Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لقاحات كورونا تشعل حروب الاستحواذ... ابحث عن التسييس

مصالح الدول ونفوذها ستتحكم لحد كبير فيمن يحصل على علاج الفيروس ومتى وأين

يخطئ من يظن أن اللقاحات تأتي دون توجهات سياسية أو مصالح أيديولوجية او حتى توازنات في السياسات الخارجية والداخلية لدول المعمورة. فاللقاحات لن تأتي محملة بمايكروغرامات من الفيروس وقدر من الحمض النووي وربما زيوت حيوانية وأعشاب طبيعية فقط، لكنها تصل (وربما لا تصل) إلى كل دولة متخمة بقدر هائل من التسييس، منها ما ظهر ووضح وضوح الشمس، ومنها ما تموه وتنكر وصعب تقفي أثره.

المكايدة والانتقام

أثر اللقاحات لا يتوقف عند حدود الوقاية من الإصابة بالفيروسات والأمراض، أو ينعكس إيجاباً أو سلباً على رضا المواطن، لكنه يمتد إلى المكايدة والانتقام ولا يخلو الأمر من استثمار في انتخابات مقبلة هنا أو اغتيالات معنوية هناك. وبالطبع سيشهد الجميع طرفي نقيض: هيمنة نزعات قومية في ملف اللقاح، وبزوغ تحريمات وتحليلات الدين السياسي للحصول على اللقاح. غاية القول هو أن السياسة ستتحكم لحد كبير في من يحصل على الترياق ومتى وأين، وإن كان سيحصل عليه من الأصل أم لا!

ولا تطرأ على بال كثيرين في المنطقة العربية هذه الآونة مسألة حرية رفض اللقاح، لكنها مسألة طالما شغلت بال ثقافات غير عربية لأسباب تتعلق باحترام حق الإنسان في اختيار كيف يتعامل مع جسده دون "تطعيمات إجبارية" وخصوصية الجسد فيما يخضع أو لا يخضع له. تبدو قضية حقوقية كهذه أقرب ما تكون إلى كونها "قضية استفزازية أو مسألة يشغل بها المترفون والمرفهون أوقات فراغهم، تلك الرفاهية التي لا تحلم ملايين أخرى بامتلاكها.

حق تقرير المصير

ومن لا يمتلك إمكانات وخبرات البحث والابتكار، ومن ثم الاختبار والتصنيع والتوريد، لا يمتلك حق تقرير المصير فيما يختص بالأوبئة واللقاحات. المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية مكتب شرق المتوسط (إمرو) أحمد المنظري تحدث عن جهود المنظمة وشركائها لضمان التوزيع العادل للقاحات الفعالة على الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، وذلك بمجرد إدراجها على قوائم اللقاحات المستخدمة في حالات الطوارئ، أو حصولها على تصريح من هيئة تنظيمية مختصة.

وهذا يعني أن الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، ومن ثم متوسطة ومنخفضة الأثر السياسي لن تجد نفسها في موقع الاختيار والمفاضلة كثيراً، إن لم يكن لأسباب سياسية غير معلنة، فلعوامل مادية معروفة مسبقاً.

إن "تحالف لقاح الناس" أو People’s Vaccine Alliance المشكل من عدد من العلماء والناشطين الحقوقيين والمنظمات والجمعيات مثل "أوكسفام" و"أمنستي" (منظمة العفو الدولية) يؤكد أن إحدى العقبات الرئيسية في منظومة لقاح كوفيد-19 هي قدرة الدول منخفضة الدخل في الحصول على اللقاح بكميات كبيرة تكفي لشعوبها. ويرى التحالف أنه لا ينبغي أبداً حرمان شخص من الحصول على لقاح قد ينقذ الحياة بسبب البلد الذي يعيش فيه أو قدرة هذا البلد أو الشخص في الحصول عليه.

إلا أن الوضع الحالي يشير إلى أن بلايين الأشخاص حول العالم لن يتمكنوا من الحصول على اللقاح. وبحسب التحالف، فإن 53 في المئة من لقاحات كوفيد-19 الواعدة تم شراؤها بالفعل من قبل الدول الغنية والتي يشكل سكانها 14 في المئة من سكان العالم. فمثلاً، 96 في المئة من لقاح "فايزر بايونتك" والذي تبلغ فعاليته 95 في المئة تم شراؤه من قبل الدول الغنية.

