Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوضى "بريكست" تمنح دوفر هدوءا في يومها الأول من الوضع الجديد

بوابة العبور إلى القارة أصبحت أسهل في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي لكن إقبال سائقي الشاحنات لا يزال خفيفاً

وصول شاحنة إلى ميناء دوفر، وسط أجواء هادئة بعد انتهاء الفترة الانتقالية لبريكست (رويترز)

خيم الصمت على مرفأ مدينة دوفر في اليوم الأول من مغادرة بريطانيا نهائياً الاتحاد الأوروبي. وظل الميناء شبه فارغ بغضّ النظر عن توقّف بعض السيارات فيه من حين إلى آخر. العبّارات تطفو صامتة على سطح الماء، وسط بحر هادئ ومتلألئ، وتحت الضباب الذي يحجب القارة. حتى الرياح التي تضرب الساحل مراراً بدت وكأنها تراجعت احتراماً لرمزية كل ما يحصل. وفي وقت جرى تمزيق الاتفاقات القديمة التي دامت عقوداً من الزمن، واستبدالها بصفقة تجارية اتُّفق عليها قبل أيام فقط، كاد المشهد أن يكون أقرب إلى الفوضى التي توقعها البعض في الأشهر السابقة، أو حتى التعطيل الذي طاول المرفأ قبل نحو أسبوع.

عند قمة الجرف الصخري في المدينة الواقعة جنوب إنجلترا، يمكن للسياح الاستماع إلى رسالة صوتية مسجلة منبثقة من "تيليسكوب" يصدر صوتاً آلياً بشكل متكرر. وعلى نقيض المشهد في أسفل المنحدر، يقول التسجيل إن "دوفر التي يعود تاريخها إلى أكثر من 4 آلاف عام، تحتضن ميناء عبّارات الركاب الأكثر ازدحاماً في العالم. هذه المدينة التي تقع في وادي نهر "دور" وحوله، بمنحدراته البيضاء الشهيرة، كانت دائماً تتصدر المشهد في التاريخ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالفعل وجدت هذه المدينة نفسها في صدارة الأحداث مرة أخرى خلال المحادثات المتوالية بين لندن وبروكسيل بشأن المغادرة البريطانية للاتحاد الأوروبي. لم تكُن دائرتها الانتخابية من بين أكثر الدوائر الإنجليزية تأييداً للخروج من الكتلة الأوروبية - على الرغم من أن 62 في المئة من سكانها صوّتوا لصالح الخروج - لكن بما أنها تشكّل طريقاً رئيساً للشحن التجاري، ومعلماً رمزياً مهماً للدولة وحدودها، فقد ظلت تمثّل نقطة جدل أساسية طيلة فترة المفاوضات. واضطرت مجموعات من الناشطين من الجانبين، على مدى نصف العقد الماضي من الزمن، إلى مواصلة التعبير عن آرائهم من خلال وضع مخطوطات فوق المنحدرات الصخرية البيضاء، سواء من جانب بعض الصحف الشعبية في إعلانها للاتحاد الأوروبي: "نراكم لاحقاً" See EU Later، أو من جانب مجموعات الضغط المؤيدة للبقاء ضمن الكتلة الأوروبية، التي لوّحت بوعود العودة إلى أحضانها. ومع ذلك، شوهدت منحدرات المدينة، في ظهيرة اليوم الأول المشمس من يناير (كانون الثاني)، تغص في غالبيتها بمشاة ينزّهون كلابهم وبمراقبي الطيور الذين يستمتعون بهدوء يوم كان من الممكن أن يشهد فوضى غير مسبوقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 أحد هؤلاء، مايكل هاتشيسون الذي انضم إلى صديقته روز نيوينغتون في نزهة على طول المنحدرات، يقول: "إنه لأمر رائع حقاً لأنه في العادة تسمع الكثير من الضجيج الآتي من هناك، خصوصاً مع طغيان أصوات أنواع مختلفة من الشاحنات على مدى الأسبوع الماضي أو أكثر بقليل"، وذلك في إشارة منه إلى التعطيل الذي حدث في مقاطعة كينت بسبب إغلاق المسؤولين الفرنسيين للحدود نتيجة تفشي فيروس كوفيد. ويضيف أن "الأمر كان مروعاً".

