه أو حتى أن يحسّه وإن كان قد رُوي له لاحقاً، كان ذلك الذي تلى انتهاء الحفلة وشهدته بعض الشوارع الباريسية فيما كان المغني الكبير ينقل إلى فندقه عبر شوارع خلفية: فعند المخرج في النهاية، كان في وسع عدد كبير من المراقبين، لا سيما في أوساط الصحافيين أن يلاحظوا قدراً لا بأس به من الفوضى.

لكن من دون أي مشكلات حقيقية، بعد ذلك في المترو فقط، راح شبان من مختلف المناطق سواء ممن حضروا الحفلات أو من المارة غير عارفين بأي شيء عن الحفلة، راحوا  يفلتون العنان لحماستهم، ويخلطون هذه الأغاني بغناء تلك. وفي واحد من خطوط المترو حدث ذات لحظة أن قطع شخص ما التيار الكهربائي عن الحافلة آملاً في أن تؤدي العتمة إلى تهدئة الشبان وسكوتهم، فكان جواب الشبان أن اقتلعوا اللافتات الإعلانية وحطّموها.

ولسوف يقول راي تشارلز لاحقاً إنه لو كان قد أُخبر بما حدث يومها "لكان من شأني أن انطلقت في الشوارع مشاركاً الشبان تعبيرهم عن الغضب من خلال موسيقى الجاز واندماجهم معها". ويقيناً أن طوني موريسون كان من شأنها أن تقول إن تلك الليلة الباريسية تنتمي تماماً إلى ما سوف تقوله بعد ذلك بسنوات في روايتها "جاز" التي يعتبرها النقاد أجمل تحية قدمها الأدب الروائي لتلك الموسيقى الرائعة.

المزيد من ثقافة