 وعلى الرغم من أن شركة "أوكسفورد أسترازنيكا" قالت أنها تلتزم بتوفير 64 في المئة من إنتاجها للدول النامية، إلا أن حسابات "تحالف لقاح الناس" تشير إلى أن الشركة ستتمكن من تغطية 18 في المئة فقط من سكان العالم النامي العام المقبل. غاية القول هو أن عشرة في المئة فقط من سكان الدول النامية سيتم تحصينهم بلقاح كوفيد-19 العام المقبل. لماذا؟ لأن الدول الغنية تشتري أضعاف احتياجاتها من اللقاح.

 

 

عضلات سياسية

العضلات السياسية متراوحة الأحجام بين الدول وبعضها ليست وحدها الحاكمة في ملف اللقاح. فالتوازنات والتناحرات الدولية بين هذه الدول وبعضها تدلو بدلوها هي الأخرى. دلو الصين في في اللقاح ليس دلواً هيناً. سارعت الصين للانضمام إلى "كوفاكس" منذ الإعلان عنها من قبل منظمة الصحة العالمية. كوفاكس أو "مسرع الإتاحة" هو إطار عالمي للتعاون يهدف إلى تسريع إستحداث اختبارات كوفيد-19 وعلاجاته لقاحاته وإنتاجها وإتاحتها بشكل منصف للجميع. انضمام الصين للتحالف يعني في عالم السياسة انها بذلك القوة الاقتصادية الأكبر التي تنضم للجهود الأممية المبذولة لاحتواء الوباء، وضمان توصيل اللقاحات للدول الأفقر. المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا شونينغ قالت أن اللقاحات الصينية ستقدم للدول النامية كأولوية.

هذا المكسب السياسي الدولي للصين هدأ كثيراً من الانتقادات والاعتراضات الكثيرة التي واجهتها بسبب طريقة تعاملها مع الوباء في بداية تفشيه. كما يمكن اعتباره وسيلة فعالة لتحسين صورة الصين دولياً. ويذهب البعض لدرجة اعتبار هذه الخطوة بمثابة هدف صريح تم إحرازه للصين في مرمى الولايات المتحدة الأميركية.

يشار إلى أن أميركا بين الدول القليلة التي أعلنت عدم انضمامها ل"كوفاكس" التي بلغ عدد الدول المنضمة لها 170 دولة! ويشار كذلك إلى أن أميركا بين الدول التي تمكنت من تأمين إحتياجاتها من اللقاح من خلال "اتفاقات ثنائية"، حسبما قال مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غبريسوس .

وكان البيت الأبيض قد صرح في سبتمبر (أيلول) الماضي أن أميركا ستمضي قدماً في التعاون مع حلفائها في العالم للتغلب علي الفيروس، "ولكن دون أن تحد حركتها بمنظمات متعددة الأطراف تتأثر بمنظمة الصحة العالمية والصين" على حد قول أحد المتحدثين باسم البيت الأبيض جود دير.

قرار أميركا عدم الانضمام ل"كوفاكس" خضع لمئات التحليلات السياسية وذلك بحسب الموقف من إدارة ترمب تأييداً أو معارضة، وكذلك بحسب الانتماءات والتوجهات فيما يختص بالانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة. معارضو الرئيس الأميركي دونالد ترمب رأوا قرار أميركا المضي قدماً في اتفاقات ثنائية لتأمين اللقاح وعدم الانضمام ل"كوفاكس" عنجهية ومغامرة غير محسوبة العواقب.

كوفاكس وأميركا

الآراء السياسية المعارضة لترمب والمنددة بقرار الإدارة الأميركية عدم الانضمام ل"كوفاكس" رأت كذلك آثاراً سياسية وخيمة لذلك تمتد لما هو أبعد من الصحة العامة. فقرارات الدول فيما يختص بالتطعيمات والعلاجات للاوبئة العالمية تنعكس على الكوكب برمته وليس على دولة دون أخرى. الوباء العابر للحدود دون جواز سفر أو إذن دخول لن يراجع قراراته الخاصة بالانتشار في ضوء قرار دولة ما الاحتفاظ بالتطيعمات لنفسها أو المضي قدماً في مواجهة الفيروس وحدها أو بتفضيل شعوبها على شعوب الأرض الأخرى والاستحواذ لنفسها على أفضل اللقاحات وأكثرها كلفة.