الثنائي في الستينيات من العمر، وكانا قد صوّتا إلى جانب بقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي، لكنهما أعربا عن سعادتهما بتوصل الجانبين إلى صفقة. وعلى الرغم من الحس البراغماتي لديهما الذي بدا واضحاً، فلم يكونا مقتنعَين بالهدوء الذي ساد ذلك النهار. وقالت نيوينغتون: "إنه هدوء ما قبل العاصفة".

وفي الفترة التي كان لا يزال محتملاً أن تغادر فيها بريطانيا الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق تجاري، جاءت التوقعات للأسابيع والأشهر المقبلة رهيبة. فالشاحنات كانت ستتكدس على طول الطرقات السريعة، والإمدادات الغذائية كان من المرجح أن تتعرقل، أما اقتصاد البلاد، فكان من المحتمل أن يتعرّض لضربة كبيرة من شأنها أن تحدث خللاً وفوضى على مستوى التجارة. وساد في المقابل شعور بالركود المتوقع عندما أغلقت فرنسا حدودها مع المملكة المتحدة تحسّباً لانتقال السلالة الجديدة من كوفيد - 19 إليها، بحيث بات المسافرون مجبرين الآن على إجراء اختبار طبي قبل عبور القناة. هذا التدبير الذي تم اعتمد في الحادي والعشرين من الشهر الماضي، ساعد في حلحلة الجزء الأكبر من أزمة تراكم الشاحنات قبيل حلول اليوم الثاني لعيد الميلاد "بوكسينغ داي"، حتى مع ثبوت أن عدداً قليلاً جداً من الأفراد جاءت نتائج اختباراتهم إيجابية لجهة الإصابة بالفيروس، أثناء خروجهم من البلاد.

مع ذلك وبعيداً من الوقوع تحت ضغط اليوم الأول لخروج البلاد من كتلة الاتحاد الأوروبي، أُلغيت خدمات العبّارات كتلك التي تديرها شركة P&O، بسبب تراجع الطلب على السفر. أما العدد القليل من سائقي شاحنات النقل الآتين إلى المرفأ، فقد أشير إليهم بالعبور بسهولة نسبية، في وقت استضافت الواجهة البحرية عدداً من العائلات والمتنزهين يفوق عدد سائقي الحافلات. وكان أطول صفوف الأفراد الذين شوهدوا على طول الساحل الإنجليزي، يتكوّن من السكان المحليين الملتزمين التباعد الاجتماعي والراغبين في شراء أكواب القهوة من باعة متجولين.

هذا الأمر كان متوقعاً لأن الأيام الأولى للترتيب الجديد من غير المرجح أن تشكّل ضغطاً على الميناء. فقد كان محتملاً أن يخفّ عدد حافلات نقل البضائع عند الحدود، في ظل بدء تطبيق الضوابط الجمركية الجديدة، إضافة إلى قيام تجار التجزئة في الفترة التي سبقت عيد الميلاد بتخزين فائض من السلع والإمدادات، الأمر الذي جعل الطلب عليها محدوداً. وقد مرت أكثر من ألفي شاحنة فقط بين يوم الخميس وصباح الجمعة، أي نحو ثلث المتوسط اليومي لميناء شهد عبور مليونين و397270 حافلة نقل خلال عام 2019.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الطريق في اتجاه الميناء، ظلت كما كان الوضع عليه خلال العام الماضي، عرضة لتأثير وباء فيروس كورونا، أكثر منها لمفاعيل الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. ويشهد مدخل الميناء حركة نشيطة بحيث اصطف متعهدو النقل، حاملين شهادات نتائجهم السلبية لفحص كوفيد الذي أجروه في مركز اختبارات الفيروس في مطار مانستون، من أجل تسليمها إلى أفراد الشرطة المتمركزين عند نقاط المراقبة والذين يهمّون بالتلويح لهم للتقدم بسرعة. أما الأفراد الذين لا يحملون تلك الشهادات، فيتم توجيههم بلباقة من خلال لافتة إرشادية كبيرة تحمل الرمز البريدي للمطار.

ويقول ماتيوز، أحد متعهدي النقل البولنديين، وهو في الثلاثينيات من عمره، لدى وصوله إلى الميناء، إن عملية خضوعه لاختبار كورونا وحصوله على الموافقة بالمضي قدماً في طريقه، استغرقا نحو ساعة في الإجمال، إضافةً إلى تعرّضه لبعض المتاعب خلال رحلته. ويعلّق "إن الأمور تبدو سهلة الآن بسبب إجازات رأس السنة والتزام الناس منازلهم". لكن قلقه الرئيس يكمن في احتمال حدوث اضطرابات عندما تأخذ الأعمال مجراها الطبيعي بعد فترة عيد الميلاد، مع عودة الناقلين والركاب إلى الطرقات. وعلى الرغم من أنه لم يلاقِ عراقيل رئيسة في رحلته، فإن شكوكاً تساوره في ما يتعلق بالمستقبل. وأضاف قبل المضي في اتجاه الميناء: "أعتقد أن خروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي لم يكن خياراً جيداً بالنسبة إلى الشعب البريطاني".

في فولكستون، مرت مئات من الشاحنات عبر النفق الأوروبي على مدار اليوم، لكن أربعاً منها منعت، ليس لأنها لم تستوفِ الشروط لدى خضوعها للتدقيق الجمركي، بل لأن سائقيها لم يحملوا شهادات اختبار فيروس كورونا. وقال جون كيف، المتحدث باسم إدارة النفق الذي كان يقف مراقباً سير الإجراءات عند عبور أول ناقلة عبر النظام الجديد، إن "الأجواء اتّسمت ببعض الغرابة لجهة أن هدوءاً كبيراً قد طغى عليها. الجميع كانوا يحبسون أنفاسهم حيال ما قد تؤول إليه الأمور، لكنها سارت بحسب ما هو مخطط لها".

الوضع لا يزال حتى الآن تحت السيطرة. لكن يبقى أن نعرف الآليات التي سيتّبعها النظام الجديد عندما سيرزح تحت الضغوط المقبلة. المملكة المتحدة تقول إنها لن تجري تدقيقات كاملة على البضائع الواردة لمدة ستة أشهر، بينما طورت سلطات مرفأ كاليه بنية تحتية جديدة لتسهيل العمليات. غير أن الجانبين شهدا تعطيلاً أثناء التجارب التي قاما بها خلال الأشهر التي سبقت عام 2021. وأفاد بعض المسؤولين في "جمعية النقل البري" Road Haulage Association، بأنهم يتوقعون حدوث بعض الفوضى غير المرئية الناجمة ليس عن الصفوف الطويلة للشاحنات، بل عن السائقين الذين يتم إبعادهم لأنهم لا يحملون الوثائق المطلوبة.

قبل ساعات من استكمال عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت لا تزال هناك 450 شاحنة مصطفة في طوابير طويلة، وكان سائقوها يتقدمون بطلبات للحصول على تصاريح تتيح لهم دخول مدينة كينت وعبور القناة، مع العلم أن العدد الذي يمرّ عبر هذه المقاطعة يناهز في العادة 10 آلاف شاحنة. وفيما شهد اليوم الأول حركة عبور سلسة، يبقى الآن أن نراقب التحديات التي سيكشف عنها المستقبل.

أسهمت وكالة "برس أسوسييشن" في إعداد محتوى هذا التقرير

© The Independent