إن كلفة الأنانية أو التغريد المنفرد في الأوبئة باهظة جداً. وحتى في حال أدت الغرض من استعراض العضلات السياسية والهيمنة والسيطرة، فإن العالم الذي هو قرية اقتصادية واحدة سيؤثر سلباً على هذه الهيمنة وينال فتكاً من هذه العضلات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فالعضلات السياسية الأمريكية فيما يختص باللقاح لا تقتصر على تناحرات دولية مع الصين فقط، ولكنها تمتد إلى الداخل كذلك. فبحسب استطلاع أجراه "مركز بيو للدراسات" في سبتمبر (أيلول) الماضي، قال 38 من الأميركيين في الشهر الماضي إنهم على استعداد لتلقي اللقاح في مراحله الأولى. وكانت نسبة الموافقين 48 في المئة في أغسطس (آب) الماضي. لكن 65 في المئة قالوا أنهم يفضلون تلقي اللقاح بعد اكتمال الموافقات الصحية عليه من الجهات المختصة. لكن تأبى السياسية والتوجهات إلا أن تتدخل. ف62 في المئة قالوا إنهم يثقون في تصريحات كبير الخبراء الأميركيين للأمراض المعدية أنتوني فاوتشي، وقال 27 في المئة فقط إنهم يثقون فيما يقول ترمب عن اللقاح ومأمونيته.

ترمب وفاوتشي

وجدير بالذكر أن ترمب كان قد توعد فاوتشي إبان الحملة الانتخابية الرئاسية، حتى أنه قال أنه سيقيل فاوتشي عقب نجاحه في انتخابات الرئاسة. وقد تبادل كل من ترمب وفاوتشي الاتهامات العلنية فيما يختص بفيروس كوفيد-19 وسبل مواجهته والسيطرة عليه. ترمب اعتاد توجيه اتهام انتشار الفيروس ونسب الإصابة المرتفعة جداً في أميركا لفاوتشي والأخير دأب على انتقاد ترمب لأنه تجاهل نصائحه فيما يختص بالفيروس.

تسييس الفيروس ولقاحه

تسييس الفيروس وبالطبع اللقاح مستمران في حصد المزيد من الاستقطاب والبلبلة في داخل أميركا. ويشير استطلاع رأي أجرته شركة "أبسوس" للبحوث التسويقية والاستشارات، الى ان 62 من الأميركيين قالوا أنهم سيتلقون اللقاح لو أكد لهم الطبيب المعالج إنه آمن. لكن النسبة انخفضت إلى 19 في المئة فقط في حال كان ترمب هو من يؤكد أن اللقاح آمن. الأدهى من ذلك أن نسبة كبيرة من الأميركيين فقدت ثقتها في العديد من المؤسسات الصحية والطبية بعد ما تم تسييس بعضها وضمه إلى معسكري التناحر السياسي الأميركي – الأميركي، والأميركي – الصيني، وبالطبع الأميركي الروسي.

الإعلام الأميركي مليء بالمقالات العلمية وأعمدة الرأي المشككة في اللقاح الروسي. الحديث عن مأمونية لقاح "سبوتنيك في" والسرعة الكبيرة التي تم الإعلان بها عنه مادة ثرية ومتكررة في أميركا والدول المحسوبة على المعسكر الأميركي في مقابل المعسكر الروسي. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال أن اللقاح الروسي آمن وفعال، "لا داعي للتشكيك فيه"، مشيراً إلى أنه سيتلقى اللقاح "ما أن يصبح ذلك ممكناً" لفئته العمرية.

أوكرانيا واللقاح الروسي

ولأن كلاً يغني على ليلاه، وكل لقاح يغني على سياساته، فإن الإعلام الروسي مهتم ب"شكوى الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي من أن مواطنيه يرغبون في الحصول على اللقاح الروسي"، لا سيما وأن أوكرانيا تواجه أزمة في الحصول على اللقاحات بعد حظر أميركا تصديرها.

الطريف أن روسيا تنتج مواداً إعلامية عديدة تدور حول فكرة مفادها أن اللقاح الروسي علم دون سياسة. لكن السياسة تبقى زاعقة وفاعلة. المتحدث الإعلامي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قال أن موقف الغرب تجاه اللقاح الروسي يرتبط بالمنافسة غير النزيهة، لا سيما وأن خروج اللقاح الروسي إلى النور مثل تهديداً كبيراً للشركات المصنعة للقاح في الغرب.

لكن التهديد والتناحر والمنافسة غير النزيهة والزج بالسياسة في االلقاح ليست حكراً على الدول الكبرى والقوى العظمى، فرحى هذه الحروب تدور بشدة بين الجماعات والمجموعات والدول ومواقع التواصل الاجتماعي وما تحويه من أضداد وأخوة وعداء.

الإسلام السياسي واللقاح الصيني

العداء الكبير بين جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وعدد من الدول العربية التي لفظتها انعكس بشكل واضح على جدليات اللقاح. وما أن أعلنت مصر عن حصولها على اللقاح الصيني حتى تجيشت الكتائب واصطفت اللجان وتحول "اللقاح الصيني" الذي "سيقتل المصري الغلبان" و"يقهر المواطن الغلبان" إلى وسوم وتغريدات وتدوينات. إعلان وزيرة الصحة والسكان المصرية هالة زايد عن وصول الدفعة الأولى من اللقاح الصيني أدى إلى موجة من الفرحة العارمة والتفاؤل بأن القادم أفضل، وموجة موازية من الاستهزاء والسخرية لأن "المنتجات الصينية مضروبة" و"لأن النظام يريد أن يقضي على المصريين" وهلم جرا.

أنصار الدولة وأعداؤها

وقد جرى العرف على مدار السنوات الماضية أن تخضع كل كبيرة وصغيرة للتسييس والاستقطاب، وذلك من قبل المدافعين عن الدولة المصرية من جهة والمدافعين عن جماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى. الطريف أن الموافقين على اللقاح الصيني حالياً مصنفين باعتبارهم "دولجية" أو "مؤيدين للحكومة المصرية". أما المعارضون للقاح أو المتشككون فيه فيتم وصمهم ب"إخوان" أو "أعداء الدولة" أو "أناركيين". وقبل أيام استضاف الإعلامي عمرو أديب في برنامجه التلفزيوني طبيبين: الأول سرد محاسن اللقاح الصيني، والثانية حذرت منه تحذيراً شديداً. وما أن انتهت الحلقة حتى كانت مواقع التواصل الاجتماعي حافلة بتدوينات وتغريدات لا تعكس إلا انتماءات وأهواء سياسية. المعارضون للنظام السياسي المصري اعتبروا الطبيب المؤيد للقاح متحدثا باسم الدولة، بينما نصبوا الطبيبة مناضلة ومجاهدة في سبيل الله والحق. أما المؤيدون فقد صفقوا كثيراً للطبيب وانتقدوا وشككوا في الطبيبة وما قالته، وذهب البعض إلى درجة اتهامامها بانها "إخوانية وتخدم مصالحهم".

مصالح الدول وتحالفاتها ومكاناتها السياسية تبقى مكوناً رئيسياً من مكونات اللقاح. وإذا كان الغرض من اللقاح هو حماية الإنسانية من فيروس قاتل، فإن الغرض الآخر هو حماية الدول وإنقاذها عبر إنقاذ الاقتصاد. ومن يملك الوسيلة لإنقاذ الاقتصاد يعني أنه يملك الطريقة للحصول على اللقاح، حتى ولو تم ذلك عبر حروب شعواء.

رحابة الافتراضي

حروب اللقاح لا تقتصر على منصات الواقع، لكن المنصة الافتراضية فيها متسع لكل الفرق المتناحرة: أفراداً وجماعات ودوراً وشركات. وموجات التغريدات المشككة في لقاح ما تقابلها موجات أخرى مؤيدة للقاح آخر ومروجة لجودته وأمانه. وتكفي تغريدة واحدة على "تويتر" أو تدوينة على "فايسبوك" أو "ستوري" على إنستغرام تحمل كلمات أو صور عمن تلقى هذا اللقاح فأصيب بالشلل أو من تلقى ذلك اللقاح فضربته الأعراض مسببة له أضرارا مدى الحياة، لتفقد الشركات الكثير وتنفق الأكثر على النفي وتحسين التسويق والتوزيع.

حروب اللقاح لن تنتهي قريباً، وكذلك الفيروس، ومعهما حروب الدول لاستعادة توازنها وربما كسب المزيد من الأرضية السياسية على حساب الفيروس واللقاح. إنه نظام عالمي جديد جار تحميله ويلعب فيه اللقاح وكمياته دور البطولة..